بَابُ: حِفْظِ اللِّسَانِ
بَابُ: حِفْظِ اللِّسَانِ
268- قال الفقيه أبو الليث السمرقندي رضي الله عنه: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقُمِّيُّ، عَنْ اللَّيْثِ، عَنْ مُجَاهِدٍ :
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي، قَالَ: «عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهَا جِمَاعُ كُلِّ خَيْرٍ، وَعَلَيْكَ بِالْجِهَادِ فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ الْمُسْلِمِينَ -أَوْ قَالَ: الْمُسْلِمَ-، وَعَلَيْكَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ نُورٌ لَكَ فِي الْأَرْضِ وَذِكْرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ، وَاخْزُنْ لِسَانَكَ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّكَ بِذَلِكَ تَغْلِبُ الشَّيْطَانَ».
قال الفقيه: مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى»، فَتَقْوَى اللَّهِ أَنْ يَجْتَنِبَ عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَيَعْمَلَ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ جَمَعَ جَمِيعَ الْخَيْرِ.
وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «وَاخْزُنْ لِسَانَكَ» يَعْنِي احْفَظْ لِسَانَكَ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ يَعْنِي قُلْ خَيْرًا حَتَّى تَغْنَمَ، أَوِ اسْكُتْ حَتَّى تَسْلَمَ، فَإِنَّ السَّلَامَةَ فِي السُّكُوتِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَغْلِبُ الشَّيْطَانَ إِلَّا بِالسُّكُوتِ، فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ حَافِظًا لِلِسَانِهِ، حَتَّى يَكُونَ فِي حِرْزٍ مِنَ الشَّيْطَانِ وَيَسْتُرَ اللَّهُ عَلَيْهِ عَوْرَتَهُ
269- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ حِمْدَانَ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الطُّوسِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّازِيُّ، عَنِ الْمُغِيرَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ لَطَمَ عَبْدَهُ كَانَ كَفَّارَتُهُ عِتْقَهُ، وَمَنْ مَلَكَ لِسَانَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ عَوْرَتَهُ. وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ وَقَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَذَابَهُ، وَمَنِ اعْتَذَرَ إِلَى رَبِّهِ قَبِلَ اللَّهُ مَعْذِرَتَهُ».
270- قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ».
قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، حَدَّثَنَا يَعْلَى، قَالَ:
دَخَلْنَا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ الزَّاهِدِ، فَقَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا لَعَلَّهُ يَنْفَعُكُمْ، فَإِنَّهُ قَدْ نَفَعَنِي.
قَالَ: قَالَ لَنَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: " يَا ابْنَ أَخِي، إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ فُضُولَ الْكَلَامِ، وَكَانُوا يَعُدُّونَ كُلَّ كَلَامٍ فُضُولًا، مَا عَدَا كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى، أَنْ يَقْرَأَهُ أَحَدٌ أَوْ أَمْرًا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ نَهْيًا عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ تَنْطِقَ بِحَاجَتِكَ فِي مَعِيشَتِكَ الَّتِي لَا بُدَّ لَكَ مِنْهَا.
ثُمَّ قَالَ: أَتُنْكِرُونَ قَوْلَهُ: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ} [الانفطار: 10-11]، وَ {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 17-18]، أو ما يستحي أحدكم أَنْ لَوْ نُشِرَتْ عَلَيْهِ صَحِيفَتُهُ الَّتِي أَمْلَاهَا صَدْرَ نَهَارِهِ وَأَكْثَرُ مَا فِيهَا لَيْسَ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ وَلَا دُنْيَاهُ؟! .
271- قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَرْبَعٌ لَا تَصِيرُ إِلَّا فِي مُؤْمِنٍ: الصَّمْتُ وَهُوَ أَوَّلُ الْعِبَادَةِ، وَالتَّوَاضُعُ، وَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِلَّةُ الشَّرِّ ».
وَذُكِرَ عَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِهَذَا اللَّفْظِ.
272- رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ».
