بَابُ: مَا جَاءَ فِي الذُّنُوبِ
بَابُ: مَا جَاءَ فِي الذُّنُوبِ
552- حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْعَوَّامِ الرَّبَاحِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَابِقٍ، عَنْ خَيْثَمَةَ بْنِ خَلِيفَةٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ:
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: «كَانَ فِيمَا أَعْطَى اللَّهُ لِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فِي الْأَلْوَاحِ عَشْرَةُ أَبْوَابٍ، فَأَوَّلُ مَا كُتِبَ فِي اللَّوْحِ الْأَوَّلِ: يَا مُوسَى لَا تُشْرِكَنَّ بِي شَيْئًا، فَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَتَلْفَحَنَّ وُجُوهَ الْمُشْرِكِينَ النَّارِ، وَاشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ أَقِيكَ الْمَتَالِفَ، أَعْنِي أَحْفَظُكَ مِنَ الْمَهَالِكِ، وَأَنْسَأُ لَكَ فِي عُمْرِكَ، وَأُحْيِيكَ حَيَاةً طَيِّبَةً، وَأَنْقُلُكَ، وَأَقْلِبُكَ إِلَى خَيْرٍ مِنْهَا، وَلَا تَقْتُلِ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمْتُهَا، فَتَضِيقَ عَلَيْكَ الْأَرْضُ بِرَحْبِهَا، وَالسَّمَاءُ بِأَقْطَارِهَا، وَتَبُوءَ بِسَخَطِي فِي النَّارِ.
لَا تَحْلِفْ بِاسْمِي كَاذِبًا، وَلَا آثِمًا، فَإِنِّي لَا أُطَهِّرُ، وَلَا أُزَكِّي مَنْ لَمْ يُنَزِّهْنِي، وَمَنْ لَمْ يُعَظِّمْ أَسْمَائِي، وَلَا تَحْسُدِ النَّاسَ عَلَى مَا آتَيْتُهُمْ مِنْ فَضْلِي فَإِنَّ الْحَاسِدَ عَدُوٌّ لِنِعْمَتِي رَادٌّ لِقَضَائِي سَاخِطٌ لِقِسْمَتِي الَّتِي قَسَمْتُ بَيْنَ عِبَادِي، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَلَسْتُ مِنْهُ وَلَيْسَ مِنِّي.
لَا تَشْهَدْ بِمَا لَا يَعِي سَمْعُكَ، وَيَحْفَظُهُ عَقْلُكَ، وَيَعْقِدُ عَلَيْكَ قَلْبُكَ، فَإِنِّي وَاقِفٌ أَهْلَ الشَّهَادَاتِ عَلَى شَهَادَاتِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَسْأَلُهُمْ عَنْهَا سُؤَالًا حَثِيثًا، وَلَا تَسْرِقْ وَلَا تَزْنِ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ، فَأَحْجُبُ عَنْكَ وَجْهِي، وَأُغْلِقُ عَنْكَ أَبْوَابَ السَّمَاءِ، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ كَمَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ.
وَلَا تَذْبَحَنَّ لِغَيْرِي فَإِنِّي مَا أُحِبُّ مِنَ الْقُرْبَانِ إِلَّا مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمِي، وَكَانَ خَالِصًا لِوَجْهِي وَتَفَرَّغْ لِي يَوْمَ السَّبْتِ، وَفَرِّغْ جَمِيعَ أَهْلِ بَيْتِكَ ».
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ السَّبْتَ لِمُوسَى عِيدًا، وَاخْتَارَ الْجُمْعَةَ فَجَعَلَهَا لَنَا عِيدًا».
553- قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، قَالَ:
قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَبَضَ كَفَّهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ قَالَ: «كِتَابٌ كَتَبَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ أَهْلَ الْجَنَّةِ بِأَسْمَائِهِمْ، وَأَنْسَابِهِمْ وَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ»، ثم قبض كفّه اليسرى فقال: «كتاباً كتب الله فيه أهل النار بِأَسْمَائِهِمْ، وَأَنْسَابِهِمْ وَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ، وَلَيَعْمَلَنَّ أَهْلُ السَّعَادَةِ بِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاءِ حَتَّى يُقَالَ بِأَنَّهُمْ مِنْهُمْ بَلْ هُمْ، ثُمَّ يَسْتَنْقِذَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَضَائِهِ، مِنَ الشَّقَاءِ إِلَى السَّعَادَةِ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَلَوْ بِفُوَاقِ نَاقَةٍ، وَلَيَعْمَلَنَّ أَهْلُ الشَّقَاءِ بِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، حَتَّى يُقَالَ كَأَنَّهُمْ مِنْهُمْ بَلْ هُمْ، وليستخرجنهم اللَّهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ ليستخرجنهم اللَّهُ بقضائه قَبْلَ الْمَوْتِ، وَلَوْ بِفُوَاقِ نَاقَةٍ، السَّعِيدُ مَنْ سَعِدَ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، والشقي من شقي بقضاء الله، وَالْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ».
554- وَرَوَى فُضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالْمُؤْمِنِ، الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَأَنْفُسِهِمْ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الذُّنُوبَ وَالْخَطَايَا» .
قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: اعْبُدُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَأَنَّكُمْ تَرَوْنَهُ، وَعُدُّوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ الْمَوْتَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ قَلِيلًا يُغْنِيكُمْ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ يُلْهِيكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْبِرَّ لَا يَبْلَى وَأَنَّ الْإِثْمَ لَا يُنْسَى.
555- وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «الْبِرُّ لَا يَبْلَى، وَالْإِثْمُ لَا يُنْسَى، وَالدَّيَّانُ لَا يَفْنَى، وَكُنْ كَمَا شِئْتَ، يَعْنِي كَمَا تَدِينُ تُدَانُ» .
قَالَ الْفَقِيهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَعْنَى قَوْلِهِ «كَمَا تَدِينُ تُدَانُ»، يَعْنِي أَنَّكَ لَوْ عَمِلْتَ خَيْرًا تَجِدُ ثَوَابَ الْخَيْرِ، وَإِنْ عَمِلْتَ شَرًّا تُجْزَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جَزَاءَ الشَّرِّ.
وَهَذَا كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7]، يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَظْلِمُ أَحَدًا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ ثَوَابِ حَسَنَاتِهِ شَيْئًا، وَلَا يُعَاقِبُهُ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى الطَّرِيقَ وَبَعَثَ رَسُولًا كَرِيمًا نَاصِحًا لِأُمَّتِهِ، وَقَدْ بَيَّنَ طَرِيقَ الْجَنَّةِ وَطَرِيقَ النَّارِ.
556- وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا، فَجَاءَ الْفِرَاشَ يَتَهَافَتْنَ فِيهَا، فَأَنَا أَمْنَعُكُمْ مِنْ أَنْ تَقَعُوا فِي النَّارِ»، يَعْنِي أَنْهَاكُمْ عَنِ الذُّنُوبِ وَالْعِصْيَانِ، فَإِنَّ الذُّنُوبَ تُلْقِي صَاحِبَهَا فِي النَّارِ .
وَيُقَالُ: قُبِلَتْ تَوْبَةُ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِخَمْسِ خِصَالٍ، وَلَمْ تُقْبَلْ تَوْبَةُ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ لِخَمْسِ خِصَالٍ.
فَآدَمُ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالذَّنْبِ، وَنَدِمَ عَلَيْهِ، وَلَامَ نَفْسَهُ، وَأَسْرَعَ بِالتَّوْبَةِ، وَلَمْ يَقْنَطْ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَإِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ لَمْ يُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَمْ يَنْدَمْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَلُمْ نَفْسَهُ، وَلَمْ يُسْرِعْ فِي التَّوْبَةِ، وَقَنَطَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
فَمَنْ كَانَ حَالُهُ مِثْلَ حَالِ آدَمَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ، وَمَنْ كَانَ حَالُهُ مِثْلَ حَالِ إِبْلِيسَ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ ".
وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: لَأَنْ أَدْخُلَ النَّارَ، وَقَدْ أَطَعْتُ اللَّهَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَقَدْ عَصَيْتُ اللَّهَ تَعَالَى.
مَعْنَاهُ لَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى فَالْحَيَاءُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَجْلِ ذُنُوبِهِ بَاقٍ ينغّص عليه الجنّة، وَلَوْ دَخَلَ النَّارَ وَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَكُونُ لَهُ الْخَجَلُ وَالْحَيَاءُ وَيُرْجَى خُرُوجُهُ مِنْهَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ مَرَّ بِعُتْبَةَ الْغُلَامِ فِي بَرْدٍ شَدِيدٍ، وَعَلَى عُتْبَةَ قَمِيصٌ خَلِقٌ، وَهُوَ قَائِمٌ يَتَفَكَّرُ وَهُوَ يَتَرَشَّحُ عَرَقًا، فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: مَا الَّذِي أَوْقَفَكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: قَالَ: يَا مُعَلِّمِي هَذَا مَوْضِعٌ عَصَيْتُ اللَّهَ تَعَالَى فِيهِ، يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ يَتَفَكَّرُ فِي ذَنْبِهِ، وَهُوَ يَسِيلُ مِنْهُ الْعَرَقُ حَيَاءً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى .
وَقَالَ مَكْحُولٌ الشَّامِيُّ: مَنْ أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ ثُمَّ لَمْ يَتَفَكَّرْ فِيمَا صَنَعَ فِي يَوْمِهِ، فَإِنْ عَمِلَ خَيْرًا حَمِدَ اللَّهَ، وَإِنْ أَذْنَبَ اسْتَغْفَرَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَانَ كَمِثْلِ التَّاجِرِ، الَّذِي يُنْفِقُ وَلَا يَحْسِبُ حَتَّى يُفْلِسَ، وَلَا يَشْعُرُ .
وَيُقَالُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ عَبْدِي إِنِّي مَلِكٌ لَا أَزُولُ، فَأَطِعْنِي فِيمَا أَمَرْتُكَ بِهِ، وَانْتَهِ عَمَّا نَهَيْتُكَ عَنْهُ حَتَّى أَجْعَلَكَ حَيًّا لَا تَمُوتُ، عَبْدِي أَنَا الَّذِي إِذَا أَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ.
وَعَنْ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا تُسِيءَ إِلَى مَنْ تُحِبُّهُ فَافْعَلْ، قِيلَ لَهُ وَهَلْ يُسِيءُ أَحَدٌ إِلَى مَنْ يُحِبُّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ نَفْسُكَ أَحَبُّ الْأَنْفُسِ، وَأَعَزُّهَا إِلَيْكَ، فَإِذَا عَصَيْتَ فَقَدْ أَسَأْتَ إِلَيْهَا.
وَقِيلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ: أَوْصِنِي بِشَيْءٍ، قَالَ: لَا تَجْفُ رَبَّكَ، وَلَا تَجْفُ الْخَلْقَ، وَلَا تَجْفُ نَفْسَكَ، أَمَّا الْجَفَاءُ بِرَبِّكَ فَأَنْ تَشْتَغِلَ بِخِدْمَةِ غَيْرِهِ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَأَمَّا الْجَفَاءُ مَعَ الْخَلْقِ فَأَنْ تَذْكُرَهُمْ عِنْدَ النَّاسِ بِسُوءٍ، وَأَمَّا الْجَفَاءُ مَعَ النَّفْسِ، فَأَنْ تَتَهَاوَنَ بِفَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَرُوِيَ عَنْ كَهْمَسِ بْنِ الْحَسَنِ، أبو الحسن البصري، أَنَّهُ قَالَ: أَذْنَبْتُ ذَنْبًا وَأَنَا أَبْكِي عَلَيْهِ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، قِيلَ لَهُ: مَا هُوَ يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: زَارَنِي أَخٌ لِي فَاشْتَرَيْتُ لَهُ سَمَكًا، فَأَكَلَ، ثُمَّ قُمْتُ إِلَى حَائِطِ جَارِي فَأَخَذْتُ مِنْهُ قِطْعَةً مِنْ طِينٍ، فَغَسَلْتُ بِهَا يَدِي.
557- وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «أَعْظَمُ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى أَصْغَرُهَا عِنْدَ النَّاسِ، وَأَصْغَرُ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، أَعْظَمُهَا عِنْدَ النَّاسِ» .
قال الفقيه رحمه الله تعالى: يَعْنِي أَعْظَمُهَا عِنْدَ الْمُذْنِبِ إِذَا عَظَّمَهُ وَخَافَهُ فَإِنَّهَا أَصْغَرُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا إِذَا كَانَ صَغِيرًا فِي عَيْنِ الْمُذْنِبِ، فَهُوَ عَظِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ أَعْظَمَ الذُّنُوبِ مَا كَانَ مُصَرًّا عَلَيْهِ وَهَكذَا.
كَمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهُ قَالَ: لَا صَغِيرَةَ مَعَ الْإِصْرَارِ وَلَا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَرْبَعٌ بَعْدَ الذَّنْبِ شَرٌّمِنَ الذَّنْبِ: الِاسْتِصْغَارُ وَالِاغْتِرَارُ وَالِاسْتِبْشَارُ وَالْإِصْرَارُ.
قال الفقيه رحمه الله تعالى: لَا تَغُرَّنَّكَ هَذِهِ الْآيَةُ: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} [الأنعام: 160]، لِأَنَّهُ قَدِ اشْتُرِطَ فِي الْحَسَنَةِ الْمَجِيءُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالْعَمَلُ سَهْلٌ عَلَى الْعَامِلِ، وَلَكِنَّ الْمَجِيءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَدِيدٌ، وَإِنَّ السَّيِّئَةَ وَاحِدَةٌ، وَلَكِنْ لَهَا عَشْرٌ مِنَ الْعُيُوبِ أَوَّلُهَا:
أولها: أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا عَمِلَ سَيِّئَةً فَقَدْ أَسْخَطَ خَالِقَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ .
وَالثَّانِي: أَنَّهُ فَرَّحَ مَنْ هُوَ أَبْغَضُ إِلَيْهِ، وَهُوَ إِبْلِيسُ، عَدُوُّ اللَّهِ وَعَدُوُّهُ.
وَالثَّالِثُ: تُبَاعِدُهُ مِنْ أَحْسَنِ الْمَوَاضِعِ، وَهُوَ الْجَنَّةُ.
وَالرَّابِعُ: تُقَرِّبُهُ إِلَى شَرِّ الْمَوَاضِعِ، وَهُوَ جَهَنَّمُ.
وَالْخَامِسُ: أَنَّهُ جَفَا مَنْ هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِ، وَهِيَ نَفْسُهُ.
وَالسَّادِسُ: نَجَّسَ نَفْسَهُ، وَقَدْ خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى طَاهِرَةً.
وَالسَّابِعُ: آذَى أَصْحَابَهُ الَّذِينَ لَا يُؤْذُونَهُ، وَهُمُ الْحَفَظَةُ.
وَالثَّامِنُ: أَحْزَنَ النَّبِيَّ ﷺ فِي قَبْرِهِ.
وَالتَّاسِعُ: أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَآذَاهُمْ بِذَلِكَ وَأَحْزَنَهُمْ.
