بَابُ: أَكْلِ الرِّبَا
بَابُ: أَكْلِ الرِّبَا
539- قال الفقيه أبو الليث السمرقندي رحمه الله: حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدِوَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُؤَمِّلُ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الصَّلْتِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي، سَمِعْتُ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَوْقَ رَأْسِي رَعْدًا وَصَوَاعِقَ، وَسَمِعْتُ بَرْقًا، وَرَأَيْتُ رِجَالًا بُطُونُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ كَالْبُيُوتِ، فِيهَا حَيَّاتٌ تُرَى مِنْ ظَاهِرِ بُطُونِهِمْ فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: أَكَلَةُ الرِّبَا».
وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ، قَالَ: الرِّبَا اثْنَانِ وَسَبْعُونَ حُوبًا، يَعْنِي إِثْمًا وَأَصْغَرُهَا حُوبًا كَمَنْ أَتَى أُمَّهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَدِرْهَمٌ مِنَ الرِّبَا شَرٌّمِنْ بِضْعٍ وَثَلَاثِينَ زَنْيَةٍ، قَالَ: وَيَأْذَنُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْقِيَامِ لِلْبَرِّ، وَالْفَاجِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا آكِلَ الرِّبَا، فَإِنَّهُ لَا يَقُومُ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ، يَعْنِي كَالْمَجْنُونِ كُلَّمَا قَامَ سَقَطَ.
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: آخِرُ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ آيَةُ الرِّبَا، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُفَسِّرْهَا لَنَا، فَدَعُوا الرِّبَا وَالْرِّيبَةَ يَعْنِي الْكَبِيرَةَ وَالصَّغِيرَةَ.
540- وَعَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَكَاتِبَهُ، وَالْوَاشِمَةَ، وَالْمُسْتَوْشِمَةَ، وَالْمُحَلَّلَ، وَالْمُحَلَّلَ لَهُ، وَمَانِعَ الصَّدَقَةِ».
«الأكل» هو الأخذ، وهو رب المال، و«الموكل» هو معطيه، وهو المديون لأنه راضٍ به، وكذا شاهديه وكاتبه، لأنهم معينون عليه، و«الواشمة» المرأة التي تنقش وتشم بَدَنَ غيرها، بأن تنقر وتجعل في موضع النقر شيئاً من النيل والوشمة ونحوهما و«المستوشمة» التي تأمر غيرها بذلك، وهي الملتمسة بأن يُفعل بها ذلك.
541- وفي رواية أبي جحيفة أن النبي ﷺ لعن آكل الربا وموكله، والواشمة والمستوشمة والمصوّر.
542- وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «مَا يَكْسِبُ الْعَبْدُ مَالًا مِنَ الْحَرَامِ، فَيَتَصَدَّقَ بِهِ، فَلَا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ، وَلَا يُنْفِقُ مِنْهُ، فَلَا يُبَارَكُ له فِيهِ وَلَا يَتْرُكُهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ إِلَّا كَانَ زَادَهُ إِلَى النَّارِ، إن الله لا يمحو السيء بالسيء، ولكن يمحو السيء بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث»، قال تعالى: {أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم}[البقرة:267].
543- وقد قال رسولُ ﷺ: «ما أكل أحدٌ طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يديه، وإن نبيَّ الله دواد كان يأكل من عمل يديه، وإنّ الله طيب لا يقبل إلا الطيب، وإن الله أمَر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال:{يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ}[المؤمنون:51] وقال:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}[البقرة:172] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمدُّ يديه إلى السماء: يارب يارب، ومطعمه حرام، وشرابه حرام، وملبسه حرام، ونومه حرام، وغدوّه حرام، ومجيئه حرام، فأنى يُستجاب لذلك، ويأتي زمان لا يُبالي المرءُ ما أخذ منه من الحلال أم من الحرام».
قوله: «إن الله طيب»: قد يُوصف الرب بالطيب، ويُراد به: مُنزّه عن النقائص، مقدّس عن العيوب والآفات، وإذا وُصِف العبدُ يُراد به تعرّيه عن رذائل الخلائق وقبائح الأعمال، المتحلّي بأضداد ذلك، وإذا وُصفت الأموال به يُراد به حلال من خيار المال.
ومعنى الحديث -والله أعلم- أنّه مُنزّه عن العيوب، فلا يقبل العيوب، ولا ينبغي أن يتقرّب إليه إلا بما يليق به، في كونه طيباً، كما قال: {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}[آل عمران:92].
قوله: «ثم ذكر الرجل الذي يطيل السفر أشعث أغبر» يعني ذكر النبي ﷺ الرجل الحاج الذي أثر فيه السفر، وأصابه الشعث والغبرة والصعوبة والجوع والعطش والسهر، حتى بلغ بيت الله، فإن طاف يدعو الله في هذه الحالة، ظانّاً بالإجابة وقبول الحجّة والطاعة، لايُستجاب له، ولا يُقبل بصرف نفقته من الحرام، ومَن تصدَّق من الحرام، واستحلّ واستحسن، أو طمع بالثواب، فقد كفر بالله تعالى، وفقد كفر بالله تعالى، وقد ذكرناه في باب الصدقة.
544- وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: بَعَثَ خُلْخَالًا فِضَّةً مِنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَوَضَعَ الْخُلْخَالَ فِي كِفَّةٍ وَالدَّرَاهِمَ فِي كِفَّةٍ، فَكَانَ الْخُلْخَالُ أَثْقَلَ مِنْهَا يَسِيرًا، فَأَخَذَ مِقْرَاضًا فَقُلْتُ: الزِّيَادَةُ لَكَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ: لَا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الزَّائِدُ وَالْمُسْتَزِيدُ فِي النَّارِ».
545- وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَغَيْرُهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْفَضْلُ رِبًا، وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْفَضْلُ رِبًا. وَذَكَرَ الشَّعِيرَ وَالتَّمْرَ وَالْمِلْحَ» ثُمَّ قَالَ: «فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى» .
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قال: كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة الربا.
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه هَكَذَا، وَيُقَالُ: مَا ظَهَرَ الزِّنَى وَأَكْلُ الرِّبَا فِي بَلَدٍ إِلَّا خَرِبَ.
وعن السلف من أئمتنا كأبي حنيفة، وسفيان الثوري، وفضيل بن عياض، وداود الطائي، والشافعي وغيره، أنهم قالوا: طَلَبُ علم البيع والشراء والنكاح والطلاق والحيض والكسب وغير ذلك، ممّا لابُدّ له منه، وشرع فيه فريضةٌ بعد طلب علم الإيمان والصلاة والزكاة والحج والصوم وغسل الجنابة والوضوء.
546- وهو المرادُ بقوله ﷺ: «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة» فكل عمل فرض عليه فريضة، أوشرع فيه، فعلمه عليه فرض.
وَقد روي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: مَنِ اتَّجَرَ قَبْلَ أَنْ يَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ، فَقَدِ ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا، ثُمَّ ارْتَطَمَ ثُمَّ ارْتَطَمَ، يَعْنِي غَرِقَ فِيهِ.
وَرَوَى الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: لَا يَبِيعَنَّ فِي أَسْوَاقِنَا هَذِهِ قَوْمٌ لَمْ يَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ، وَلَمْ يُوفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ.
وَعَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، قَالَ: إِنَّمَا يُؤْذَنُ فِي هَلَاكِ الْقَرْنِ إِذَا اسْتَحَلُّوا أَرْبَعًا: إِذَا نَقَصُوا الْمِيزَانَ، وَبَخَسُوا الْمِكْيَالَ، وَأَظْهَرُوا الزِّنَى وَأَكَلُوا الرِّبَا، لِأَنَّهُمْ إِذَا أَظْهَرُوا الزِّنَى أَصَابَهُمُ الْوَبَاءُ، وَإِذَا نَقَصُوا الْمِيزَانَ وَبَخَسُوا الْمِكْيَالَ، مُنِعُوا الْقَطْرَ وَإِذَا أَكَلُوا الرِّبَا جُرِّدَ عَلَيْهِمُ السَّيْفُ.
وَرُوِيَ عَنْ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِيُّ، قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ فِي السُّوقِ، وَمَعَهُ الدِّرَّةُ فَإِنْ رَأَى رَجُلًا لَا يُوفِي الْكَيْلَ ضَرَبَهُ وَقَالَ: أَوْفِ الْكَيْلَ .
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَعَاجِمِ، إِنَّكُمْ وُلِّيتُمْ أَمْرَيْنِ بِهِمَا أُهْلِكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ: الْمِكْيَالُ وَالْمِيزَانُ.
547- وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٍ لَا يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا أَكَلَ الرِّبَا»، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كُلُّهُمْ يَأْكُلُونَ الرِّبَا؟ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ يُصِيبُهُ مِنْ غُبَارِهِ» .
يَعْنِي يُصِيبُهُ مِنْ إِثْمِهِ، لِأَنَّهُ يُعِينُ عَلَى ذَلِكَ فَيَكُونُ شَاهِدًا، أَوْ كَاتِبًا، أَوْ رَاضِيًا بِفِعْلِهِ، أو قابلاً لهديته، أو آكلاً لدعوته، فَلَهُ حَظٌّ مِنَ الْفِعْلِ .
كَمَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: الزَّائِدُ والْمُسْتَزِيدُ فِي النَّارِ.
548- وفي رواية أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ليأتينّ على الناس زمانٌ لا يبقى أحد إلا أكل الربا، فإن لم يأكله أصابه من غباره».
