بَابُ: فَضْلِ الْجُمْعَةِ
بَابُ: فَضْلِ الْجُمْعَةِ
417- قال الفقيه أبو الليث السمرقندي: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا فَارِسُ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ أَفْضَلَ أَيَّامِكُمْ يَوْمُ الْجُمْعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا فِيهِ عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ نَعْرِضُ صَلَاتَنَا عَلَيْكَ وَقَدْ بَلِيتَ؟ قَالَ: «أَتَقُولُونَ قَدْ بَلِيتُ؟ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ» .
وَرُوِيَ فِي خَبَرٍ آخَرَ أَنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ تَرُدُّ عَلَيْنَا السَّلَامَ وَقَدْ رَمَمْتَ فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ وَمَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ».
418- قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا فَارِسُ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ الْجُعْفِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ، عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَذَكَرَ الْجُمْعَةَ، فَقَالَ: «مَنْ غَسَلَ وَاغْتَسَلَ وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ وَدَنَا فَأَنْصَتَ، وَلَمْ يَلْغُ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ كَأَجْرِ سَنَةٍ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا» .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ سَأَلْتُ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ عَنْ قَوْلِهِ: «غَسَلَ» : قَالَ غَسَلَ مَوَاضِعَ الْوُضُوءِ «وَاغْتَسَلَ» يَعْنِي جَسَدَهُ، وَسَأَلْتُ عَنْ «بَكَّرَ وَابْتَكَرَ» قَالَ يَعْنِي بَكَّرَ عَلَى غُسْلِهِ وَابْتَكَرَ إِلَى الْجُمْعَةِ.
419- قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «لَمْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَلَمْ تَغْرُبْ عَلَى يَوْمٍ أَفْضَلَ مِنْ يَوْمِ الْجُمْعَةِ، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا وَهِيَ تَفْزَعُ لِيَوْمِ الْجُمْعَةِ، إِلَّا الثَّقَلَيْنِ -الْجِنِّ وَالْإِنْسِ- وَعَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَكَانِ يَكْتُبَانِ النَّاسَ، الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ كَرَجُلٍ قَرَّبَ بَدَنَةً، وَكَرَجُلٍ قَرَّبَ شَاةً، وَكَرَجُلٍ قَرَّبَ طَيْرًا، وَكَرَجُلٍ قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا قَعَدَ الْإِمَامُ طُوِيَتِ الصُّحُفُ».
420- وَرَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمْعَةَ، فَاسْتَمَعَ وَدَنَا فَأَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمْعَةِ، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَا، فَقَدْ لَغَا، فَلَا جُمْعَةَ لَهُ».
421- وَرَوَى أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «إِنَّ خَيْرَ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمْعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُهْبِطَ مِنْهَا، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا مُؤْمِنٌ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى فِيهَا شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» .
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: قَدْ عَرَفْتُ تِلْكَ السَّاعَةِ وَهِيَ آخِرُ سَاعَاتِ النَّهَارِ، وَهِيَ السَّاعَةُ الَّتِي خُلِقَ فِيهَا آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء: 37].
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: لَأَنْ أَشْهَدَ الْجُمْعَةَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حَجَّةِ تَطَوُّعٍ .
وَعَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ: لَأَنْ أَشْرَبَ قَدَحًا مِنْ نَارٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَشْرَبَ قَدَحًا مِنْ خَمْرٍ، وَلَأَنْ أَشْرَبَ قَدَحًا مِنْ خَمْرٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَخَلَّفَ عَنِ الْجُمْعَةِ، وَلَأَنْ أَتَخَلَّفَ عَنِ الْجُمْعَةِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ.
422- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ آيَةً فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِأُبَيّ بْنِ كَعْبٍ: مَتَى أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ؟ فَغَمَزَهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لَهُ أُبَيُّ: إِنَّمَا فات حَظُّكَ مِنْ صَلَاتِكَ مَا لَغَوْتَ، فَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «صَدَقَ أُبَيُّ» ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، ويلبس أحسن ما عنده، وَيَمَسُّ مِنْ دُهْنِهِ وَمَا كَانَ، ثُمَّ يَأْتِي الْجُمْعَةَ فَلَا يُؤْذِي أَحَدًا، وَلَا يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ، فَيُصَلِّي مَا قَضَى اللَّهُ تَعَالَى لَهُ، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ جَلَسَ وَأنَصْتَ إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ».
423- وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَوْمَ الْجُمْعَةِ سَيِّدُ الْأَيَّامِ وَأَعْظَمُهَا عِنْدَ اللَّهِ، وَهُوَ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ، وَمِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، وَفِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ: فِيهِ خلق اللَّه تَعَالَى آدم، وَفِيهِ أَهْبَطَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ إِلَى الْأَرْضِ، وَفِيهِ تُوُفِّيَ آدَمُ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يَسْأَلُ الْعَبْدُ فِيهَا شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ، مَا لَمْ يَسْأَلْ حَرَامًا، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، وَمَا مِنْ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا فِي سَمَاءٍ وَلَا فِي أَرْضٍ إلا وهو يُشْفِقُ مِنْ يَوْمِ الْجُمْعَةِ»
424- عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمْعَةِ خَرَجَ الشَّيْطَانُ مَعَ أَعْوَانِهِ يُزَيِّنُونَ لِلنَّاسِ أَسْوَاقَهُمْ وَمَعَهُمُ الرَّايَاتُ، وَتَقْعُدُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، فَيَكْتُبُونَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ مَنَازِلِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ الْإِمَامُ، فَمَنْ دَنَا مِنَ الْإِمَامِ فَأَنْصَتَ وَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ، كَانَ لَهُ كِفْلَانِ أَيْ حَظَّانِ وَنَصِيبَانِ مِنَ الْأَجْرِ، وَمَنْ تَبَاعَدَ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ وَلَمْ يَلْغُ كَانَ لَهُ كِفْلٌ مِنَ الْأَجْرِ، وَمَنْ دَنَا مِنَ الْإِمَامِ فَلَغَا وَلَمْ يَسْتَمِعْ، كَانَ لَهُ كِفْلٌ مِنَ الْوِزْرِ، وَمَنْ قَالَ: مَهْ فَقَدْ تَكَلَّمَ، وَمَنْ تَكَلَّمَ فَقَدْ لَغَا، وَمَنْ لَغَا فَلَا جُمْعَةَ لَهُ»، ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: هَكَذَا سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ.
قال الفقيه رحمه الله تعالى: سَمِعْتُ أَبِي، قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ صَالِحًا الْمُرِّيَّ أَقْبَلَ لَيْلَةَ الْجُمْعَةِ يُرِيدُ مَسْجِدَ الْجَامِعِ لِيُصَلِّيَ فِيهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَمَرَّ بِمَقْبَرَةٍ فَقَالَ لَوْ أَقَمْتُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ، فَدَخَلَ الْمَقْبَرَةَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَاتَّكَأَ عَلَى قَبْرٍ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَرَأَى فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ قَدْ خَرَجُوا مِنْ قُبُورِهِمْ، فَقَعَدُوا حِلَقًا حِلَقًا يَتَحَدَّثُونَ، فَإِذَا شَابٌّ عَلَيْهِ ثِيَابٌ دَنِسَةٌ، فَقَعَدَ فِي جَانِبٍ مَغْمُومًا، فَلَمْ يَمْكُثُوا إِذْ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ أَطْبَاقٌ عَلَيْهَا أَلْطَافٌ مُغَطَّاةٌ بِمَنَادِيلَ، فَكُلَّمَا جَاءَ وَاحِدًا مِنْهُمْ طَبَقٌ أَخَذَهُ، وَدَخَلَ قَبْرَهُ حَتَّى بَقِيَ الْفَتَى فِي آخِرِ الْقَوْمِ لَمْ يَأْتِهِ، فَقَامَ حَزِينًا لِيَدْخُلَ فِي قَبْرِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ مَالِي أَرَاكَ حَزِينًا؟ وَمَا الَّذِي رَأَيْتَ؟ قَالَ: يَا صَالِحُ الْمُرِّيُّ هَلْ رَأَيْتَ الْأَطْبَاقَ؟ قَالَ: قُلْتُ نَعَمْ، فَمَا هِيَ؟ .