وَالْعَاشِرُ: أَنَّهُ خَانَ جَمِيعَ الْخَلَائِقِ مِنَ الْآدَمِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، فَأَمَّا خِيَانَةُ الْآدَمِيِّينَ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ لِأَحَدٍ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ، فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ شَهَادَتَهُ لَأَجْلِ ذَنْبِهِ، فَيُبْطِلُ حَقَّ صَاحِبِهِ لِأَجْلِ ذَنْبِهِ، وَأَمَّا الْخِيَانَةُ لِجَمِيعِ الْخَلَائِقِ، فَإِنَّهُ يَقِلُّ الْمَطَرُ إِذَا أَذْنَبَ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ خِيَانَةً لِجَمِيعِ الْخَلَائِقِ، فَإِيَّاكَ وَالذَّنْبَ، فَإِنَّ فِي الذَّنْبِ هَذِهِ الْعُيُوبَ، وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ ظُلْمَ نَفْسِهِ بِمَعْصِيَتِهِ .
وَقِيلَ: أَبْخَلُ النَّاسِ مَنْ بَخِلَ عَلَى نَفْسِهِ، بِمَا فِيهِ سَعَادَةٌ، وَأَظْلَمُ النَّاسِ مَنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ مَنْ عَمِلَ الْمَعْصِيَةَ فَقَدْ أَهْلَكَ نَفْسَهُ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: إِيَّاكَ وَالذَّنْبَ فَإِنَّ الذَّنْبَ شُؤْمٌ، فَيَصِيرُ شُؤْمُهُ حَجَرَ الْمَنْجَنِيقِ، فَيَضْرِبُ عَلَى حَائِطِ الطَّاعَةِ، فَيَكْسِرُ الْحَائِطَ وَيَدْخُلُ رِيحُ الْهَوَاءِ وَيُطْفِئُ سِرَاجَ الْمَعْرِفَةِ.
وَقِيلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ: مَا لَنَا نَسْمَعُ الْعِلْمَ وَلَا نَنْتَفِعُ بِهِ؟ فَقَالَ لَهُمْ لِخَمْسِ خِصَالٍ:
أَوَّلُهَا: قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَلَمْ تَشْكُرُوهُ.
وَالثَّانِي: إِذَا أَذْنَبْتُمْ فَلَمْ تَسْتَغْفِرُوهُ.
وَالثَّالِثُ: لَمْ تَعْمَلُوا بِمَا عَلِمْتُمْ مِنَ الْعِلْمِ.
وَالرَّابِعُ: صَحِبْتُمُ الْأَخْيَارَ وَلَمْ تَقْتَدُوا بِهِمْ.
وَالْخَامِسُ: دَفَنْتُمُ الْأَمْوَاتَ فَلَمْ تَعْتَبِرُوا بِهِمْ.
558- قال الفقيه رحمه الله: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ إِلَّا وَيَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ خَمْسٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَحَدُهُمْ: بِمَكَّةَ، وَالثَّانِي: بِالْمَدِينَةِ، وَالثَّالِثُ: بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَالرَّابِعُ: بِمَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْخَامِسُ: بِأَسْوَاقِ الْمُسْلِمِينَ،.
فَأَمَّا الَّذِي يَنْزِلُ بِمَكَّةَ فَيُنَادِي: أَلَا مَنْ تَرَكَ فَرَائِضَ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَدْ خَرَجَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَأَمَّا الَّذِي يَنْزِلُ بِالْمَدِينَةِ فَيُنَادِي أَلَا مَنْ تَرَكَ سُنَنَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ شَفَاعَتِهِ.
وَأَمَّا الَّذِي يَنْزِلُ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَيُنَادِي أَلَا مَنِ اكْتَسَبَ مَالًا حَرَامًا لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ تَعَالَى سَائِرَ عَمَلِهِ.
