بَابُ: حُرْمَةِ الْمَسَاجِدِ
بَابُ: حُرْمَةِ الْمَسَاجِدِ
427- قال الفقيه أبو الليث السمرقندي: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ السَّرَدِيُّ الْحَاكِمُ، حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ بْنُ مُحَمَّدِ السَّرْخَسِيُّ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ».
قال الفقيه: إِذَا كَانَ فِي وَقْتٍ مُبَاحٍ، فَأَمَّا إِذَا دَخَلَ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَمَا يُصَلِّي الْعَصْرَ، أَوْ بَعْدَمَا صَلَّى الْفَجْرَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ لِأَنَّهُ نُهِيَ عَنِ الصَّلَاةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلَكِنَّهُ يُسَبِّحُ وَيُهَلِّلُ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَيَنَالَ فَضْلَ الصَّلَاةِ وَأَدَّى عَنْهُ حَقَّ الْمَسْجِدِ.
428- قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ بَعْضِ أَشْيَاخِهِ، قَالَ: بَلَغَ أَبَا الدَّرْدَاءِ أَنَّ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ اشْتَرَى خَادِمًا فَكَتَبَ إِلَيْهِ يُعَاتِبُهُ فِي ذَلِكَ، فَكَانَ فِي كِتَابِهِ: يَا أَخِي تَفَرَّغْ لِلْعِبَادَةِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِكَ مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا تَسْتَطِيعُ فِيهِ الْعِبَادَةَ، وَاغْتَنِمْ دَعْوَةَ الْمُؤْمِنِ مِنَ الْمُبْتَلِي وَارْحَمِ الْيَتِيمَ، وَامْسَحْ بِرَأْسِهِ، وَأَطْعِمْهُ مِنْ طَعَامِكَ يَلِنْ قَلْبُكَ، وَتُدْرِكْ حَاجَتَكَ فَإِنِّي شَهِدْتُهُ يَوْمًا يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ، وَأَتَاهُ رَجُلٌ يَشْكُو إِلَيْهِ قَسَاوَةَ قَلْبِهِ، فَقَالَ: «أَتُحِبُّ أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ وَتُدْرِكَ حَاجَتَكَ»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «ارْحَمِ الْيَتِيمَ وَامْسَحْ بِرَأْسِهِ وَأَطْعِمْهُ مِنْ طَعَامِكَ يَلِنْ قَلْبُكَ وَتُدْرِكْ حَاجَتَكَ» .
يَا أَخِي لِيَكُنِ الْمَسْجِدُ بَيْتَكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الْمَسَاجِدُ بُيُوتُ الْمُتَّقِينَ» وَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِمَنْ كَانَتْ بُيُوتُهُمُ الْمَسَاجِدَ بِالرَّوْحِ، وَالرَّاحَةِ، وَالْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ، وَالنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ إِلَى رِضْوَانِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
قَالَ الْحَكِيمُ بْنُ عُمَيْرٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: كُونُوا فِي الدُّنْيَا أَضْيَافًا، وَاتَّخِذُوا الْمَسَاجِدَ بُيُوتًا وَعَلِّمُوا قُلُوبَكُمُ الرِّقَّةَ، وَأَكْثِرُوا التَّفَكُّرَ وَالْبُكَاءَ لَا تَخْتَلِفَنَّ بِكُمُ الْأَهْوَاءُ .
قَالَ قَتَادَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: مَا كَانَ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُرَى إِلَّا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ: مَسْجِدٍ يَعْمُرُهُ، وَبَيْتٍ يَسْتُرُهُ، وَحَاجَةٍ لَا بَأْسَ بِهَا.
وَقَالَ النَّزَّالُ بْنُ سَبْرَةَ: الْمُنَافِقُ فِي الْمَسْجِدِ كَالطَّيْرِ فِي الْقَفَصِ .
وَعَنْ خَلَفِ بْنِ أَيُّوبَ، أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ، فَأَتَاهُ غُلَامُهُ يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ، فَقَامَ فَخَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ ثُمَّ أَجَابَهُ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: مَا تَكَلَّمْتُ فِي الْمَسْجِدِ بِكَلِمِ الدُّنْيَا مُنْذُ كَذَا سَنَةٍ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ الْيَوْمَ.
قال الفقيه: إِنَّمَا يَصِيرُ لِلْعَبْدِ مَنْزِلَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا عَظَّمَ أَوَامِرَهُ، وَعَظَّمَ بُيُوتَهُ، وَعِبَادَهُ، وَالْمَسَاجِدُ بُيُوتُ اللَّهِ، فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُعَظِّمَهَا فَإِنَّ فِي تَعْظِيمِ الْمَسَاجِدِ تَعْظِيمَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الزُّهَّادِ أَنَّهُ قَالَ: مَا اسْتَنَدْتُ فِي الْمَسْجِدِ إِلَى شَيْءٍ، وَلَا طَوَّلْتُ قَدَمِي فِيهَا، وَلَا تَكَلَّمْتُ بِكَلَامِ الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِيُقْتَدَى بِهِ .
وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: خَمْسٌ كَانَ عَلَيْهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالتَّابِعُونَ بِإِحْسَانٍ: لُزُومُ الْجَمَاعَةِ، وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ، وَعِمَارَةُ الْمَسْجِدِ وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ: ثَلَاثَةٌ فِي جِوَارِ اللَّهِ تَعَالَى:
رَجُلٌ دَخَلَ الْمَسْجِدَ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا لِلَّهِ، فَهُوَ ضَيْفُ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَرْجِعَ، وَرَجُلٌ زَارَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ لَا يَزُورُهُ إِلَّا لِلَّهِ، فَهُوَ مِنْ زُوَّارِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَرْجِعَ من عنده، وَرَجُلٌ خَرَجَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا لَا يَخْرُجُ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى فَهُوَ وَفْدُ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ.