وَذُكِرَ عَنْ لُقْمَانَ الْحَكِيمِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: مَا بَلَغَ بِكَ مَا نَرَى؟ قَالَ: صِدْقُ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ، وَتَرْكِي مَا لَا يَعْنِينِي.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَرْبَعَةٌ مِنَ الْمُلُوكِ تَكَلَّمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِكَلِمَةٍ كَأَنَّهَا رَمْيَةٌ رُمِيَتْ مِنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ:
قَالَ كِسْرَى: لَا أَنْدَمُ عَلَى مَا لَمْ أَقُلْ، وَقَدْ أَنْدَمُ عَلَى مَا قُلْتُ.
وَقَالَ مَلِكُ الصِّينِ: مَا لَمْ أَتَكَلَّمْ بِكَلِمَةٍ فَأَنَا أَمْلِكُهَا، فَإِنْ تَكَلَّمْتُ بِهَا مَلَكَتْنِي.
وَقَالَ قَيْصَرُ مَلِكُ الرُّومِ: أَنَا عَلَى رَدِّ مَا لَمْ أَقُلْ أَقْدَرُ مِنِّي عَلَى رَدِّ مَا قُلْتُ.
وَقَالَ مَلِكُ الْهِنْدِ: الْعَجَبُ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ إِنْ هِيَ ضَرَّتْهُ وَإِنْ لَمْ تُرْفَعْ لَمْ تَنْفَعْهُ.
وَرُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خَيْثَمَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَصْبَحَ وَضَعَ قِرْطَاسًا وَقَلَمًا وَلَا يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ إِلَّا كَتَبَهُ وَحَفِظَهُ، ثُمَّ يُحَاسِبُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْمَسَاءِ.
قال الفقيه: هَكَذَا كَانَ عَمَلُ الزُّهَّادِ، إِنَّهُمْ كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ لِحِفْظِ اللِّسَانِ، وَيُحَاسِبُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُحَاسِبَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ أَنْ يُحَاسَبَ فِي الْآخِرَةِ، لِأَنَّ حِسَابَ الدُّنْيَا أَيْسَرُ مِنْ حِسَابِ الْآخِرَةِ، وَحِفْظَ اللِّسَانِ فِي الدُّنْيَا أَيْسَرُ مِنْ نَدَامَةِ الْآخِرَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ أَنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ صَحِبَ الرَّبِيعَ بْنَ خَيْثَمَ عِشْرِينَ سَنَةً، فَمَا سَمِعَ مِنْهُ كَلِمَةً يُعَابُ بِهَا.
وَقَالَ مُوسَى بْنُ سَعِيدٍ: لَمَّا أُصِيبَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، يَعْنِي قُتِلَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ الرَّبِيعِ: إِنْ تَكَلَّمَ الرَّبِيعُ فَالْيَوْمَ يَتَكَلَّمُ، فَجَاءَ حَتَّى فَتَحَ الْبَابَ وَأَخْبَرَهُ بِأَنَّ الْحُسَيْنَ قَدْ قُتِلَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: {اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}[الزمر:46]، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا.
قَالَ حَكِيمٌ مِنَ الْحُكَمَاءِ: سِتُّ خِصَالٍ يُعْرَفُ بِهِنَّ الْجَاهِلُ:
أَحَدُهَا: الْغَضَبُ فِي غَيْرِ شَيْءٍ، يَعْنِي يَغْضَبُ عَلَى ابْنِ آدَمَ وَعَلَى الْحَيَوَانِ وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ يَسْتَقْبِلُهُ مِنْهُ مَكْرُوهٌ، فَهَذَا مِنْ عَلَامَةِ الْجَهْلِ.
وَالثَّانِي: الْكَلَامُ فِي غَيْرِ نَفْعٍ، فَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ لَا فَائِدَةَ لَهُ فِيهِ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكُلِّ كَلَامٍ فِيهِ مَنْفَعَةٌ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ.
وَالثَّالِثُ: الْعَطِيَّةُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، يَعْنِي يَدْفَعُ مَالَهُ إِلَى مَنْ لَا يَكُونُ لَهُ فِي ذَلِكَ أَجْرٌ، وَهُوَ عَلَامَةُ الْجَهْلِ.
وَالرَّابِعُ: إِفْشَاءُ السِّرِّ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ.
وَالْخَامِسُ: الثِّقَةُ بِكُلِّ إِنْسَانٍ.
