بَابُ: الْحِرْصِ وَطُولِ الْأَمَلِ

بَابُ: الْحِرْصِ وَطُولِ الْأَمَلِ

قال الفقيه أبو الليث السمرقندي رضي الله عنه: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الضَّبِّيُّ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ:
أَنَّ الدَّرْدَاءَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: مَا لِيَ أَرَى عُلَمَاءَكُمْ يَذْهَبُونَ، وَإِنَّ جُهَّالَكُمْ لَا يَتَعَلَّمُونَ.
تَعَلَّمُوا قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ بِذِهَابِ الْعُلَمَاءِ.
مَا لِيَ أَرَاكُمْ تَحْرِصُونَ عَلَى مَا تَكَفَّلَ اللَّهُ لَكُمْ بِهِ، وَتُضَيِّعُونَ مَا وُكِلْتُمْ إِلَيْهِ.
لَأَنَا أَعْلَمُ شِرَارَكُمْ مِنَ الْبِيطَارِ فِي الْخَيْلِ، هُمُ الَّذِينَ لَا يُؤَدُّونَ الزَّكَاةَ إِلَّا غَرَامًا، وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا دُبُرًا، وَلَا يَسْمَعُونَ الْقُرْآنَ إِلَّا هَجْرًا، يَعْنِي التَّرْكَ وَالْإِعْرَاضَ عَنْهُ، وَلَا يَعْتِقُونَ مُحَرَّرِيهُمْ.

قال الفقيه: الْحِرْصُ عَلَى وَجْهَيْنِ: حِرْصٌ مَذْمُومٌ، وَحِرْصٌ غَيْرُ مَذْمُومٍ وَتَرْكُهُ أَفْضَلُ.
فَأَمَّا الْحِرْصُ الَّذِي هُوَ مَذْمُومٌ: فَهُوَ أَنْ يَشْغَلَهُ عَنْ أَدَاءِ أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ يُرِيدُ جَمْعَ الْمَالِ لِلتَّكَاثُرِ وَالتَّفَاخُرِ.
وَأَمَّا الَّذِي هُوَ غَيْرُ مَذْمُومٍ: فَهُوَ أَنْ لَا يَتْرُكَ شَيْئًا مِنْ أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَجْلِ جَمْعِ الْمَالِ، وَلَا يُرِيدُ بِهِ التَّفَاخُرَ، فَهَذَا غَيْرُ مَذْمُومٍ لِأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ  كَانَ بَعْضُهُمْ يَجْمَعُ الْمَالَ وَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ  وَبَيَّنَ أَنَّ تَرْكَهُ أَفْضَلُ.

وَقَدْ بَيَّنَ أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ الْحِرْصَ مَذْمُومٌ إِذَا ضَيَّعَ أَوَامِرَ اللَّهِ تَعَالَى.
لِأَنَّهُ قَالَ: وَتَحْرِصُونَ عَلَى مَا تَكَفَّلَ اللَّهُ لَكُمْ بِهِ، يَعْنِي أَرْزَاقَكُمْ فَتَحْرِصُونَ عَلَى طَلَبِهَا، وَتُضَيِّعُونَ مَا وُكِلْتُمْ إِلَيْهِ، يَعْنِي: أَمْرَ الطَّاعَةِ، قَوْلُهُ: وَلَا يَعْتِقُونَ مُحَرَّرِيهُمْ، يَعْنِي بِحِرْصِهِمْ يَسْتَعْمِلُونَ الْأَحْرَارَ كَمَا يَسْتَعْمِلُونَ الْعَبِيدَ.

قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ حِمْدَانَ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الطُّوسِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي حَرْبٍ الْمَوْصِلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ مُصْعَبَ بْنِ سَعْدٍ:
عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ، قَالَتْ لِأَبِيهَا: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْثَرَ لَكَ مِنَ الْخَيْرِ، وَوَسَّعَ لَكَ مِنَ الرِّزْقِ، فَلَوْ أَكَلْتُ طَعَامًا أَطْيَبَ مِنْ طَعَامِكَ، وَلَبِسْتُ ثَوْبًا أَلْيَنَ مِنْ ثَوْبِكَ؟ قَالَ: سَأُحَاكِمُكِ إِلَى نَفْسِكِ.
وَلَمْ يَزَلْ يُذَكِّرُهَا مَا كَانَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ  وَكانت رقية بنت علي مَعَهُ حَتَّى أَبْكَاهَما.
ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ لِي صَاحِبَانِ سَلَكَا طَرِيقًا فَإِنْ سَلَكْتُ طَرِيقًا غَيْرَ طَرِيقِهِمَا سَلَكَ بِي طَرِيقٌ غَيْرُ طَرِيقِهِمَا، وَإِنِّي وَاللَّهِ سَأَصْبِرُ عَلَى عَيْشِهِمَا الشَّدِيدِ، لَعَلِّي أُدْرِكُ مَعَهُمَا عَيْشَهُمَا الرَّخِيَّ
.

279- قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ الشَّعْبِيِّ:
عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: يَا أُمَّاهُ مَا أَكْثَرَ مَا كَانَ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ  إِذَا دَخَلَ الْبَيْتَ؟ قَالَتْ أَكْثَرُ مَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِذَا دَخَلَ الْبَيْتَ: «لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ لَتَمَنَّى إِلَيْهِمَا ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْمَالَ لِيُقَامَ بِهِ الصَّلَاةُ وَيُؤْتَى بِهِ الزَّكَاةُ» .

280- وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، أَنَّهُ قَالَ: «يَهْرَمُ مِنَ ابْنِ آدَمَ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا اثْنَتَانِ: الْحِرْصُ وَالْأَمَلُ».

وَرُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَتَانِ: طُولُ الْأَمَلِ، وَاتِّبَاعُ الْهَوَى وَإِنَّ طُولَ الْأَمَلِ يُنْسِي الْآخِرَةَ، وَاتِّبَاعَ الْهَوَى يَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ.

281- وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، أَنَّهُ قَالَ: «أَنَازَعْتُمْ لِثَلَاثَةٍ بِثَلَاثَةٍ: لِلْمُكِبِّ عَلَى الدُّنْيَا، وَالْحَرِيصِ عَلَيْهَا، وَالشَّحِيحِ بِهَا بِفَقْرٍ لَا غِنًى بَعْدَهُ، وَشُغْلٍ لَا فَرَاغَ مِنْهُ وَهَمٍّ لَا فَرَحَ مَعَهُ».

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ أَشْرَفَ عَلَى أَهْلِ حِمْصٍ، فَقَالَ: أَلَا تَسْتَحْيُونَ؟ تَبْنُونَ مَا لَا تَسْكُنُونَ، وَتَأْمَلُونَ مَا لَا تُدْرِكُونَ، وَتَجْمَعُونَ مَا لَا تَأْكُلُونَ.
إِنَّ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَكُمْ بَنَوْا مَشِيدًا، وَجَمَعُوا كَثِيرًا، وَأَمَّلُوا بَعِيدًا، فَأَصْبَحَتْ مَسَاكِنُهُمْ قُبُورًا، وَآمَالُهُمْ عَنْهُ غُرُورًا وَجَمْعُهُمْ بُورًا.

وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَلْقَى صَاحِبَكَ فَارْفَعْ قَمِيصَكَ، وَاخْصِفْ نَعْلَكَ، وَاقْصُرْ أَمَلَكَ، وَكُلْ دُونَ الشِّبَعِ.

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى عُمَرَ قَمِيصًا فِيهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ رُقْعَةً، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ.

وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بنْ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، أَنَّهُ دَخَلَ السُّوقَ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ غَلِيظَةٌ غَيْرُ مَغْسُولَةٍ.
فَقِيلَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ لَبِسْتَ أَلْيَنَ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا أَخْشَعُ لِلْقَلْبِ، وَأَشْبَهُ بِشِعَارِ الصَّالِحِينَ، وَأَحْسَنُ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُقْتَدَى بِهِ.

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي لَأَعْرَفُ بِالنَّاسِ مِنَ الْبِيطَارِ بِالدَّوَابِّ.
أَمَّا خِيَارُهُمْ فَالزَّاهِدُونَ فِي الدُّنْيَا، وَأَمَّا شِرَارُهُمْ فَمَنْ أَخَذَ مِنَ الدُّنْيَا فَوْقَ مَا يَكْفِيهِ .

وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: أُمَّهَاتُ الْخَطَايَا ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: الْحَسَدُ وَالْحِرْصُ وَالْكِبْرُ.
فَأَمَّا الْكِبْرُ: فَكَانَ أَصْلُهُ مِنْ إِبْلِيسَ حِينَ تَكَبَّرَ وَأَبَى أَنْ يَسْجُدَ، فَلُعِنَ.
وَأَمَّا الْحِرْصُ: فَكَانَ أَصْلَهُ مِنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَيْثُ قِيلَ لَهُ الْجَنَّةُ كُلُّهَا مُبَاحٌ لَكَ إِلَّا هَذِهِ الشَّجَرَةَ، فَحَمَلَهُ الْحِرْصُ عَلَى أَكْلِهَا حَتَّى سَقَطَ مِنْهَا.
وَالْحَسَدُ: أَصْلُهُ مِنْ قَابِيلَ ابْنِ آدَمَ حِينَ قَتَلَ أَخَاهُ هَابِيلَ، فَصَارَ كَافِرًا وَمَأْوَاهُ النَّارُ أَبَدًا.

وَذُكِرَ فِي الْخَبَرِ: أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَوْصَى ابْنَهُ شَيْئًا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُوصِي بِهَا أَوْلَادَهُ مِنْ بَعْدِهِ:
أَوَّلُهَا: قَالَ لَهُ قُلْ لِأَوْلَادِكَ لَا تَطْمَئِنُّوا بِالدُّنْيَا، فَإِنِّي اطْمَأْنَنْتُ بِالْجَنَّةِ الْبَاقِيَةِ فَلَمْ يَرْضَ اللَّهُ مِنِّي وَأَخْرَجَنِي مِنْهَا.
وَالثَّانِي: قُلْ لَهُمْ لَا تَعْمَلُونَ بِهَوَى نِسَائِكُمْ، فَإِنِّي عَمِلْتُ بِهَوَى امْرَأَتِي وَأَكَلْتُ مِنَ الشَّجَرَةِ فَلَحِقَتْنِي النَّدَامَةُ.
وَالثَّالِثُ: قُلْ لَهُمْ كُلُّ عَمَلٍ تُرِيدُونَهُ فَانْظُرُوا عَاقِبَتَهُ، فَإِنِّي لَوْ نَظَرْتُ عَاقِبَةَ الْأَمْرِ لَمْ يُصِبْنِي مَا أَصَابَنِي.
وَالرَّابِعُ: إِذَا اضْطَرَبَتْ قُلُوبُكُمْ بِشَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، فَإِنِّي حِينَ أَكَلْتُ مِنَ الشَّجَرَةِ اضْطَرَبَ قَلْبِي، فَلَمْ أَرْجِعْ فَلَحِقَنِي النَّدَمُ.
وَالْخَامِسُ: اسْتَشِيرُوا فِي الْأُمُورِ، فَإِنِّي لَوْ شَاوَرْتُ الْمَلائِكَةَ لَمْ يُصِبْنِي مَا أَصَابَنِي.

