بَابُ: مَا جَاءَ فِي فَضْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
بَابُ: مَا جَاءَ فِي فَضْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
631- قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا فَارِسُ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، حَدَّثَنَا بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْأَفْرِيقِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْمِيزَانِ، فَيَخْرُجُ لَهُ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِنْهَا مَدَّ الْبَصَرِ فِيهَا خَطَايَاهُ وَذُنُوبُهُ، فَيُوضَعُ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ، ثُمَّ يَخْرُجُ قِرْطَاسٌ مِثْلُ أُنْمُلَةٍ، فِيهَا شِهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيُوضَعُ فِي الْكِفَّةِ الْأُخْرَى فَيُرَجَّحُ عَلَى خَطَايَاهُ».
632- قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «أَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ».
633- قال الفقيه: حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حِبَّانَ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُنَادِي الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَدِيَّةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَزَلَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [إبراهيم: 48]، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا جِبْرِيلُ كَيْفَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟» قَالَ: يَا مُحَمَّدُ يَكُونُونَ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ لَمْ يُعْمَلْ عَلَيْهَا ذَنْبٌ قَطُّ، فَإِذَا زَفَرَتْ جَهَنَّمُ زَفْرَةً تَتَعَلَّقُ الْمَلَائِكَةُ بِالْعَرْشِ، وَيَقُولُ كُلُّ مَلَكٍ: يَا رَبُّ لَا أَسْأَلُكَ إِلَّا نَفْسِي وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ.
قَالَ: «يَا جِبْرِيلُ وَمَا الْعِهْنُ الْمَنْفُوشُ؟» قَالَ: يَعْنِي الصُّوفَ الْمَنْدُوفَ وَتَذُوبُ الْجِبَالُ مِنْ مَخَافَةِ جَهَنَّمَ يَا مُحَمَّدُ، فَيُجَاءُ بِجَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهِيَ تَزْفِرُ زَفْرَةً عَلَيْهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ آخِذِينَ بِزِمَامِهَا حَتَّى تُوقَفَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَقُولُ لَهَا: يَا جَهَنَّمُ تَكَلَّمِي فَتَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَعِزَّتِكَ وَعِصْمَتِكَ لَأَنْتَقِمَنَّ لَكَ الْيَوْمَ، مِمَّنْ أَكَلَ رِزْقَكَ وَعَبَدَ غَيْرَكَ، لَا يُجَاوِزُنِي إِلَّا مَنْ عِنْدَهُ جَوَازٌ.
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا جِبْرِيلُ، وَمَا الْجَوَازُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟» قَالَ: أَبْشِرْ يَا مُحَمَّدُ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى الْجَوَازِ، أَلَا مَنْ شَهِدَ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَدْ جَازَ مِنْ جِسْرِ جَهَنَّمَ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَلْهَمَ أُمَّتِي شِهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ».
وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ}[غافر:3]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: غَافِرُ الذَّنْبِ لِمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَقَابِلُ التَّوْبِ لِمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، شَدِيدُ الْعِقَابِ لِمَنْ لَا يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ .
قال الفقيه رحمه الله تعالى: الْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى فِي آنَاءِ اللَّيْلِ، وَأَطْرَافِ النَّهَارِ أَنْ لَا يَنْزِعَ مِنْهُ الْإِيمَانَ، وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ وَيَحْفَظَ نَفْسَهُ مِنَ الْمَعَاصِي، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَقُولُونَ هَذَا الْقَوْلَ، ثُمَّ يُنْزَعُ مِنْهُمْ فِي آخِرِ عُمْرِهِمْ بِسَبَبِ أَعْمَالِهِمُ الْخَبِيثَةِ، وَيَخْرُجُونَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى الْكُفْرِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ وَأَيُّ مُصِيبَةٍ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا؟
إِنَّ الرَّجُلَ كَانَ اسْمُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي جَمِيعِ عُمْرِهِ، فَيُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاسْمُهُ مِنَ الْكَافِرِينَ، فَهَذَا هُوَ الْحَسْرَةُ كُلُّ الْحَسْرَةِ وَلَيْسَتِ الْحَسْرَةُ بِالَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْكَنِيسَةِ، أَوْ مِنْ بَيْتِ النَّارِ، فَيَدْخُلُ جَهَنَّمَ وَلَكِنَّ الْحَسْرَةَ بِالَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَيُطْرَحُ فِي النَّارِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ بِسَبَبِ أَعْمَالِهِ الْخَبِيثَةِ، وَارْتِكَابِهِ الْمُحَرَّمَاتِ فِي السَّرَائِرِ فَرُبَّ رَجُلٍ وَقَعَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ فَيَقُولُ: أُنْفِقُهَا ثُمَّ أَرُدُّهَا أَوْ أَسْتَحِلُّ مِنْهُمْ، فَيَمُوتُ قَبْلَ أَنْ يُرْضِيَ خَصْمَهُ، وَرُبَّ إِنْسَانٍ وَقَعَ مِنْهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ حُرْمَةٌ فَيَقُولُ: كَيْفَ أَدَعُهَا وَبَيْنَنَا أَوْلَادٌ؟ فَيُصِرُّ عَلَى ذَلِكَ فيأتيه الموت وهو على الحرام، وربما ينزع من الإيمان بسبب ذلك.