وَالسَّادِسُ: أَنْ لَا يَعْرِفَ صَدِيقَهُ مِنْ عَدُوِّهِ يَعْنِي أَنَّ الرَّجُلَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْرِفَ صَدِيقَهُ فَيُطِيعُهُ، وَيَعْرِفَ عَدُوَّهُ فَيَحْذَرَهُ، وَأَوَّلُ الْأَعْدَاءِ هُوَ الشَّيْطَانُ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُطِيعَهُ فِيمَا يَأْمُرُهُ.
وَعَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ كَلَامٍ لَيْسَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ لَغْوٌ، وَكُلُّ سُكُوتٍ لَيْسَ بِفِكْرٍ فَهُوَ غَفْلَةٌ، وَكُلُّ نَظَرٍ لَيْسَ بِعِبْرَةٍ فَهُوَ لَهْوٌ، فَطُوبَى لِمَنْ كَانَ كَلَامُهُ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى، وَسُكُوتُهُ تَفَكُّرًا، وَنَظَرُهُ عِبْرَةً.
وَذُكِرَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْمُؤْمِنُ يُقِلُّ الْكَلَامَ وَيُكْثِرُ الْعَمَلَ، وَالْمُنَافِقُ يُكْثِرُ الْكَلَامَ وَيُقِلُّ الْعَمَلَ.
273- وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «خَمْسٌ لَا تَكُونُ فِي الْمُنَافِقِ: الْفِقْهُ فِي الدِّينِ، وَالْوَرَعُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّبَسُّمُ فِي الْوَجْهِ، وَالنُّورُ فِي الْقَلْبِ، وَالْمَوَدَّةُ فِي الْمُسْلِمِينَ».
قَالَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ: مَا صَلُحَ مَنْطِقُ رَجُلٍ إِلَّا عُرِفَ ذَلِكَ فِي سَائِرِ عَمَلِهِ، وَلَا فَسَدَ مَنْطِقُ رَجُلٍ إِلَّا عُرِفَ ذَلِكَ فِي سَائِرِ عَمَلِهِ.
وَذُكِرَ عَنْ لُقْمَانَ الْحَكِيمِ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ مَنْ يَصْحَبْ صَاحِبَ السُّوءِ لَمْ يَسْلَمْ، وَمَنْ يَدْخُلْ مَدْخَلَ السُّوءِ يُتَّهَمْ، وَمَنْ لَا يَمْلِكُ لِسَانَهُ يَنْدَمْ.
274- وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «طُوبَى لِمَنْ مَلَكَ لِسَانَهُ، وَوَسِعَهُ بَيْتُهُ وَبَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ».
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ إِنَّ لِسَانَ الْحَكِيمِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُولَ رَجَعَ إِلَى قَلْبِهِ فَإِنْ كَانَ لَهُ قَالَ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ أَمْسَكَ، وَإِنَّ الْجَاهِلَ قَلْبُهُ عَلَى طَرْفِ لِسَانِهِ، لَا يَرْجِعُ إِلَى قَلْبِهِ، مَا أَتَى عَلَى لِسَانِهِ تَكَلَّمَ.
275- قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: «كَانَ فِيهَا أَمْثَالٌ وَعِبَرٌ: يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ مَا لَمْ يَكُنْ مَغْلُوبًا فِي عَقْلِهِ أَنْ يَكُونَ حَافِظًا لِلِسَانِهِ عَارِفًا بِزَمَانِهِ مُقْبِلًا عَلَى شَانِهِ، فَإِنَّهُ مَنْ حَسِبَ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ».
276- عَنْ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: «يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ لَا يَكُونَ شَاخِصًا إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: مَرَمَّةٍ لِمَعَاشِهِ أَوْ خَلْوَةٍ لِمَعَادِهِ، أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ».
قَالَ: يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي النَّهَارِ أَرْبَعُ سَاعَاتٍ: سَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، وَسَاعَةٌ يَأْتِي فِيهَا أَهْلَ الْعِلْمِ الَّذِي يُبَصِّرُونَهُ بِأَمْرِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ وَيَنْصَحُونَهُ، وَسَاعَةٌ يُخَلِّي بَيْنَ نَفْسِهِ وَلَذَّاتِهَا فِيمَا يَحِلُّ وَيَجْمُلُ.