وَرُوِيَ عَنْ شَقِيقِ الْبَلْخِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: أَخْرَجْتُ مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافِ حَدِيثٍ أَرْبَعُ مِائَةَ حَدِيثٍ، وَأَخْرَجْتُ مِنْ أَرْبَعُ مِائَةِ حَدِيثٍ أَرْبَعِينَ حَدِيثًا، وَأَخْرَجْتُ مِنَ الْأَرْبَعِينَ حَدِيثًا أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ:
أَوَّلُهَا: لَا تَعْقِدْ قَلْبَكَ مَعَ الْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا الْيَوْمَ لَكَ وَغَدًا لِغَيْرِكَ، فَإِنْ أَطَعْتَهَا أَدْخَلَتْكَ النَّارَ.
وَالثَّانِي: لَا تَعْقِدْ قَلْبَكَ مَعَ الْمَالِ، فَإِنَّ الْمَالَ عَارِيَةٌ، الْيَوْمَ لَكَ وَغَدًا لِغَيْرِكَ، فَلَا تُتْعِبْ نَفْسَكَ بِمَا لِغَيْرِكَ، فَإِنَّ الْمَهْنَأَ لِغَيْرِكَ وَالْوِزْرَ عَلَيْكَ، وَإِنَّك إِذَا عَقَدْتَ قَلْبَكَ بِالْمَالِ مَنَعْتَهُ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَدَخَلَ فِيكَ خَشْيَةَ الْفَقْرِ وَأَطَعْتَ الشَّيْطَانَ.
وَالثَّالِثُ: اتْرُكْ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، فَإِنَّ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ، يَضْطَرِبُ عِنْدَ الشَّبُهَةِ وَيَهْرَبُ مِنَ الْحَرَامِ وَيَسْكُنُ عِنْدَ الْحَلَالِ.
وَالرَّابِعُ: لَا تَعْمَلْ شَيْئًا حَتَّى تَحْكُمَ الْإِجَابَةُ.

282- وَرَوَى مُجَاهِدٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ، وَعُدَّ نَفْسَكَ مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ» .

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: إِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالْمَسَاءِ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالصَّبَاحِ، وَخُذْ مِنْ حَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، وَمِنْ صِحَّتِكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا اسْمُكَ غَدًا.

قال الفقيه: مَنْ قَصُرَ أَمَلُهُ أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَرْبَعِ كَرَامَاتٍ:
إِحْدَاهَا: أَنْ يُقَوِّيَهُ عَلَى طَاعَتِهِ، لِأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَمُوتُ عَنْ قَرِيبٍ لَا يَهْتَمُّ بِمَا يَسْتَقْبِلُهُ مِنَ الْمَكْرُوهِ، وَيَجْتَهِدُ فِي الطَّاعَاتِ فَيَكْثُرُ عَمَلُهُ.
وَالثَّانِي: يَقِلُّ هُمُومُهُ لِأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَمُوتُ عَنْ قَرِيبٍ لَا يَهْتَمُّ بِمَا يَسْتَقْبِلُهُ مِنَ الْمَكْرُوهِ.
وَالثَّالِثُ: يَجْعَلُهُ رَاضِيًا بِالْقَلِيلِ، لِأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَمُوتُ عَنْ قَرِيبٍ فَإِنَّهُ لَا يَطْلُبُ الْكَثْرَةَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ هَمُّهُ هَمَّ آخِرَتِهِ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يُنَوِّرَ قَلْبَهُ؛
لِأَنَّهُ يُقَالُ نُورُ الْقَلْبِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ:
أَوَّلُهَا: بَطْنٌ جَائِعٌ، وَالثَّانِي: صَاحِبٌ صَالِحٌ، وَالثَّالِثُ: حِفْظُ الذَّنْبِ الْقَدِيمِ، وَالرَّابِعُ: قِصَرُ الْأَمَلِ.
فَإِنَّ مَنْ طَالَ أَمَلُهُ عَاقَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ:
أَوَّلُهَا: أَنْ يَتَكَاسَلَ عَنِ الطَّاعَاتِ، وَالثَّانِي: أَنْ يُكْثِرَ هُمُومَهُ فِي الدُّنْيَا، وَالثَّالِثُ: أَنْ يَصِيرَ حَرِيصًا عَلَى جَمْعِ الْمَالِ، وَالرَّابِعُ: أَنْ يَقْسُوَ قَلْبُهُ.
لِأَنَّهُ يُقَالُ قَسْوَةُ الْقَلْبِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ:
أَوَّلُهَا: بَطْنٌ مُمْتَلِئ، وَالثَّانِي: صُحْبَةُ صَاحِبِ السُّوءِ، وَالثَّالِثُ: نِسْيَانُ الذُّنُوبِ الْمَاضِيَةِ، وَالرَّابِعُ: طُولُ الْأَمَلِ.

فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَقْصُرَ أَمَلُهُ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ نَفَسٍ يَمُوتُ؟ وَفِي أَيِّ قَدَمٍ يَمُوتُ؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان: 34] ، قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ بِأَيِّ قَدَمٍ يَمُوتُ.