فَانْظُرْ يَا أَخِي وَاجْتَهِدْ فِي إِصْلَاحِ أَمْرِكَ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيكَ الْمَوْتُ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَتَى يَأْتِيكَ الْمَوْتُ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُمْرَ قَلِيلٌ، والْحَسْرَةُ طَوِيلَةٌ، وَعَلَيْكَ أَنْ تُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وأن تعمل ما هو شكر لهذه النعمة العظيمة، فإنّ النّعمةَ تبقى مع الشكر .
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثَمَنُ الْجَنَّةِ
634- وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لِلْجَنَّةِ ثَمَنٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ».
635- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْبَقُ النَّاسِ إِلَى شَفَاعَتِكَ؟ قَالَ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ نَفْسِهِ».
وَعَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} [الحجر: 2]، قَالَ: إِذَا أُخْرِجَ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ الْمُشْرِكُونَ: يَا لَيْتَنَا كُنَّا مُسْلِمِينَ .
وَعَنْ عَطَاءٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا} [النمل: 89]، يَعْنِي مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ} [النمل: 90]، يَعْنِي مَنْ جَاءَ بِالشِّرْكِ .
وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ} [الرحمن: 60]، قَالَ: " هَلْ جَزَاءُ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِلَّا الْجَنَّةُ ".
636- وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمًا فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الرَّبَّ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَهُوَ يَقُولُ: مَا لِي أَرَاكَ مَغْمُومًا حَزِينًا وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ، فَقَالَ: «يَا جِبْرِيلُ قَدْ طَالَ تَفَكُّرِي فِي أَمْرِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ فِي أَمْرِ أَهْلِ الْكُفْرِ أَمْ فِي أَمْرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: «يَا جِبْرِيلُ لَا بَلْ فِي أَمْرِ أَهْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» .
قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدِهِ حَتَّى أَقَامَهُ عَلَى مَقْبَرَةٍ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ، فَضَرَبَ بِجَنَاحِهِ الْأَيْمَنِ عَلَى قَبْرِ مَيِّتٍ فَقَالَ: قُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ فَقَامَ رَجُلٌ مُبْيَضُّ الْوَجْهِ وَهُوَ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: عُدْ فَعَادَ كَمَا كَانَ ثُمَّ ضَرَبَ بِجَنَاحِهِ الْأَيْسَرِ عَلَى قَبْرِ مَيِّتٍ، فقال قم بإذن الله، فخرج رجل مسود الوجه أزرق العينين، وهو يَقُولُ: وَاحَسْرَتَاهُ وَانَدَامَتَاهُ وَاسَوْأَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ: عُدْ، فَعَادَ كَمَا كَانَ، ثُمَّ قَالَ جِبْرِيلُ: هَكَذَا يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَا مَاتُوا عَلَيْهِ.
637- وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِنَّهَا تَهْدِمُ الذُّنُوبَ هَدْمًا»، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: فَإِنْ قَالَهَا فِي حَيَاتِهِ؟ قَالَ: «هِيَ أَهْدَمُ وَأَهْدَمُ».
638- وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «احْضُرُوا مَوْتَاكُمْ، فَلَقِّنُوهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَبَشِّرُوهُمْ بِالْجَنَّةِ، فَإِنَّ الْحَلِيمَ الْعَلِيمَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ يَحَارُ عِنْدَ ذَلِكَ الْمَصْرَعِ، وَإِنَّ إِبْلِيسَ عَدُوَّ اللَّهِ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ مِنَ الْعَبْدِ فِي ذَلِكَ الْمَوْطِنِ عِنْدَ فِرَاقِ الدُّنْيَا، وَتَرْكِ الْأَحِبَّةِ، وَلَا تُقَنِّطُوهُمْ، فَإِنَّ الْكَرْبَ شَدِيدٌ وَالْأَمْرَ عَظِيمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَمُعَالَجَةُ مَلَكِ الْمَوْتِ أَشَدُّ مِنْ أَلْفِ ضَرْبَةٍ بِالسَّيْفِ» .