وَأَمَّا الَّذِي يَنْزِلُ بِمَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَيُنَادِي يَا أَهْلَ الْمَقَابِرِ بِمَاذَا تَغْتَبِطُونَ؟ وَعَلَى مَاذَا تَنْدَمُونَ؟ فَيَقُولُونَ: نَدَامَتُنَا عَلَى مَا فَاتَ مِنْ أَعْمَارِنَا، وَنَغْتَبِطُ بِأَهْلِ الْجَمَاعَاتِ لِقِرَاءَتِهِمْ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَذَاكُرِهِمْ بِالْعِلْمِ، وَصَلَوَاتِهِمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتِغْفَارِهِمْ لِذُنُوبِهِمْ وَنَحْنُ لَا نَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الَّذِي يَنْزِلُ فِي الْأَسْوَاقِ، فَيُنَادِي وَيَقُولُ: يَا مَعْشَرَ النَّاسِ مَهْلًا، مَهْلًا فَإِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى سَطْوَاتٍ وَنِقْمَاتٍ فَمَنْ خَشِيَ سَطْوَاتَهِ، وَنِقْمَاتِهِ فَلْيُدَاوِ جِرَاحَتَهُ حَتَّى يَتُوبَ مِنْ ذُنُوبِهِ شَوَّقْنَاكُمْ فَلَمْ تَشْتَاقُوا وَخَوَّفْنَاكُمْ فَلَمْ تَخَافُوا، لَوْلَا رِجَالٌ خُشَّعٌ وَصِبْيَانٌ رُضَّعٌ وَبَهَائِمُ رُتَّعٌ، وَشُيُوخٌ رُكَّعٌ، لَصُبَّ عَلَيْكُمُ الْعَذَابُ صَبًّا».
559- وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ لَهَا: «يَا عَائِشَةُ إِيَّاكِ وَمُحَقِّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّ لَهَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى طَالِبًا» .
وَيُقَالُ: مَثَلُ الذُّنُوبِ الصِّغَارِ كَمَثَلِ مَنْ جَمَعَ خَشَبَاتٍ صِغَارًا، فَيُوقِدُ مِنْهَا نَارًا بِاجْتِمَاعِهَا.
وَيُقَالُ: مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ مَنْ يَزْرَعِ الْبِرَّ يَحْصُدِ السَّلَامَةَ، وَفِي الْإِنْجِيلِ مَكْتُوبٌ: مَنْ يَزْرَعِ السُّوءَ يَحْصُدِ النَّدَامَةَ، وَهَذَا فِي الْقُرْآنِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123] .
وَرَوَى أَبُو الْقَاسِمِ ابْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ كَثِيرِ الذُّنُوبِ كَثِيرِ الْعَمَلِ أَعْجَبُ إِلَيْكَ أَمْ رَجُلٍ قَلِيلِ الذُّنُوبِ قَلِيلِ الْعَمَلِ قَالَ: مَا أَعْدِلُ بِالسَّلَامَةِ شَيْئًا، يَعْنِي قَلِيلَ الذُّنُوبِ أَعْجَبُ إِلَيَّ.
فَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: كُلُّ سَفَلَةٍ يَعْمَلُ الطَّاعَةَ وَلَكِنَّ الْكَرِيمَ مَنْ يَتْرُكُ الْمَعْصِيَةَ.
قال الفقيه رحمه الله تعالى: فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَرْكَ الْمَعْصِيَةِ أَفْضَلُ مِنْ أَعْمَالِ الطَّاعَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اشْتَرَطَ فِي الْحَسَنَةِ الْمَجِيءَ بِهَا إِلَى الْآخِرَةِ، وَفِي تَرْكِ الذُّنُوبِ لَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا سِوَى التَّرْكِ، قَالَ تَعَالَى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 40-41]، فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَفْوَ.
والهوى أصل كل ذنب، وقد اشترط في الطاعات والشرائط الكثيرة والأوقات وغيرها، ثم بعد ذلك إن شاء قبل وأدخله الجنة برحمته وفضله، وإن شاء ردّ، ولم يشترط في ترك الذنوب إلا الترك، وواعده دخول الجنة، فقال: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا} وهو الجنة.
560- وقد قال رسولُ الله ﷺ: «ترك ذرّة ممّا نهى الله عنه خير من عبادة الثقلين».
قال قائل:
أرضيت أن تبكي ودمعك ماء
كلا ودموع المذنبين دماء
خلّ المدامع، والدماء فجدّ بها
فالذنب داء، والبكاء دواء
واحذرْ هواك تجد رضاه
فإنما أصل الضلالة كلّها الأهواء
Post a Comment