وَفِي آيَةٍ أُخْرَى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر: 30]، وَقَالَ تَعَالَى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34].

فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُكْثِرَ ذِكْرَ الْمَوْتِ، فَإِنَّهُ لَا غُنْيَةَ لِلْمُؤْمِنِ عَنْ سِتِّ خِصَالٍ:
أَوَّلُهَا: عِلْمٌ يَدُلُّهُ عَلَى الْآخِرَةِ.
وَالثَّانِي: رَفِيقٌ يُعِينُهُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَمْنَعُهُ عَنْ مَعْصِيَتِهِ.
وَالثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ عَدُوِّهِ وَالْحَذَرُ مِنْهُ.
وَالرَّابِعُ: عِبْرَةٌ يَعْتَبِرُ بِهَا آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.
وَالْخَامِسُ: إِنْصَافُ الْخَلْقِ كَيْلَا يَكُونَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خَصْمٌ.
وَالسَّادِسُ: الِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ لِكَيْلَا يَكُونَ مُفْتَضَحًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

283- قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ، قَالَ لِأَصْحَابِهِ: «أَيُرِيدُ كُلُّكُمْ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ؟» قَالُوا: نَعَمْ، جَعَلَنَا اللَّهُ تَعَالَى فِدَاءَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «قَصِّرُوا الْأَمَلِ وَاسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كُلُّنَا نَسْتَحْيِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ: «لَيْسَ ذَلِكَ بِالْحَيَاءِ وَلَكِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، أَنْ تَذْكُرُوا الْمَقَابِرَ وَالْبِلَى وَتَحْفَظُوا الْجَوْفَ وَمَا وَعَى وَالرَّأْسَ وَمَا حَوَى».
وَمَنْ يَشْتَهِي كَرَامَةَ الْآخِرَةِ يَدَعُ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَهُنَالِكَ يَسْتَحِي الْعَبْدُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى حَقَّ الْحَيَاءِ وَبِهَا يُصِيبُ وِلَايَةَ اللَّهِ تَعَالَى.

284- وَرَوَى حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنِ الْعِجْلِيِّ، قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ : {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} [التكاثر: 1-2]، فَقَالَ: «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ مَالِي مَالِي؟ وَهَلْ لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَبْقَيْتَ» .

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ خَمْسَةُ أَحْرُفٍ:  الْغُنْيَةُ فِي الْقَنَاعَةِ، وَالسَّلَامَةُ فِي الْعَزْلَةِ، وَالْحَرِّيَّةُ فِي رَفْضِ الشَّهَوَاتِ، وَالْمَحَبَّةُ فِي تَرْكِ الرَّغْبَةِ، وَالتَّمَتُّعُ فِي أَيَّامٍ طَوِيلَةٍ بِالصَّبْرِ فِي أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ.

285- وَرُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّ، النَّبِيَّ ، قَالَ «يَا عَائِشَةُ إِنْ أَرَدْتِ اللُّحُوقَ بِي فَلْيَكْفِكِ مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ وَإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الْأَغْنِيَاءِ وَلَا تَسْتَخْلِقِي ثَوْبًا حَتَّى تُرَقِّعِيهِ» .

286- وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، أَنَّهُ قَالَ: «اللَّهُمَّ مَنْ أَحَبَّنِي فَارْزُقْهُ الْعَفَافَ وَالْكَفَافَ، وَمَنْ أَبْغَضَنِي فَأَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ».

287- قال: وحدثني الفقيه بإسناده عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «الرَّغْبَةُ فِي الدُّنْيَا تُكْثِرُ الْهَمَّ وَالْحَزَنَ، وَالزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا يُرِيحُ الْقَلْبَ وَالْبَدَنَ، وَمَا الْفَقْرُ أَخَافُ عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ الْغِنَى، أَنْ تُبْسَطَ لَكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ لِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوا فَيُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَهُمْ» .

288- وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ: «صَلَاحُ أَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالزُّهْدِ وَالْيَقِينِ وَهَلَاكُ آخِرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالْبُخْلِ وَالْأَمَلِ».


 

Tidak ada komentar