وَقَالَ: يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَنْظُرَ فِي شَأْنِهِ وَيَعْرِفَ أَهْلَ زَمَانِهِ وَيَحْفَظَ فَرْجَهُ وَلِسَانَهُ.
قال الفقيه رضي الله عنه: وذُكِر أن هذه الكلمات مكتوبةٌ في حكمة آل داوُد.
وَرُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ دَخَلَ عَلَى دَاوُدَ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ دَاوُدُ يَسْرُدُ الدِّرْعَ، فَجَعَلَ يَتَعَجَّبُ مِمَّا يَرَى فَأَرَادَ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَمَنَعَتْهُ حِكْمَتُهُ، فَأَمْسَكَ نَفْسَهُ وَلَمْ يَسْأَلْهُ.
فَلَمَّا فَرَغَ قَامَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَلَبِسَ الدِّرْعَ ثُمَّ قَالَ: نِعْمَ الدِّرْعُ لِلْحَرْبِ، وَنِعْمَ عَامِلُهُ، فَقَالَ لُقْمَانُ: الصَّمْتُ حِكْمَةٌ، وَقَلِيلٌ فَاعِلُهُ، قَالَ الْقَائِلُ:
الْعِلْمُ زَيْنٌ وَالسُّكُوتُ سَلَامَةٌ
فَإِذَا نَطَقْتَ فَلَا تَكُنْ مِكْثَارًا
مَا إِنْ نَدِمْتُ عَلَى سُكُوتِي مَرَّةَ
وَلَقَدْ نَدِمْتُ عَلَى الْكَلَامِ مِرَارًا
وَفِي مَوْضِعٍ أَنَّهُ كَانَ يَخْتَلِفُ إِلَيْهِ سَنَةً وَيُرِيدُ أَنْ يَسْأَلَهُ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ لَبِسَهُ وَقَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا الدِّرْعَ لِلْحَرْبِ فَقَالَ لُقْمَانُ الصَّمْتُ حِكْمَةٌ وَقَلِيلٌ فَاعِلُهُ هَذَا مِنْ كِتَابِ التَّنْبِيهِ وَأَمَّا مَا بَعْدَهُ مِنَ الْأَبْيَاتِ فَلَيْسَتْ مِنَ الْكِتَابِ قَالَ بَعْضُهُمْ:
يَمُوتُ الْفَتَى مِنْ عَثْرَةٍ بِلِسَانِهِ
وَلَيْسَ يَمُوتُ الْمَرْءُ مِنْ عَثْرَةِ الرِّجْلِ
وَقَالَ آخَرُ:
لَا تَنْطِقَنَّ بِمَا كَرِهْتَ فَرُبَّمَا
نَطَقَ اللِّسَانُ بِحَادِثٍ فَيَكُونُ
وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبَّاسٍ
لَعَمْرُكَ مَا شَيْءٌ عَلِمْتُ مَكَانَهُ
أَحَقُّ بِسَجْنٍ مِنْ لِسَانٍ مُذَلَّلِ
عَلَى فِيكَ مِمَّا لَيْسَ يَعْنِيكَ شَأْنُهُ
بِقُفْلٍ وَثَيِقٍ حَيْثُ كُنْتَ فَاقْفِلِ
فَرُبَّ كَلَامٍ قَدْ جَرَى مِنْ مُمَازِحٍ
فَسَاقَ إِلَيْهِ سَهْمَ حَتْفٍ مُعَجَّلِ
وَلَلصَّمْتُ خَيْرٌ مِنْ كَلَامِ مُمَازِحٍ
فَكُنْ صَامِتًا تَسْلَمْ وَإِنْ قُلْتَ فَاعْدِلِ
وَلَا تَكُ فِي جَنْبِ الْأَخِلَّاءِ مُفْرِطًا
وَإِنْ كُنْتَ أَبْغَضْتَ الْبَغِيضَ فَأَجْمِلِ
فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَتَى أَنْتَ مُبْغِضٌ
حَبِيبَكَ أَوْ تَهْوَى بَغِيضَكَ فاعقِلِ
قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: فِي الصَّمْتِ سَبَعَةُ آلَافِ خَبَرٍ، وَقَدِ اجْتَمَعَ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي سَبْعِ كَلِمَاتٍ، فِي كُلِّ كَلِمَةٍ مِنْهَا أَلْفٌ.