وَرُوِيَ فِي الْخَبَرِ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، مِنْ أَعْبَدِ النَّاسِ، وَكَانَ فِي زَمَنِهِ رَجُلٌ آخَرُ مِنْ أَفْجَرِ النَّاسِ، فَمَاتَ الْعَابِدُ فَقِيلَ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّهُ فِي النَّارِ، وَمَاتَ الْفَاجِرُ فَقِيلَ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِامْرَأَةِ الْعَابِدِ: مَا كَانَ عَمَلُهُ؟ قَالَتْ: كَانَ مِنْ أَعْبَدِ النَّاسِ وَمَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ.
فَقَالَ: وَمَا كَانَ عَمَلُهُ أَيْضًا؟ قَالَتْ: كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ: طُوبَى لَنَا إِنْ كَانَ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى حَقًّا.
وَقَالَ لِامْرَأَةِ الْفَاجِرِ: مَا كَانَ عَمَلُهُ قَالَتْ: كَانَ مِنْ أَفْجَرِ النَّاسِ وَمَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ.
فَقَالَ: وَمَا كَانَ عَمَلُهُ أَيْضًا؟ قَالَتْ: كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.
639- وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَرَجَ مِنْ فِيهِ طَيْرٌ أَخْضَرُ، لَهُ جَنَاحَانِ أَبْيَضَانِ مُكَلَّلَانِ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ، فَعَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ، فَيُسْمَعُ لَهُ دَوِيٌّ تَحْتَ الْعَرْشِ، كَدَوِيِّ النَّحْلِ فَيُقَالُ لَهُ: اسْكُنْ فَيَقُولُ: لَا حَتَّى تَغْفِرَ لِصَاحِبِي، فَيُغْفَرُ لِقَائِلِهَا، ثُمَّ يُجْعَلُ بَعْدَهَا لِذَلِكَ الطَّائِرِ سَبْعُونَ لِسَانًا يَسْتَغْفِرُ لِصَاحِبِهِ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَاءَ ذَلِكَ الطَّيْرُ فَأَخَذَ بِيَدِ صَاحِبِهِ حَتَّى يَكُونَ قَائِدَهُ، وَدَلِيلَهُ إِلَى الْجَنَّةِ».
وَرُوِيَ فِي الْخَبَرِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَغْرَقَ فِرْعَوْنَ، وَأَنْجَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ مُوسَى: يَا رَبُّ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ أَعْمَلُهُ يَكُونُ شُكْرًا لِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيّ قَالَ: يَا مُوسَى قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَكَانَ مُوسَى يَطْلُبُ الزِّيَادَةَ، فَقَالَ: يَا مُوسَى لَوْ وُضِعَتْ سَبْعُ سَمَوَاتٍ، وَسَبْعُ أَرَاضِينَ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ وَوُضِعَتْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي الْكِفَّةِ الْأُخْرَى لَرَجَحَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: ثَلَاثٌ لَا يَحْجُبُهُنَّ عَنِ اللَّهِ شَيْءٌ: شِهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَدَعْوَةُ مُوقِنٍ بِالْإِجَابَةِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ عَلَى الظَّالِمِ.
640- وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ خَالِصًا، وَمَدَّهَا بِالتَّعْظِيمِ كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ أَرْبَعَةَ آلَافِ ذَنْبٍ مِنَ الْكَبَائِرِ، قِيلَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَرْبَعَةُ آلَافِ ذَنْبٍ؟ قَالَ: يُغْفَرُ مِنْ ذُنُوبِ أَهْلِهِ وَجِيرَانِهِ .
قال الفقيه رحمه الله: يُقَالُ: مَنْ حَفِظَ سَبْعَ كَلِمَاتٍ فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ شَرِيفٌ، وَعِنْدَ الْمَلَائِكَةِ شَرِيٌف، وَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ، وَيَجِدُ حَلَاوَةَ الطَّاعَةِ وَتَكُونُ حَيَاتُهُ وَمَمَاتُهُ خَيْرًا لَهُ:
أَوَّلُهَا: أَنْ يَقُولَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ كُلِّ شَيْءٍ: بِسْمِ اللَّهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقُولَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ: الْحَمْدُ لِلَّهِ.
وَالثَّالِثُ: إِذَا جَرَى عَلَى لِسَانِهِ لَغْوٌ، أَوْ عَمِلَ سُوءًا قَلَّ أَوْ كَثُرَ يَقُولُ بَعْدَهُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ.
وَالرَّابِعُ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: أَفْعَلُ غَدًا كَذَا فَيَقُولُ عَلَى أَثَرِهِ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَالْخَامِسُ: إِذَا اسْتَقْبَلَهُ مَكْرُوهٌ يَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
وَالسَّادِسُ: إِذَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فِي النَّفْسِ، أَوْ فِي الْمَالِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، يَقُولُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَالسَّابِعُ: لَا يَزَالُ يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ فِي آنَاءِ اللَّيْلِ وَأَطْرَافِ النَّهَارِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ..
641- وَرُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْ سَمِعَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ يَقُولُ: اكْشِفُوا عَنِّي فَإِنِّي سَمِعْتُ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ بِهِ، إِلَّا أَنْ تَتَكَلَّمُوا بِهِ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا مُوقِنًا دَخَلَ الْجَنَّةَ».
642- وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ لُقِّنَ عِنْدَ الْمَوْتِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» .
643- وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ مِنَ الدُّنْيَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ».
644- قال الفقيه رحمه الله: بِإِسْنَادِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ ابْنَهُ، قَالَ: يَا بُنَيَّ آمُرُكَ بِأَمْرَيْنِ، وَأَنْهَاكَ عَنْ أَمْرَيْنِ، آمُرُكَ أَنْ تَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَإِنَّ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ لَوْ جُعِلَتَا فِي كِفَّةٍ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي كِفَّةٍ أُخْرَى لَوَزَنَتْهُمَا.
وَآمُرُكَ أَنْ تَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، فَإِنَّهَا صَلَاةَ الْمَلَائِكَةِ، وَدُعَاءُ الْخَلْقِ، وَبِهَا يُرْزَقُ الْخَلْقُ، وَأَنْهَاكَ أَنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، فَإِنَّ مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ شَيْئًا فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، وَأَنْهَاكَ عَنِ الْكِبْرِ، فَإِنَّهُ لَا أَحَدَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَفِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ».
645- وَرُوِيَ فِي الْخَبَرِ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا دَخَلَ الْجَنَّةَ» .
فَقَدِ اشْتُرِطَ فِي هَذَا الْقَوْلِ الْإِخْلَاصُ، وَلَا يَكُونُ الْإِخْلَاصُ إِلَّا أَنْ يَمْنَعَهُ ذَلِكَ الْقَوْلُ مِنَ الذُّنُوبِ، فَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ لَا يَمْنَعُهُ مِنَ الذُّنُوبِ فَلَيْسَ بِمُخْلِصٍ، وَيُخَافُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْقَوْلُ عِنْدَهُ عَارِيَةً وَالْعَارِيَةُ تُسْتَرَدُّ مِنْهُ.
قال الفقيه رحمه الله: النَّاسُ فِي إِيمَانِهِمْ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِيمَانُهُ لَهُ عَطَاءً، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِيمَانُهُ لَهُ عَارِيَةً، فَالْعَلَامَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يَكُونُ إِيمَانُهُ عَطَاءً يَمْنَعُهُ مِنَ الذُّنُوبِ، وَيُرَغِّبُهُ فِي الطَّاعَاتِ وَالَّذِي هُوَ عَارِيَةٌ لَا يَمْنَعُهُ مِنَ الذُّنُوبِ، وَلَا يُرَغِّبُهُ فِي الطَّاعَاتِ، لِأَنَّهُ لَا تَدْبِيرَ لَهُ فِي مَكَانٍ هُوَ فِيهِ عَارِيَةٌ.
646- وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثَمَنُ الْجَنَّةِ»، وَفِي خَبَرٍ آخَرَ: «مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ» .
وَيُقَالُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ، وَلَكِنَّ الْمِفْتَاحَ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ الْأَسْنَانِ حَتَّى يَفْتَحَ الْبَابَ، وَمِنْ أَسْنَانِهِ لِسَانٌ ذَاكِرٌ طَاهِرٌ مِنَ الذُّنُوبِ، وَالْغِيبَةِ، وَقَلْبٌ خَاشِعٌ طَاهِرٌ مِنَ الْحَسَدِ وَالْخِيَانَةِ، وَبَطْنٌ طَاهِرٌ مِنَ الْحَرَامِ وَالشُّبْهَةِ، وَجَوَارِحٌ مَشْغُولَةٌ بِالْخِدْمَةِ طَاهِرَةٌ عَنِ الْمَعَاصِي.
647- وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي عَمَلًا يُقَرِّبُنِي إِلَى الْجَنَّةِ وَيُبَاعِدُنِي عَنِ النَّارِ، قَالَ: «إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً، فَاعْمَلْ بِجَنْبِهَا حَسَنَةً، فَإِنَّهَا بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ؟ قَالَ: «هِيَ مِنْ أَحْسَنِ الْحَسَنَاتِ».
وَرَوَى سَلَمَةُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: يَنْدَرِسُ الْإِسْلَامُ حَتَّى لَا يَدْرِي أَحَدٌ مَا الصَّلَاةُ وَمَا الصِّيَامُ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَقُولُ: كَانَ مِنْ قَبْلِنَا مَنْ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَنَحْنُ نَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قِيلَ لَهُ: فَمَا يُغْنِي عَنْهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ قَالَ: يَنْجُونَ بِهَا مِنَ النَّارِ وَيَدْخُلُونَ بِهَا الْجَنَّةَ.
Post a Comment