بَابُ: مَا جَاءَ فِي الظُّلْمِ
بَابُ: مَا جَاءَ فِي الظُّلْمِ
561- قال الفقيه: حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ حِمْدَانَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الطُّوسِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُمْلِي لِلظَّالِمِ، فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»، يَعْنِي لَا يَنْجُو، ثُمَّ قَرَأَ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102]
562- حَدَّثَنَا الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، حَدَّثَنَا بْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْمُقْرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لِأَخِيهِ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ مِنْ عَرَضٍ أَوْ مَالٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ، يَوْمَ لَا دِينَارَ وَلَا دِرْهَمَ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ عَمَلِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَمَلٌ، أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِهِ، فَحُمِلَتْ عَلَيْهِ ثم يُلقى في النار».
563- قال الفقيه: حَدَّثَنَا الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا خُزَيْمَةُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسِ؟» قَالُوا لَهُ: الْمُفْلِسُ مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا دِينَارَ وَلَا مَتَاعَ، قَالَ: «فَإِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي، الَّذِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاتِهِ، وَزَكَاتِهِ، وَصِيَامِهِ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطِي هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ، وَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ».
وَذُكِرَ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ، قَالَ: أُتِيَ بِسَوْطٍ إِلَى رَجُلٍ فِي قَبْرِهِ، بَعْدَمَا دُفِنَ، فَجَاءَاهُ، يَعْنِي مُنْكَرًا وَنَكِيرًا، فَقَالَا لَهُ إِنَّا ضَارِبَاكَ مِائَةَ سَوْطٍ فَقَالَ الْمَيِّتُ: إِنِّي كُنْتُ كَذَا وَكَذَا، فَتَشَفَّعَ حَتَّى حَطَّا عَنْهُ عَشْرًا، ولم يزل بهم حتى حطّا عنه تسعة وتسعين ضربة، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ بِهِمَا حَتَّى صَارَ إِلَى ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ.
فَقَالَا: إِنَّا ضَارِبَاكَ ضَرْبَةً فَضَرَبَاهُ وَاحِدَةً فَالْتَهَبَ الْقَبْرُ نَارًا، فَقَالَ: لِمَ ضَرَبْتُمَانِي؟ فَقَالَا: مَرَرْتَ بِرَجُلٍ مَظْلُومٍ فَاسْتَغَاثَ بِكَ فَلَمْ تُغِثْهُ، فَهَذَا حَالُ الَّذِي لَمْ يُغِثِ الْمَظْلُومَ، فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُ الظَّالِمِ.
قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: إِنَّ الرَّجُلَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ يَلْعَنُ نَفْسَهُ، قِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ يَلْعَنُ نَفْسَهُ؟ قَالَ: يَقُولُ: {أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18]، وَهُوَ ظَالِمٌ؟ وقد مرّ ذكر الظالم في باب التوبة.
قال الفقيه رحمه الله تعالى: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الذُّنُوبِ أَعْظَمُ مِنَ الظُّلْمِ، لِأَنَّ الذَّنْبَ إِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَرِيمٌ يَتَجَاوَزُ عَنْكَ، فَإِذَا كَانَ الذَّنْبُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْعِبَادِ، فَلَا حِيلَةَ لَكَ سِوَى رِضَا الْخَصْمِ، فَيَنْبَغِي لِلظَّالِمِ أَنْ يَتُوبَ عَنِ الظُّلْمِ، وَيَتَحَلَّلَ مِنَ الْمَظْلُومِ فِي الدُّنْيَا، فَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَغْفِرَ، وَيَدْعُو لَهُ، فَإِنَّهُ يُرْجَى أَنَّهُ يُحَلِّلَهُ بِذَلِكَ.
قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا ظَلَمَ إِنْسَانًا فَأَرَادَ أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْهُ فَفَاتَهُ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى لَهُ فِي دُبُرِ صَلَاته خَرَجَ مِنْهُ مَظْلَمَتُهُ .
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: قَالَ: مَنْ أَعَانَ ظَالِمًا عَلَى ظُلْمِهِ، أَوْ لَقَّنَهُ حُجَّةً يَدْحَضُ بِهَا حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، فَقَدْ جَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَيْهِ وِزْرُهَا .
وَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ لِلْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ: مَنْ أَجْهَلُ النَّاسِ؟ قَالَ الْأَحْنَفُ: مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَلَا أُنَبِّئُكَ بِأَجْهَلَ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ.
564- وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً»، قلت: يارسول الله، أنصره مظلوماً، فكيف أنصر ظالماً؟ قال: «تمنعه من الظلم، فذلك نصرُك إيّاه».