أَوَّلُهَا: أَنَّ الصَّمْتَ عِبَادَةٌ مِنْ غَيْرِ عَنَاءٍ.
وَالثَّانِي: زِينَةٌ مِنْ غَيْرِ حُلِيٍّ.
وَالثَّالِثُ: هَيْبَةٌ مِنْ غَيْرِ سُلْطَانٍ.
وَالرَّابِعُ: حِصْنٌ مِنْ غَيْرِ حَائِطٍ.
وَالْخَامِسُ: الِاسْتِغْنَاءُ عَنِ الِاعْتِذَارِ إِلَى أَحَدٍ.
وَالسَّادِسُ: رَاحَةُ الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ.
وَالسَّابِعُ: سَتْرًا لِعُيُوبِهِ.
وَيُقَالُ الصَّمْتُ زَيْنٌ لِلْعَالِمِ وَسَتْرٌ لِلْجَاهِلِ.
قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: إِنَّ جَسَدَ ابْنَ آدَمَ ثَلَاثَةُ أَجْزَاءٍ: فَجُزْءٌ مِنْهَا قَلْبُهُ، وَالثَّانِي: لِسَانُهُ، وَالثَّالِثُ: الْجَوَارِحُ.
وَقَدْ أَكْرَمَ اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ جُزْءٍ بِكَرَامَةٍ، فَأَكْرَمَ الْقَلْبَ بِمَعْرِفَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ، وَأَكْرَمَ اللِّسَانَ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَتِلَاوَةِ كِتَابِهِ، وَأَكْرَمَ الْجَوَارِحَ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَسَائِرِ الطَّاعَاتِ.
وَوَكَّلَ عَلَى كُلِّ جُزْءٍ رَقِيبًا وَحَفِيظًا، فَتَوَلَّى حِفْظَ الْقَلْبِ بِنَفْسِهِ، فَلَا يَعْلَمُ مَا فِي ضَمِيرِ الْعَبْدِ إِلَّا اللَّهُ، وَوَكَّلَ عَلَى لِسَانِهِ الْحَفَظَةَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]، وَسَلَّطَ عَلَى الْجَوَارِحِ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ.
ثُمَّ إِنَّهُ يُرِيدُ مِنْ كُلِّ جُزْءٍ وَفَاءً:
فَوَفَاءُ الْقَلْبِ: أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الْإِيمَانِ، وَأَنْ لَا يَحْسُدَ وَلَا يَخُونَ وَلَا يَمْكُرَ.
وَوَفَاءُ اللِّسَانِ: أَنْ لَا يَغْتَابَ وَلَا يَكْذِبَ وَلَا يَتَكَلَّمَ بِمَا لَا يَعْنِيهِ.
وَوَفَاءُ الْجَوَارِحِ: أَنْ لَا يَعْصِي اللَّهَ تَعَالَى وَلَا يُؤْذِي أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
فَمَنْ وَقَعَ مِنَ الْقَلْبِ فَهُوَ مُنَافِقٌ، وَمَنْ وَقَعَ مِنَ اللِّسَانِ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ وَقَعَ مِنَ الْجَوَارِحِ فَهُوَ عَاصٍ.
وَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: نَظَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إِلَى شَابٍّ فَقَالَ: يَا شَابُّ إِنْ وُقِيتَ شَرَّ ثَلَاثٍ فَقَدْ وُقِيتَ شَرَّ الشَّبَابِ: إِنْ وُقِيتَ شَرَّ لَقْلَقِكَ يَعْنِي لِسَانَكَ، وَذَبْذَبِكَ يَعْنِي فَرْجَكَ، وَقَبْقَبِكَ يَعْنِي بَطْنَكَ.
وَذُكِرَ أَنَّ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ كَانَ عَبْدًا حَبْشِيًّا فَأَوَّلُ مَا ظَهَرَ مِنْ حِكْمَتِهِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ مَوْلَاهُ: يَا غُلَامُ اذْبَحْ لَنَا هَذِهِ الشَّاةَ وَائْتِنِي بِأَطْيَبِ مُضْغَتَيْنِ مِنْهَا، فَجَاءَ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ.
ثُمَّ قَالَ مَرَّةً أُخْرَى اذْبَحْ لَنَا هَذِهِ الشَّاةَ وَائْتِ بِأَخْبَثِ مُضْغَتَيْنِ مِنْهَا، فَأَتَاهُ بِاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ.
فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: لَيْسَ فِي الْجَسَدِ مُضْغَتَانِ أَطْيَبَ مِنْهُمَا إِذَا طَابَا، وَلَا أَخْبَثَ مِنْهُمَا إِذَا خَبُثَا.
277- وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَوْصِنِي، فَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ، يَعْنِي عَلَيْكَ بِحِفْظِ اللِّسَانِ، فَكَأَنَّهُ تَهَاوَنَ بِهِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَوْصِنِي قَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ. وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» .
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ سَقَطُهُ، وَمَنْ كَثُرَ مَالُهُ كَثُرَ إِثْمُهُ، وَمَنْ سَاءَ خُلُقُهُ عَذَّبَ نَفْسَهُ.
وَرُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: لَأَنْ أَرْمِيَ رَجُلًا بِسَهْمٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَرْمِيَهُ بِلِسَانِي، لِأَنَّ رَمْيَ اللِّسَانِ لَا يُخْطِئُ وَرَمْيَ السَّهْمِ قَدْ يُخْطِئُ.
278- وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ سَأَلَتِ الْأَعْضَاءُ كُلُّهَا اللِّسَانَ، وَقُلْنَ يَا لِسَانُ. نُنْشِدُكَ اللَّهَ أَنْ تَسْتَقِيمَ، فَإِنَّهُ إِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَامَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ فَقَالَ: أَلَا مَنْ عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي فَأَنَا جُنْدُبُ بْنُ جِنَادَةَ الْغِفَارِيُّ أَبُو ذَرٍّ، هَلُمُّوا إِلَى أَخٍ نَاصِحٍ شَفِيقٍ عَلَيْكُمْ.
فَاجْتَمَعَ النَّاسُ حَوْلَهُ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ سَفَرًا مِنْ أَسْفَارِ الدُّنْيَا لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا بِزَادٍ، فَكَيْفَ مَنْ يُرِيدُ سَفَرَ الْآخِرَةِ بِلَا زَادٍ.
قَالُوا: وَمَا زَادُنَا يَا أَبَا ذَرٍّ؟ قَالَ: صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ لِوَحْشَةِ الْقُبُورِ، وَصَوْمُ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ لِيَوْمِ النُّشُورِ، وَصَدَقَةٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ لَعَلَّكُمْ تَنْجُونَ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ عَسِيرٍ، وَحَجٌّ لِعَظَائِمِ الْأُمُورِ.
وَاجْعَلُوا الدُّنْيَا مَجْلِسَيْنِ: مَجْلِسًا فِي طَلَبِ الدُّنْيَا وَمَجْلِسًا فِي طَلَبِ الْآخِرَةِ، وَالثَّالِثُ يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ.
وَاجْعَلُوا الْكَلَامَ كَلِمَتَيْنِ: كَلَمَةً نَافِعَةً فِي أَمْرِ دُنْيَاكُمْ، وَكَلِمَةً بَاقِيَةً فِي أَمْرِ آخِرَتِكُمْ، وَالثَّالِثُ يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ.
ثُمَّ قَالَ: أَوْهِ، قَتَلَنِي هَمُّ يَوْمٍ لَا أُدْرِكُهُ.
قِيلَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: إِنَّ أَمَلِي قَدْ جَاوَزَ أَجَلِي، فَقَعَدْتُ عَنْ عَمَلِي.
وَذُكِرَ عَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، أَنَّهُ قَالَ: لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ فِي غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ، وَالْقَلْبُ الْقَاسِي بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ.
وعنه أيضاً: لا تنظروا في ذنوب الناس كالأرباب، ولكن انظروا إلى ذنوبكم كالعبيد، فإنما الناس بين مُعافى ومُبتلى، فاحمدوا الله على العافية، وارحموا المبتلى.
قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: إِذَا رَأَيْتَ قَسْوَةً فِي قَلْبِكَ، وَوَهَنًا فِي بَدَنِكَ، وَحِرْمَانًا فِي رِزْقِكَ، فَاعْلَمْ أَنَّكَ قَدْ تَكَلَّمْتَ بِمَا لَا يَعْنِيكَ.
وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
Post a Comment