بَابُ: كَظْمِ الْغَيْظِ

بَابُ: كَظْمِ الْغَيْظِ

256- حَدَّثَنَا الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الدُّبَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي نُضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «إِنَّ الْغَضَبَ جَمْرَةٌ مِنَ النَّارِ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ، فَإِنْ كَانَ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ، وَإِنْ كَانَ جَالِسًا فَلْيَضْطَجِعْ»
.

257- قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا الْمُسَيِّبُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولَ اللَّهِ  قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالْغَضَبَ فَإِنَّهُ يُوقِدُ فِي فُؤَادِ ابْنِ آدَمَ النَّارَ، أَلَمْ تَرَ إِلَى أَحَدِكُمْ إِذَا غَضِبَ كَيْفَ تَحْمَرُّ عَيْنَاهُ، وَتَنْتَفِخُ أَوْدَاجُهُ، فَإِذَا أَحَسَّ أَحَدُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَضْطَجِعْ، وَلْيَلْصَقْ بِالْأَرْضِ» .
وَقَالَ: «إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ يَكُونُ سَرِيعَ الْغَضَبِ، سَرِيعَ الْفَيْءِ فَأَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ» يَعْنِي يَكُونُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ قِصَاصًا «وَمِنْكُمْ مَنْ يَكُونُ بَطِيءَ الْغَضَبِ، بَطِيءَ الْفَيْءِ، وَيَكُونُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ وَخَيْرُكُمْ مَنْ كَانَ بَطِيءَ الْغَضَبِ، سَرِيعَ الْفَيْءِ، وَشَرُّكُمْ مَنْ كَانَ سَرِيعَ الْغَضَبِ بَطِيءَ الْفَيْءِ».

258- وَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُمْضِيَهُ، فَلَمْ يُمْضِيَهُ، مَلَأَ اللَّهُ قَلْبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رِضًا» .

وَيُقَالُ: مَكْتُوبٌ فِي الْإِنْجِيلِ: يَا ابْنَ آدَمَ اذْكُرْنِي حِينَ تَغْضَبُ أَذْكُرُكَ حِينَ أَغْضَبُ، وَارْضَ بِنُصْرَتِي لَكَ، فَإِنَّ نُصْرَتِي لَكَ خَيْرٌ مِنْ نُصْرَتِكَ لِنَفْسِكَ.

وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ أَغْضَبَهُ: لَوْلَا أَنَّكَ أَغْضَبْتَنِي لَعَاقَبْتُكَ، أَرَادَ بِذَلِكَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} [آل عمران: 134] .

وَذَكَرَ أَنَّهُ رَأَى سَكْرَانَ، فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهُ فَيُعَزِّرَهُ، فَشَتَمَهُ السَّكْرَانُ فَلَمَّا شَتَمَهُ رَجَعَ عُمَرُ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَمَّا شَتَمَكَ تَرَكْتَهُ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ أَغْضَبَنِي، فَلَوْ عَزَّرْتُهُ لَكَانَ ذَلِكَ لِغَضَبِ نَفْسِي، وَلَا أُحِبُّ أَنْ أَضْرِبَ مُسْلِمًا لِحَمِيَّةِ نَفْسِي.

وَرُوِيَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، أَنْ جَارِيَةً لَهُ جَاءَتْ بِمَرَقَةٍ، فَعَثَرَتْ فَصَبَّتِ الْمَرَقَةَ عَلَيْهِ، فَأَرَادَ مَيْمُونُ أَنْ يَضْرِبَهَا، فَقَالَتِ الْجَارِيَةُ: يَا مَوْلَايَ، اسْتَعْمِلْ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} [آل عمران: 134]، فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ.
فَقَالَتْ: اعْمَلْ بِمَا بَعْدَهُ {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} [آل عمران: 134]، قَالَ: عَفَوْتُ.
فَقَالَتْ: اعْمَلْ بِمَا بَعْدَهُ {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134]، فَقَالَ مَيْمُونٌ أَحْسَنْتُ إِلَيْكِ، فَأَنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى.

259- وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ لَمْ يَجِدْ طَعْمَ الْإِيمَانَ حِلْمٌ يَرُدُّ بِهِ جَهْلَ الْجَاهِلِ، وَوَرَعٌ يُحْرِزُهُ عَنِ الْمَحَارِمِ، وَخُلُقٌ يُدَارِي بِهِ النَّاسَ» .

وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ فَرَسٌ، وَكَانَ مُعْجَبًا بِهِ، فَجَاءَتْ ذَاتَ يَوْمٍ فَوَجَدَهُ عَلَى ثَلَاثَةِ قَوَائِمَ، فَقَالَ لِغُلَامِهِ: مَنْ صَنَعَ بِهِ هَذَا؟ فقَالَ: أَنَا.
قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أَغُمَّكَ.
قَالَ: لَا جَرَمَ لَأَغُمَّنَّ مَنْ أَمَرَكَ بِهِ، يَعْنِي الشَّيْطَانَ.
اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ وَالْفَرَسُ لَكَ.

قال الفقيه: يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ حَلِيمًا صَبُورًا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ خِصَالِ الْمُتَّقِينَ، وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى الْحَلِيمَ فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ} [الشورى: 43]، يَعْنِي مَنْ صَبَرَ عَلَى الظُّلْمِ وَتَجَاوَزَ عَنْ ظَالِمِهِ وَعَفَا عَنْهُ، فَـ {إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}، يَعْنِي مِنْ حَقَائِقِ الْأُمُورِ الَّتِي يُثَابُ فَاعِلُهَا عَلَى ذَلِكَ، وَيَنَالُ أَجْرًا عَظِيمًا.

وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ} [فصلت: 34] ، يَعْنِي لَا تَسْتَوِي الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ وَالْكَلِمَةُ السَّيِّئَةُ، يَعْنِي لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُكَافِئَ كَلِمَةً حَسَنَةً بِكَلِمَةٍ قَبِيحَةٍ.

ثُمَّ قَالَ: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [فصلت: 34]، يَعْنِي ادْفَعِ الْكَلِمَةَ الْقَبِيحَةَ بِالْكَلِمَةِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34] ، يَعْنِي إِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ، صَارَ عَدُّوُكَ صَدِيقًا لَكَ، مِثْلَ الْقَرِيبِ.

وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى خَلِيلَهُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْحِلْمِ فَقَالَ: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ} [هود: 75]، فَالْحَلِيمُ الْمُتَجَاوِزُ، وَالْأَوَّاهُ الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ وَيَتَأَوَّهُ، وَالْمُنِيبُ الَّذِي أَقْبَلَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى.

وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ  بِالصَّبْرِ وَالْحِلْمِ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُ كَانُوا عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35] ، يَعْنِي اصْبِرْ عَلَى تَكْذِيبِ الْكُفَّارِ وَأَذَاهُمْ، كَمَا صَبَرَ الْأَنْبِيَاءُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالْقِتَالِ مَعَ الْكُفَّارِ، وَأُولُو الْعَزْمِ هُمْ ذَوُو الْحَزْمِ، وَهُمُ الَّذِينَ يَثْبُتُونَ عَلَى الْأَمْرِ وَيَصْبِرُونَ عَلَيْهِ .

وَقَالَ الْحَسَنُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} [الفرقان: 63] يَعْنِي قَالُوا حِلْمًا، وَإِنْ جُهِلَ عَلَيْهِمْ حَلِمُوا.