والمعنى: أنّ الربا يكثر، وتظهر الحيل والشبهات في البيعات والأقراض، فتختلط أموال الناس بالربا والشبهات والحرام، حتى لا يمكن الفرق والفصل بين الأموال، فيأكلون من غير قصد، ويتعدّى أثره وضرره إلى كلّ واحد، ويصل إليه من أثر الحرام، مع أنه لا يكون مُؤكِلاً ولا متوسّطاً ولا شاهداً، ولا مكاتباً ولا معاملاً مع آكل الربا والحرام، ولا من معامله، ولا مع مَن خالط ماله بماله.
فَيَنْبَغِي لِلتَّاجِرِ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنَ الْعِلْمِ مِقْدَارَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي تِجَارَتِهِ لِكَيْلَا يَأْكُلَ الرِّبَا، ويفرق بين الحلال والحرام، ولا يختلط الحرام بماله، ولا يأكله. والفرق بين الحلال والحرام، والشبهة والخاصة، والصدق والكذب، والشك واليقين، والسنّة والبدعة، والكفر والإيمان، لا يمكن إلا بالعلم.
549- كما روى الحسن رضي الله عنه الحديث المشهور قال: حفظتُ من رسول الله ﷺ أنه قال غير مرة ولا مرتين: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن اليقين والصدق طمأنينة، وإن الشك والكذب ريبة».
وأكثر مسائل أصحابنا مبنيّة على هذا الحديث، لأنهم تركوا كلّ مافيه ريبة، وعملوا باليقين.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَدَّدَ فِي أَمْرِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، وَأَوْعَدَ الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ فَقَالَ تَعَالَى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} [المطففين: 1]، يَعْنِي الشِّدَةَ مِنَ الْعَذَابِ وَيُقَالُ: وَيْلٌ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ لِلَّذِينَ يَنْقُصُونَ وَيَخُونُونَ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ: {الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ} [المطففين: 2]، يَعْنِي يَكْتَالُونَ مِنَ النَّاسِ {يَسْتَوْفُونَ} [المطففين: 2]، يَعْنِي حَقَّهُمْ تَامًّا {وَإِذَا كَالُوهُمْ} [المطففين: 3]، يَعْنِي إِذَا كَالُوا لِلنَّاسِ {أَوْ وَزَنُوهُمْ} [المطففين: 3]، يَعْنِي لَهُمْ: {يُخْسِرُونَ} [المطففين: 3]، يَعْنِي يَنْقُصُونَ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ} [المطففين: 4]، يَعْنِي أَلَا يَعْلَمُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَخُونُونَ فِي الْكَيْلِ، وَالْوَزْنِ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ {لِيَوْمٍ عَظِيمٍ} [المطففين: 5]، يَعْنِي هَوْلُه عَظِيمٌ.
قال: {عَلَى النَّاسِ} يعني من الناس، لأنه حق عليه.
550- ويقال: لما قدم رسولُ الله ﷺ المدينة، وأهل المدينة أسوأ الناس كيلاً، وكان لهم كيلان وميزانان، وكان الرجل إذا اشترى بالكيل الزائد باع بالكيل الناقص، فقال لهم: «ويل لكم ما تصنعون» فأنزل الله تعالى هذه الآيات ببركة قدوم رسول الله ﷺ على العدل والإنصاف، بما فيه مصالح العلم، وأمر الناس بالحق والصدق، لأنه عليه مدار العدل والإنصاف، وهو الميزان والمكيال.
ثم قال: {أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ} يعني ألا أيقن أولئك أنهم مبعوثون يوم القيامة، ويحاسبون بكل ذرة، ويُجازون بكل ما يعملون، ويُؤخَذُون بكلّ ما يُخْسِرُون على الناس، حيث لا مال ولا دينار ولا درهم.
{لِيَوْمٍ عَظِيمٍ}، هَوْلُه عَظِيمٌ.
فَاعْتَبِرْ يَا ابْنَ آدَمَ، فَإِنَّ الْيَوْمَ الَّذِي سَمَّاهُ اللَّهُ عَظِيمًا كَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ، أَيُّ يَوْمٍ يَكُونُ وَأَيُّ هَيْبَةٍ وَأَيُّ خَوْفٍ أَعْظَمَ مِنْهُ {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين: 6]، يَعْنِي يَقِفُونَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَسْأَلُهُمْ عَنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ وَيُقْرَأُ فِي كِتَابِهِ {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49] ، فَطُوبَى لِمَنْ عَدَلَ فِي الدُّنْيَا فِي حُقُوقِ النَّاسِ، وَوَيْلٌ لِمَنْ لَمْ يَعْدِلْ فِي حُقُوقِ النَّاس.
551- وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «إِنَّ الْعَدْلَ مِيزَانُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ، فَمَنْ أَخَذَهُ قَادَهُ إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَنْ تَرَكَهُ سَاقَهُ إِلَى النَّارِ» .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَدْلَ يَكُونُ مِنَ السُّلْطَانِ فِي رَعِيَّتِهِ، وَيَكُونُ مِنَ الرَّعِيَّةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالْعَدْلِ لِتَنْجُوا مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ.
Post a Comment