قَالَ: تِلْكَ أَلْطَافُ الْأَحْيَاءِ لِمَوْتَاهُمْ كُلَّمَا تَصَدَّقُوا عَنْهُمْ، أَوْ دَعَوْا لَهُمْ، أَتَاهُمْ ذَلِكَ فِي لَيْلَةِ الْجُمْعَةِ، وَإِنِّي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ السِّنْدِ، أَقْبَلْتُ بِوَالِدَتِي تُرِيدُ الْحَجَّ، فَلَمَّا صِرْتُ بِالْبَصْرَةِ، تُوُفِّيتُ بِهَا، وَتَزَوَّجَتْ وَالِدَتِي بَعْدِي، وَلَمْ تَذْكُرْ لِزَوْجِهَا أَنَّهُ كَانَ لَهَا وَلَدٌ، وَقَدْ أَلْهَتْهَا الدُّنْيَا فَمَا تَذْكُرُنِي بِشَفَةٍ وَلَا لِسَانٍ، فَحُقَّ لِيَ الْحُزْنُ إِذْ لَيْسَ لِي مَنْ يَذْكُرُنِي مِنْ بَعْدِي.
قَالَ صَالِحٌ: وَأَيْنَ مَنْزِلُ أُمِّكَ؟ فَوَصَفَ لِيَ الْمَوْضِعَ، قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحْتُ وَقَضَيْتُ صَلَاتِي أَقْبَلْتُ فَسَأَلْتُ عَنْ مَنْزِلِهَا، فَأُرْشِدْتُ إِلَيْهِ، فَجِئْتُ فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهَا، فَقُلْتُ: إِنِّي صَالِحٌ الْمُرِّيُّ بِالْبَابِ فَأَذِنَتْ لِي، فَدَخَلْتُ وَقُلْتُ: أُحِبُّ أَنْ لَا يَسْمَعَ كَلَامِي وَكَلَامَكِ أَحَدٌ، فَدَنَوْتُ حَتَّى مَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا إِلَّا سِتْرٌ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكِ اللَّهُ هَلْ لَكِ وَلَدٌ؟ قَالَتْ: لَا، قُلْتُ: فَهَلْ كَانَ لَكِ وَلَدٌ؟ فَتَنَفَّسَتِ الصُّعَدَاءَ ثُمَّ قَالَتْ: قَدْ كَانَ لِي وَلَدٌ شَابٌّ فَمَاتَ.
فَقَصَصْتُ عَلَيْهَا الْقِصَّةَ، قَالَ: فَبَكَتْ حَتَّى تَحَدَّرَتْ دُمُوعُهَا عَلَى خَدَّيْهَا، قَالَتْ: يَا صَالِحُ ذَاكَ وَلَدِي مِنْ مَنْزِلِ كَبِدِي وَالْحَشَا، كَانَ بَطْنِي لَهُ وَعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، ثُمَّ دَفَعَتْ لِيَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَقَالَتْ: تَصَدَّقْ بِهَا عَلَى حَبِيبِي وَقُرَّةِ عَيْنِي وَلَا أَنْسَاهُ الدُّعَاءَ وَالصَّدَقَةَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِي.
قَالَ: فَانْطَلَقْتُ فَتَصَدَّقْتُ بِالْأَلْفِ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْجُمْعَةِ الْأُخْرَى أَقْبَلْتُ أُرِيدُ الْجُمْعَةَ فَأَتَيْتُ الْمَقْبَرَةَ، وَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، وَاسْتَنَدْتُ إِلَى قَبْرٍ فَخَفِقْتُ بِرَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِقَوْمٍ قَدْ خَرَجُوا وَإِذَا أَنَا بِالْفَتَى عَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ فَرِحًا مَسْرُورًا، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى دَنَا مِنِّي ثُمَّ قَالَ: يَا صَالِحُ الْمُرِّيُّ جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا عَنِّي، وَقَدْ وَصَلَتْ إِلَيْنَا الْهَدِيَّةُ، فَقُلْتُ لَهُ: أَنْتُمْ تَعْرِفُونَ الْجُمْعَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنَّ الطُّيُورَ فِي الْهَوَاءِ يَعْرِفُونَهَا، وَيَقُولُونَ سَلَامٌ لِيَوْمِ صَالِحٍ، يَعْنِي يَوْمَ الْجُمْعَةِ.
425- قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حَدَّثَنِي الثِّقَةُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: " جَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي كَفِّهِ كَالْمِرْآةِ الْبَيْضَاءِ، وَفِي وَسَطِهَا كَالنُّكْتَةِ السَّوْدَاءِ قَالَ: «مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟» قَالَ: هَذَا يَوْمُ الْجُمْعَةِ يَعْرِضُهَا اللَّهُ عَلَيْكَ، لِتَكُونَ لَكَ عِيدًا وَلِأُمَّتِكَ مِنْ بَعْدِكَ، وَلَكُمْ فِيهَا خَيْرُ مَنْ دَعَا فِيهَا بِخَيْرٍ وَلَهُ قِسْمٌ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِسْمٌ ادُّخِرَ لَهُ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَهُوَ عِنْدَنَا يَوْمَ الْمَزِيدِ، وَنَحْنُ نَدْعُوهُ سَيِّدَ الْأَيَّامِ.
قَالَ: «وَلِمَ ذَلِكَ؟» قَالَ: لِأَنَّ رَبَّكَ اتَّخَذَ فِي الْجَنَّةِ وَادِيًا أَفْيَحَ فِيهِ كَثِيبٌ مِنْ مِسْكٍ أَبْيَضَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمْعَةِ جَاءَ النَّبِيُّونَ وَجَلَسُوا عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ مُكَلَّلَةٍ بِالْجَوَاهِرِ، ثُمَّ حُفَّ وَرَاءَ تِلْكَ الْمَنَابِرِ بِكَرَاسِيٍّ مِنْ نُورٍ، فَجَاءَ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ فَجَلَسُوا عَلَيْهَا، ثُمَّ يَأْتِي أَهْلُ جَنَّةِ عَدْنٍ فَيَجْلِسُونَ عَلَى ذَلِكَ الْكَثِيبِ الْأَبْيَضِ، فَيَقُولُ لَهُمُ الرَّبُّ تَعَالَى: أَنَا الَّذِي صُدِقْتُمْ وَعْدِي، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، وَهَذَا مَحَلُّ كَرَامَتِي فَسَلُونِي، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا نَسْأَلُكَ رِضْوَانَكَ وَالْجَنَّةَ.
فَيَقُولُ: رِضْوَانِي أُحِلُّكُمْ دَارِي وَأُنِيلُكُمْ كَرَامَتِي، فَيَسْأَلُونَهُ الرِّضَا فَيَهْدِيهِمُ الرِّضَا، وَيُعْطِيهِمْ فَوْقَ رَغْبَتِهِمْ وَأُمْنِيَتِهِمْ وَذَلِكَ قَدْرٌ مُنْصَرِفٌ أَمَامَكُمْ مِنَ الْجُمْعَةِ، وَيَفْتَحُ لَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ مَا لَا يَخْطُرُ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ وَلَمْ تَرَهُ عَيْنٌ، ثُمَّ يَرْجِعُ النَّبِيُّونَ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ، وَيَرْجِعُ أَهْلُ الْغُرَفِ إِلَى غُرَفِهِمْ، فَلَيْسُوا إِلَى شَيْءٍ أَحْوَجَ مِنْهُمْ إِلَى يَوْمِ الْجُمْعَةِ لِيَزْدَادُوا فِيهِ كَرَامَةً، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ يَوْمُ الْمَزِيدِ وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ ".
426- وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «الصَّلَوَاتُ فِي الْجَمَاعَةِ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجتُنِبَت الْكَبَائِرُ» .
وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
Post a Comment