وَرُوِيَ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: كَانَ عَابِدٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَرَادَ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَخَرَجَ الْعَابِدُ ذَاتَ يَوْمٍ لِحَاجَةٍ، وَخَرَجَ الشَّيْطَانُ مَعَهُ لِكَيْ يَجِدَ مِنْهُ فُرْصَةً، فَأَتَاهُ مِنْ قِبَلِ الشَّهْوَةِ وَالْغَضَبِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ، فَأَتَاهُ مِنْ قِبَلِ الْخَوْفِ، وَجَعَلَ يُدَلِّي عَلَيْهِ صَخْرَةً مِنَ الْجَبَلِ، فَإِذَا بَلَغَتْهُ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى فَنَأَتْ عَنْهُ، ثُمَّ جَعَلَ يَتَمَثَّلُ بِالْأَسَدِ وَالسِّبَاعِ، فَذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى فَلَمْ يُبَالِ بِهِ، ثُمَّ جَعَلَ يَتَمَثَّلُ لَهُ بِالْحَيَّةِ؛ وَهُوَ يُصَلِّي فَجَعَلَ يَلْتَوِي عَلَى قَدَمَيْهِ وَجَسَدِهِ حَتَّى بَلَغَ رَأْسَهُ.
وَكَانَ إِذَا أَرَادَ السُّجُودَ الْتَوَى فِي مَوْضِعِ رَأْسِهِ مِنَ السُّجُودِ، يَعْنِي وَجْهَهُ، فَلَمَّا وَضَعَ رَأْسَهُ لِيَسْجُدَ فَتَحَ فَاهُ لِيَلْتَقِمَ رَأْسَهُ، فَجَعَلَ يُنَحِّيهِ حَتَّى اسْتَمْكَنَ مِنَ الْأَرْضِ لِيَسْجُدَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَذَهَبَ، جَاءَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ فَقَالَ: أَنَا فَعَلْتُ بِكَ كَذَا وَكَذَا، فَلَمْ أَسْتَطِعْ مِنْكَ عَلَى شَيْءٍ، وَقَدْ بَدَا لِيَ أَنْ أَصْدُقَكَ، وَلَا أُرِيدُ ضَلَالَتَكَ بَعْدَ الْيَوْمِ.
فَقَالَ لَهُ الْعَابِدُ: لَا، الْيَوْمَ خَوَّفْتَنِي بِحَمْدِ اللَّهِ مَا خِفْتُ مِنْكَ، وَلَا لِي حَاجَةٌ الْيَوْمَ فِي مُصَادَقَتِكَ.
فَقَالَ: أَلَا تَسْأَلُنِي عَنْ أَهْلِكَ مَا أَصَابَهُمْ بَعْدَكَ؟ فَقَالَ لَهُ الْعَابِدُ أَنَا مُتُّ قَبْلَهُمْ.
فَقَالَ: أَلَا تَسْأَلُنِي عَمَّا أُضِلُّ بِهِ بَنِي آدَمَ؟ قَالَ: بَلَى.
فَأَخْبِرْنِي بِالَّذِي تَصِلُ بِهِ إِلَى إِضْلَالِ بَنِي آدَمَ.
قَالَ: بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: الشُّحِّ، وَالْغَضَبِ، وَالسُّكْرِ.
فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا كَانَ شَحِيحًا قَلَّلْنَا مَالَهُ فِي عَيْنِهِ فَيَمْنَعُهُ مِنْ حُقُوقِهِ، وَيَرْغَبُ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ.
وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ غَضُوبًا أَدَرْنَاهُ بَيْنَنَا، كَمَا يُدِيرُ الصِّبْيَانُ الْكُرَةَ بَيْنَهُمْ، وَلَوْ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى بِدَعْوَتِهِ لَمْ نَيْأَسَ مِنْهُ، فَإِنَّمَا يَبْنِي وَيَهْدِمُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَإِذَا سَكِرَ قُدْنَاهُ إِلَى كُلِّ سُوءٍ، كَمَا تُقَادُ الْغَنَمُ بِأُذُنِهَا حَيْثُ نَشَاءُ.
فَقَدْ أَخْبَرَهُ الشَّيْطَانُ أَنَّ الَّذِي يَغْضَبُ يَكُونُ فِي يَدِ الشَّيْطَانِ كَالْكُرَةِ فِي أَيْدِي الصِّبْيَانِ، فَيَنْبَغِي لِلَّذِي يَغْضَبُ أَنْ يَصْبِرَ لِكَيْلَا يَصِيرَ أَسِيرَ الشَّيْطَانِ وَلَا يَحْبَطَ عَمَلُهُ.