وَيُقَالُ: حُصُونُ الْمُؤْمِنِ ثَلَاثَةٌ: الْمَسْجِدُ، وَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى، وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ، وَالْمُؤْمِنُ إِذَا كَانَ فِي وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ، فَهُوَ فِي حِصْنٍ مِنَ الشَّيْطَانِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: مُهُورُ الْحُورِ فِي الْجَنَّةِ كَنْسُ الْمَسَاجِدِ وَعِمَارَتُهَا.
429- قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: مَنْ أَسْرَجَ فِي الْمَسْجِدِ سِرَاجًا لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ، وَحَمَلَةُ الْعَرْشِ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ مَا دَامَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ.
430- وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: الْمَسَاجِدُ بُيُوتُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، وَالْمُصَلِّي فِيهَا زَائِرُ اللَّهِ، وَحَقٌّ عَلَى الْمَزُورِ أَنْ يُكْرِمَ زَائِرَهُ.
قَالَ الْفَقِيهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يُقَالُ: حُرْمَةُ الْمَسَاجِدِ خَمْسُ عَشْرَةَ خَصْلَةٌ:
أَوَّلُهَا: أَنْ يُسَلِّمَ وَقْتَ الدُّخُولِ إِذَا كَانَ الْقَوْمُ جُلُوسًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَحَدٌ أَوْ كَانُوا فِي الصَّلَاةِ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْنَا مِنْ رَبِّنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ.
431- لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لِكُلِّ شَيْءٍ تَحِيَّةٌ وَتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ رَكْعَتَانِ» .
وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا يَشْتَرِي فِيهِ وَلَا يَبِيعَ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ لَا يَسُلَّ فِيهِ الْسَيْفَ.
وَالْخَامِسُ: أَنْ لَا يَنْشُدَ فِيهِ الضَّالَّةَ.
وَالسَّادِسُ: أَنْ لَا يَرْفَعَ فِيهِ الصَّوْتَ فِي غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالسَّابِعُ: أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فِيهِ بِشَيْءٍ مِنْ أَحَادِيثِ الدُّنْيَا.
وَالثَّامِنُ: أَنْ لَا يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ، وَالتَّاسِعُ: أَنْ لَا يُنَازِعَ فِي الْمَكَانِ.
وَالْعَاشِرُ: أَنْ لَا يُضَيِّقَ عَلَى أَحَدٍ فِي الصَّفِّ.
وَالْحَادِي عَشَرَ: أَنْ لَا يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي.
وَالثَّانِي عَشَرَ: أَنْ لَا يَبْزُقَ فِيهِ.
وَالثَّالِثُ عَشَرَ: أَنْ لَا يُفَرْقِعَ أَصَابِعَهُ فِيهِ.
وَالرَّابِعُ عَشَرَ: أَنْ يُنَزِّهَهُ عَنِ النَّجَاسَاتِ وَالْمَجَانِينِ وَالصِّبْيَانِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ.
وَالْخَامِسُ عَشَرَ: أَنْ يُكْثِرَ فِيهِ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَغْفُلَ عَنْهُ.
432- وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «يَأْتِي عَلَى أُمَّتِي زَمَانٌ يَكُونُ حَدِيثُهُمْ فِي مَسَاجِدِهِمْ لِأَمْرِ دُنْيَاهُمْ، لَيْسَ لِلَّهِ فِيهِمْ حَاجَةٌ فَلَا تُجَالِسُوهُمْ» .
433- وَرُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَكُونُ الْغُرَبَاءُ فِي الدُّنْيَا أَرْبَعَةً: قُرْآنٌ فِي جَوْفِ ظَالِمٍ، وَمَسْجِدٌ فِي نَادِي قَوْمٍ لَا يُصَلُّونَ فِيهِ، وَمُصْحَفٌ فِي بَيْتٍ لَا يُقْرَأُ فِيهِ، وَرَجُلٌ صَالِحٌ مَعَ قَوْمِ سُوءٍ».
434- وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «تُحْشَرُ الْمَسَاجِدُ كَأَنَّهَا بُخْتٌ بِيضٌ قَوَائِمُهَا مِنَ الْعَنْبَرِ، وَأَعْنَاقُهَا مِنَ الزَّعْفَرَانِ، وَرُؤُوسُهَا مِنَ الْمِسْكِ الْأَذْفَرِ، وَأَسْنَامُهَا مِنَ الزَّبَرْجَدِ الْأَخْضَرِ، وَقُوَّادُهَا الْمُؤَذِّنُونَ يَقُودُونَهَا، وَالْأَئِمَّةُ يَسُوقُونَهَا، فَيَعْبُرُونَ بِهَا فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ، فَيَقُولُ أَهْلُ الْقِيَامَةِ: هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَالْأَنْبِيَاءُ الْمُرْسَلُونَ، فَيُنَادُونَهُمْ يَا أَهْلَ الْقِيَامَةِ، مَا هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَلَا الْأَنْبِيَاءُ وَلَا الْمُرْسَلُونَ، بَلْ هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِينَ كَانُوا يَحْفَظُونَ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ».
وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبَّهٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ: يُؤْتَى بِالْمَسَاجِدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَمْثَالِ السُّفُنِ مُكَلَّلَهً بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ فَتَشْفَعُ لِأَهْلِهَا.
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، قَالَ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَبْقَى مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَّا اسْمُهُ، وَلَا مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا رَسْمُهُ، يَعْمُرُونَ مَسَاجِدَهُمْ وَهِيَ خَرَابٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى شَرُّ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ عُلَمَاؤُهُمْ، مِنْهُمْ تَخْرُجُ الْفِتَنُ وَإِلَيْهِمْ تَعُودُ.
Post a Comment