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: مَا أَحْسَنْتُ إِلَى أَحَدٍ، وَلَا أَسَأْتُ إِلَى أحدٍ قط، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} [فصلت: 46]، يَعْنِي إِنْ أَحْسَنْتُ إِلَى أَحَدٍ، فَقَدْ أَحْسَنْتُ إِلَى نَفْسِي، وَإِنْ أَسَأْتُ إِلَى أَحَدٍ فَقَدْ أَسَأْتُ إِلَى نَفْسِي.
565- وقال رسول الله ﷺ: «لردّ دانقٍ من حرام أفضل عند الله من سبعين حجّة مبرورة».
والحج المبرور: هو الذي لا يخالطه من الرياء شيء، والبيع المبرور الذي لا يخالطه شيء من الخيانة، والتجارة المبرورة التي لا يخالطها شيء من الربا.
566- وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: «ملعون من سأل بوجه الله تعالى، ملعون من يُسأل بوجه الله تعالى فيمنع سائله، مالم يسأل هجراً، ملعون مَن ضرّ أخاه المسلم أو ما كره، ملعون من كذب، ملعون مال لا يزكّى كل عام، ملعون بدن لا يُبتلى في كل عام ليلة من البلاء والعثرة والنكبة والمرضة والخدشة واختلاج العين فما فوق ذلك».
567- وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أوحى الله إلى عيسى عليه السلام أن قل للملأ من بني إسرائيل: أنا ملك الملوك، أملك قلوبهم بيدي، فإن أطاعني عبادي جعلتهم رحمةً عليهم، وإن عصوني جعلتهم نقمةً عليهم، فلا تشتغلوا بالدعاء عليهم، ولكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم».
568- قال الفقيه: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَرَادَ أَنْ يَلْقَاهُ عَلَى خَلَاءٍ، فَيُبْدِي لَهُ حَاجَتَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْعَسْكَرِ بِالْبَطْحَاءِ، وَكَانَ يَجِيءُ مِنَ اللَّيْلِ فَيَطُوفُ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي وَجْهِ الصُّبْحِ رَجَعَ فَصَلَّى صَلَاةَ الْغَدَاةِ، قَالَ: فَحَبَسَهُ الطَّوَافُ ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى أَصْبَحَ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ عَرَضَ لَهُ الرَّجُلُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ، قَالَ: «دَعْنِي فَإِنَّكَ سَتُدْرِكُ حَاجَتَكَ»، فَأَبَى فَلَمَّا خَشِيَ أَنْ يَحْبِسَهُ خَفَقَهُ بِالسَّوْطِ خَفْقَةً، ثُمَّ مَضَى، فَصَلَّى صَلَاةَ الْغَدَاةَ، فَلَمَّا انْتَقَلَ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ عَلَى الْقَوْمِ وَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ حَوْلَهُ فَقَالَ: «أَيْنَ الَّذِي جَلَدْتُهُ آنِفًا؟» فَأَعَادَهَا إِنْ كَانَ فِي الْقَوْمِ فَلْيَقُمْ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ بِرَسُولِهِ، وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «ادْنُ مِنِّي» حَتَّى دَنَا مِنْهُ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَنَاوَلَهُ السَّوْطَ، وَقَالَ: «خُذْ بِجِلْدَتِكَ فَاقْتَصَّ مِنِّي»، فَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَجْلِدَ نَبِيَّهُ، قَالَ: «خَذْ بِجِلْدَتِكَ فَاقْتَصَّ مِنِّي لَا بَأْسَ»، فَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَجْلِدَ نَبِيَّهُ، قَالَ: «لَا إِلَّا أَنْ تَعْفُوَ» ، فَأَلْقَى السَّوْطَ، وَقَالَ: قَدْ عَفَوْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَلَا يَظْلِمُ أَحَدٌ مِنْكُمْ مُؤْمِنًا، إِلَّا انْتَقَمَ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
569- وقال رسول الله ﷺ: «والله لتؤدنّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يؤخذ للشاة الجمّاء من الشاء القرناء».
570- وَعَنْهُ أَيْضًا: «إنَّ الْمَظْلُومِينَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، أَنَّهُ قَالَ: إِنْ لَقِيتَ اللَّهَ تَعَالَى بِسَبْعِينَ ذَنْبًا فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى أَهْوَنُ عَلَيْكَ مِنْ أَنْ تَلْقَاهُ بِذَنْبٍ وَاحِدٍ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْعِبَادِ .
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَنْ يَصْطَبِغَ بِالزَّيْتِ أَوْ بِأَقَلَّ مِنْهُ مَا لَمْ يَقْضِ دَيْنَهُ.
وَرُوِيَ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، قَالَ: قِرَاءَةُ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْعَمَلُ بِهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَخْتِمَ الْقُرْآنَ أَلْفَ مَرَّةً، وَإِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى الْمُؤْمِنِ، وَقَضَاءُ حَاجَتِهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ عِبَادَةِ الْعُمْرِ كُلِّهِ، وَتَرْكُ الدُّنْيَا وَرَفْضُهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ بِعِبَادَةِ أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَتَرْكُ دَانِقٍ مِنْ حَرَامٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مِائَةِ حَجَّةٍ مِنْ حَلَالٍ .
وَذُكِرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْوَرَّاقِ، أَنَّهُ قَالَ: أَكْثَرُ مَا يَنْزِعُ مِنَ الْقَلْبِ الْإِيمَانَ، إنّما ينزع عند الموت، قال: فنظرنا في الذنوب، فلم نجد ذنباً أسرع لنزع الإيمان من ظُلْمُ الْعِبَادِ .
وَسُئِلَ أَبُو الْقَاسِمِ الْحَكِيمُ: هَلْ مِنْ ذَنْبٍ يَنْزِعُ الْإِيمَانَ مِنَ الْعَبْدِ؟ قَالَ: نَعَمْ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ تَنْزِعُ الْإِيمَانَ مِنَ الْعِبَادِ:
أَوَّلُهَا: تَرْكُ الشُّكْرِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَالثَّانِي: تَرْكُ الْخَوْفِ عَلَى ذِهَابِ الْإِسْلَامِ، وَالثَّالِثُ: الظُّلْمُ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ
571- وَرَوَى حَمِيدٌ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: أَوْصَى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا بِثَلَاثٍ فَقَالَ لَهُ: «أَكْثِرْ ذِكْرَ الْمَوْتِ يَشْغَلْكَ عَمَّا سِوَاهُ، وَعَلَيْكَ بِالشُّكْرِ فَإِنَّهُ زِيَادَةٌ فِي النِّعْمَةِ، وَعَلَيْكَ بِالدُّعَاءِ فَإِنَّهُ لَا تَدْرِي مَتَى يُسْتَجَابُ لَكَ، وَأَنْهَاكَ عَنْ ثَلَاثٍ، لَا تَنْقُضْ عَهْدًا، وَلَا تُعِنْ عَلَى نَقْضِهِ، وَإِيَّاكَ وَالْبَغْيَ فَإِنَّ مَنْ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ، وَإِيَّاكَ وَالْمَكْرَ، فَإِنَّهُ لَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ».
وَرَوَى مَنْصُورُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: " إِنَّ لِجَهَنَّمَ جِبَابًا، يَعْنِي مَوَاضِعَ كَسَاحِلِ الْبَحْرِ، فِيهَا حَيَّاتٌ كَالْبُخَاتِيِّ وَعَقَارِبُ كَالْبِغَالِ الدُّلْمِ، فَإِذَا اسْتَغَاثَ أَهْلُ جَهَنَّمَ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمْ قِيلَ لَهُمْ: اخْرُجُوا مِنَ السَّاحِلِ فَيَخْرُجُونَ فَتَأْخُذُ الْحَيَّاتُ بِشِفَاهِهِمْ وَوُجُوهِهِمْ وَمَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُمْ فَتَكْشِطْنَ، فَيَسْتَغِيثُونَ فِرَارًا مِنْهَا إِلَى النَّارِ، فَيُسَلَّطُ عَلَيْهِمُ الْجَرَبُ، فَيَحُكُّ أَحَدُهُمْ جِلْدَهُ حَتَّى يَبْدُوَ الْعَظْمُ فَيُقَالُ: يَا فُلَانُ هَلْ يُؤْذِيكَ هَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ: ذَلِكَ بِمَا كُنْتَ تُؤْذِي الْمُؤْمِنَ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ} [النحل: 88].
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: كَفَى بِالْمُؤْمِنِ مِنَ الْغَيِّ ثَلَاثٌ: يَعِيبُ عَلَى النَّاسِ بِمَا يَأْتِي بِهِ، وَيُبْصِرُ مِنْ عُيُوبِهِمْ مَا لَا يُبْصِرُ مِنْ عُيُوبِ نَفْسِهِ، وَيُؤْذِي جَلِيسَهُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ.
572- وَعَنْ وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يُنَادِي مُنَادٍ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، مَا كَانَ لِي قِبَلَكُمْ فَقَدْ وَهَبْتُهُ لَكُمْ، وَبَقِيَتِ التَّبِعَاتُ التي فيما بينكم فَتَوَاهَبُوهَا وَادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي».
حدثنا القاضي الإمام أبو جعفر، عن الشيخ الزاهد أبي عبد الله الرّقي ببخارى قال: كنتُ بين النائم واليقظان، وهاتف ينشد أن الفضائل كلها إن جمعت رجعت بجملتها إلى شيئين: تعظيم أمره جل ثناؤه، والسعي في إصلاح ذات البين.
وهذا موافق لقوله تعالى: {وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَينكُم}[الأنفال:1] والله أعلم بالصواب.
Post a Comment