وَذُكِرَ أَنَّ إِبْلِيسَ جَاءَ إِلَى مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ تَعَالَى بِرِسَالَتِهِ، وَكَلَّمَكَ تَكْلِيمًا، وَإِنَّمَا أَنَا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى، أَرَدْتُ أَنْ أَتُوبَ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ لِيَتُوبَ عَلَيَّ، فَفَرِحَ بِذَلِكَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ، وَصَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبُّ، إِنَّ إِبْلِيسَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ، يَسْأَلُكَ التَّوْبَةَ فَتُبْ عَلَيْهِ.
فَقِيلَ لَهُ: يَا مُوسَى إِنَّهُ لَا يَتُوبُ.
فَقَالَ: يَا رَبُّ إِنَّهُ يَسْأَلُكَ التَّوْبَةَ.
فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِنِّي اسْتَجَبْتُ لَكَ يَا مُوسَى، فَمُرْهُ أَنْ يَسْجُدَ لِقَبْرِ آدَمَ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ.
فَرَجَعَ مُوسَى مَسْرُورًا فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ وَاسْتَكْبَرَ.
ثُمَّ قَالَ: أَنَا لَمْ أَسْجُدْ لَهُ حَيًّا، أَأَسْجُدُ لَهُ مَيِّتًا.
ثُمَّ قَالَ: يَا مُوسَى إِنَّ لَكَ حَقًّا عَلَيَّ بِمَا تَشَفَّعْتَ لِي إِلَى رَبِّكَ.
فَأُوصِيكَ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: اذْكُرْنِي عِنْدَ ثَلَاثِ خِصَالٍ:
اذْكُرْنِي حِينَ تَغْضَبُ، فَإِنِّي فِي قَلْبِكَ أَجْرِي مِنْكَ مَجْرَى الدَّمِ.
وَاذْكُرْنِي حِينَ تَلْقَى الْعَدُوَّ فِي الزَّحْفِ، فَإِنِّي آتِي ابْنَ آدَمَ حِينَ يَلْقَى الْعَدُوَّ فَأُذَكِّرُهُ زَوْجَتَهُ وَأَهْلَهُ وَمَالَهُ وَوَلَدَهُ حَتَّى يُوَلِّي دُبُرَهُ.
وَإِيَّاكَ أَنْ تُجَالِسَ امْرَأَةً لَيْسَتْ بِذَاتِ مَحْرَمٍ مِنْكَ، فَإِنِّي رَسُولُهَا إِلَيْكَ، وَرَسُولُكَ إِلَيْهَا.

وَذُكِرَ عَنْ لُقْمَانَ الْحَكِيمِ أَنَّهُ قَالَ: يَا بُنَيَّ ثَلَاثٌ لَا تُعْرَفُ إِلَّا فِي ثَلَاثَةٍ: لَا يُعْرَفُ الْحَلِيمُ إِلَّا عِنْدَ الْغَضَبِ، وَلَا يُعْرَفُ الشُّجَاعُ إِلَّا عِنْدَ الْحَرْبِ، وَلَا يُعْرَفُ الْأَخُ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ.

وَذُكِرَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ التَّابِعِينَ مَدَحَهُ رَجُلٌ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لِمَ تَمْدَحُنِي؟ أَجَرَّبْتَنِي عِنْدَ الْغَضَبِ فَوَجَدْتَنِي حَلِيمًا؟ قَالَ: لَا.
قَالَ أَجَرَّبْتَنِي فِي السَّفَرِ فَوَجَدْتَنِي حَسِنَ الْخُلُقِ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: أَجَرَّبْتَنِي عِنْدَ الْأَمَانَةِ فَوَجَدْتَنِي أَمِينًا؟ قَالَ: لَا.
فَقَالَ: وَيْحَكَ مَا لِأَحَدٍ أَنْ يَمْدَحَ أَحَدًا مَا لَمْ يُجَرِّبْهُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ.

وَقَالَ: ثَلَاثَةٌ مِنْ أَخْلَاقِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَلَا تُوجَدُ إِلَّا فِي الْكَرِيمِ: الْعَفْوُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَالْبَذْلُ لِمَنْ حَرَمَكَ، وَالْإِحْسَانُ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] .

260- وَرُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ النَّبِيُّ : «مَا تَفْسِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ؟» فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: حَتَّى أَسْأَلَ الْعَالِمَ، فَذَهَبَ جِبْرِيلُ ثُمَّ أَتَاهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْمُرُكَ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ .

261- وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: سَبَّ رَجُلٌ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ  جَالِسٌ، فَسَكَتَ النَّبِيُّ  وَسَكَتَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمَّا سَكَتَ الرَّجُلُ تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَقَامَ النَّبِيُّ  وَأَدْرَكَهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ سَبَّنِي وَسَكَتُّ فَلَمَّا تَكَلَّمْتُ قُمْتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ : «إِنَّ الْمَلَكَ كَانَ يَرُدُّ عَلَيْهِ عَنْكَ حِينَ سَكَتَّ، فَلَمَّا تَكَلَّمْتَ ذَهَبَ الْمَلَكُ وَقَعَدَ الشَّيْطَانُ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَقْعُدَ فِي مَقْعَدٍ مَعَ الشَّيْطَانِ».
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «ثَلَاثٌ كُلُّهُنَّ حَقُّ مَا مِنْ عَبْدٍ يُظْلَمُ بِمَظْلَمَةٍ فَيَعْفُو عَنْهَا ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ بِهَا عِزًّا. وَمَا مِنْ عَبْدٍ فَتَحَ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ مَسْأَلَةٍ يُرِيدُ بِهَا كَثْرَةً إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا قِلَّةً. وَمَا مِنْ عَبْدٍ أَعْطَى عَطِيَّةً يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا كَثْرَةً».

262- قَالَ، حَدَّثَنَا أَبِي، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَالَ: «لِكُلِّ شَيْءٍ شَرَفٌ، وَإِنَّ أَشْرَفَ الْمَجَالِسِ مَا اسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةَ، وَإِنَّمَا تُجَالِسُونَ بِالْأَمَانَةِ، وَلَا تُصَلُّوا خَلْفَ النَّائِمِ وَالْمُحْدِثِ، وَاقْتُلُوا الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ، وَإِنْ كُنْتُمْ فِي صَلَاتِكُمْ، وَلَا تَسْتُرُوا الْجُدْرَانَ بِالثِّيَابِ، وَمَنْ نَظَرَ فِي كِتَابِ أَخِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَكَأَنَّمَا يَنْظُرُ فِي النَّارِ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى النَّاسِ فَلْيَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ أَكْرَمَ النَّاسِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ تَعَالَى، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ أَغْنَى النَّاسِ فَلْيَكُنْ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْثَقَ مِنْهُ بِمَا فِي يَدِهِ».

ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشِرَارِكُمْ» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «مَنْ أَكَلَ وَحْدَهُ وَمَنَعَ رِفْدَهُ وَجَلَدَ عَبْدَهُ» .

ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ هَذَا؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «مَنْ يُبْغِضُ النَّاسَ وَيُبْغِضُونَهُ» .

ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ هَذَا» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «مَنْ لَا يُقِيلُ عَثْرَةً، وَلَا يَقْبَلُ مَعْذِرَةً، وَلَا يَغْفِرُ ذَنْبًا».

ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ هَذَا» قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «مَنْ لَا يُرْجَى خَيْرُهُ، وَلَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ».

ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : قَالَ: «إِنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَامَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالَ: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَتَكَلَّمُوا بِالْحِكْمَةِ عَنْدَ الْجُهَّالِ فَتَظْلِمُوهَا، وَلَا تَمْنَعُوهَا أَهْلَهَا فَتَظْلِمُوهُمْ، وقَدْ قَالَ مَرَّةً: فَتَظْلِمُوهَا، وَلَا تُكَافِئُوا ظَالِمًا بِظُلْمٍ فَيَبْطُلَ فَضْلُكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ، يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْأُمُورُ ثَلَاثَةٌ: أَمْرٌ تَبَيَّنَ رُشْدُهُ فَاتَّبِعُوهُ، وَأَمْرٌ ظَهَرَ غَيُّهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَأَمْرٌ اخْتُلِفَ فِيهِ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ».

وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا أَرْبَعَةٌ:
الْأُولَى: الثِّقَةُ بِاللَّهِ تَعَالَى فِيمَا وَعَدَ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا بِأَمْرِ الْآخِرَةِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ مَدْحُ الْخَلْقِ وَذَمُّهُمْ عِنْدَهُ وَاحِدًا.
وَالثَّالِثَةُ: الإِخْلاصُ فِي عَمَلِهِ.
وَالرَّابِعَةُ: أَنْ يَتَجَاوَزَ عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَلَا يَغْضَبَ عَلَى مَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، وَيَكُونَ حَلِيمًا صَبُورًا.

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ عَلِّمْنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ تَعَالَى بِهِنَّ، قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: أُوصِيكَ بِكَلِمَاتٍ مَنْ عَمِلَ بِهِنَّ كَانَ ثَوَابُهُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى: لَا تَأْكُلْ إِلَّا طَيِّبًا، وَاسْأَلِ اللَّهَ تَعَالَى رِزْقَ يَوْمٍ بِيَوْمٍ، وَعُدَّ نَفْسَكَ مِنَ الْمَوْتَى، وَهَبْ عِرْضَكَ للَّهِ تَعَالَى، فَمَنْ شَتَمَكَ أَوْ أَذَاكَ فَقُلْ: وَهَبْتُ عِرْضِيَ للَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا أَسَأْتَ فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ تَعَالَى.

263- وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، أَنَّهُ لَمَّا كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ فِي يَوْمِ أُحُدٍ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِهِ مَشَقَّةً شَدِيدَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ دَعَوْتَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ صَنَعُوا بِكَ مَا نَرَى فَقَالَ النَّبِيُّ : «إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَلَكِنِّي بُعِثْتُ دَاعِيَةً وَرَحْمَةً، اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ».

264- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «مَنْ كَفَّ لِسَانَهُ عَنْ أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ أَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ أَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى غَضَبَهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .

265- وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ  مَرَّ بِقَوْمٍ يَرْبَعُونَ حَجَرًا، يَعْنِي يَرْفَعُونَ حَجَرًا، وَيَنْظُرُونَ أَيُّهُمْ أَقْوَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «مَا هَذَا» قَالُوا حَجَرُ الْأَشِدَّاءِ، فَقَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ» ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «الَّذِي يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيَغْلِبُ شَيْطَانَهُ وَشَيْطَانَ صَاحِبِهِ فَيَأْتِيهِ حَتَّى يُكَلِّمَهُ» .

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ يَرْفَعُونَ الْحَجَرَ فَقَالَ: «أَتَعْرِفُونَ الشِّدَّةَ بِرَفْعِ الْحِجَارَةِ، أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَشَدِّ مِنْكُمْ» ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «الَّذِي يَمْتَلِئُ غَضَبًا ثُمَّ يَصْبِرُ» .

وَذُكِرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ دَعَا عَلَى ظَالِمِهِ فَقَدْ أَحْزَنَ مُحَمَّدًا  فِي الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَسَرَّ اللَّعِينَ إِبْلِيسَ فِي الْكَفَرَةِ وَالشَّيَاطِينِ.
وَمَنْ عَفَا عَنْ ظَالِمٍ فَقَدْ أَحْزَنَ اللَّعِينَ فِي الْكَفَرَةِ وَالشَّيَاطِينِ، وَسَرَّ مُحَمَّدًا  فِي الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.

266- وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أَنَّهُ قَالَ: «يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْنَ الَّذِي كَانَتْ أُجُورُهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَقُومُ الْعَافُونَ عَنِ النَّاسِ، فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ» .

وَسُئِلَ أَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، مَا الْإِنْسَانِيَّةُ؟ قَالَ: التَّوَاضُعُ فِي الدَّوْلَةِ، وَالْعَفْوُ عِنْدَ الْمَقْدِرَةِ وَالْعَطَاءُ بِغَيْرِ مِنَّةٍ.

267- وَرَوَى عَطِيَّةُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أَنَّهُ قَالَ: «الْمُؤْمِنُونَ هَيِّنُونَ لَيِّنُونَ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ، إِنْ قِيدَ انْقَادَ وَإِنْ أُنِيخَ عَلَى صَخْرَةٍ اسْتَنَاخَ» .

قال الفقيه: عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْعَجَلَةَ عِنْدَ الْغَضَبِ، فَإِنَّ فِي الْعَجَلَةِ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ، وَفِي الصَّبْرِ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ.
فَأَمَّا الثَّلَاثَةُ الَّتِي فِي الْعَجَلَةِ: فَأَحَدُهَا: النَّدَامَةُ فِي نَفْسِهِ، وَالثَّانِي: الْمَلَامَةُ عِنْدَ النَّاسِ، وَالثَّالِثُ: الْعُقُوبَةُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَفِي الصَّبْرِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: السُّرُورُ فِي نَفْسِهِ، وَالْمَحْمَدَةُ عِنْدَ النَّاسِ، وَالثَّوَابُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.

فَإِنَّ الْحِلْمَ يَكُونُ مُرًّا فِي أَوَّلِهِ، وَحُلْوًا فِي آخِرِهِ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ:
الْحِلْمُ أَوَّلُهُ مُرٌّ مَذَاقَتُهُ

لَكِنَّ آخِرَهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ

وَاللَّهُ أَعْلَمُ


Tidak ada komentar