بَابُ: فَضَائِلِ الْفُقَرَاءِ

بَابُ: فَضَائِلِ الْفُقَرَاءِ

289- قال الفقيه أبو الليث السمرقندي: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْجُرْجَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي سَالِمٍ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ مُصْعَبَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ:
بَعَثَ الْفُقَرَاءُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ  رَسُولًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَسُولُ الْفُقَرَاءِ إِلَيْكَ، فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِكَ وَبِمَنْ جِئْتَ مِنْ عِنْدَهُمْ، جِئْتَ مِنْ عِنْدِ قَوْمٍ أَحَبَّهُمُ اللَّهُ» .

قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ الْفُقَرَاءُ: إِنَّ الْأَغْنِيَاءَ قَدْ ذَهَبُوا بِالْخَيْرِ كُلِّهُ، هُمْ يَحُجُّونَ وَلَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَإِذَا مَرِضُوا بَعَثُوا بِفَضْلِ أَمْوَالِهِمْ ذُخْرًا.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «بَلِّغْ عَنِّي الْفُقَرَاءَ أَنَّ مَنْ صَبَرَ مِنْكُمْ وَاحْتَسَبَ فَلَهُ ثَلَاثُ خِصَالٍ لَيْسَ لِلْأَغْنِيَاءِ مِنْهَا شَيْءٌ:
أَمَّا الْخَصْلَةُ الْوَاحِدَةُ: أَنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرْفَةً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، يَنْظُرُ إِلَيْهَا أَهْلُ الْجَنَّةِ كَمَا يَنْظُرُ أَهْلُ الدُّنْيَا إِلَى النُّجُومِ، لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا نَبِيٌّ فَقِيرٌ أَوْ شَهِيدٌ فَقِيرٌ أَوْ مُؤْمِنٌ فَقِيرٌ.
وَالثَّانِيَة:ُ يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِنِصْفِ يَوْمٍ، وَهُوَ مِقْدَارُ خَمْسِ مِائَةِ عَامٍ، يَتَمَتَّعُونَ فِيهَا حَيْثُ شَاءُوا، وَيَدْخُلُ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ الْجَنَّةَ بَعْدَ دُخُولِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَرْبَعِينَ عَامًا بِسَبَبِ الْمُلْكِ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ.
وَالْخَصْلَةُ الثَّالِثَةُ: إِذَا قَالَ الْفَقِيرُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ مُخْلِصًا، وَيَقُولُ الْغَنِيُّ مِثْلَ ذَلِكَ مُخْلِصًا، لَمْ يَلْحَقِ الْغَنِيُّ الْفَقِيرَ وَإِنْ أَنْفَقَ الْغَنِيُّ مَعَهَا عَشْرَةَ آلَافِ دِرْهَمَ، وَكَذَلِكَ أَعْمَالُ الْبِرِّ كُلُّهَا
».
فَرَجَعَ إِلَيْهِمُ الرَّسُولُ فَأَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ، فَقَالُوا: رَضِينَا يَا رَبُّ رَضِينَا يَا رَبُّ

290- قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ:
بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ: " أَوْصَانِي خَلِيلِي  بِسَبْعٍ لَمْ أَتْرُكْهُنَّ وَلَا أَتْرُكُهُنَّ: أَوْصَانِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنِّي، وَلَا أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي، وَأَنْ أَصِلَ رَحِمِي، وَإِنْ أَدْبَرَتْ وَقَطَعَتْ، وَأَنْ أَسْتَكْثِرَ مِنْ قَوْلِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَإِنَّهَا مِنْ كُنُوزِ الْبِرِّ، وَأَنْ لَا أَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا، وَأَنْ لَا أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَأَنْ كَانَ مُرًّا.

وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إِذَا سَقَطَ مِنْ يَدِهِ سَوْطُهُ يَكْرَهُ أَقُولَ الْحَقَّ أَنْ يَقُولَ لِأَحَدٍ نَاوِلْنِيهِ

وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ، قَالَ: " تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبُّ عَبْدُكَ الْكَافِرُ بَسَطْتَ لَهُ الدُّنْيَا وَتَزْوِي عَنْهُ الْبَلَاءَ، فَيَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ اكْشِفُوا عَنْ عِقَابِهِ، فَإِذَا رَأَوْهُ قَالُوا: يَا رَبُّ لَا يَنْفَعْهُ مَا أَصَابَ مِنَ الدُّنْيَا.
وَتَقُولُ: يَا رَبُّ عَبْدُكَ الْمُؤْمِنُ تَزْوِي عَنْهُ الدُّنْيَا وَتُعَرِّضُهُ لِلْبَلَاءِ، فَيَقُولُ: اكْشِفُوا عَنْ ثَوَابِهِ، فَإِذَا رَأَوْهُ قَالَوا: يَا رَبُّ مَا يَضُرُّهُ مَا أَصَابَهُ مِنَ الدُّنْيَا".

291- قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ  قَالَ: «الْمُكْثِرُونَ هُمُ الْأَقَلُّونَ، إِلَّا مَنْ قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ».

قال الفقيه: مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ : «الْمُكْثِرُونَ هُمُ الْأَقَلُّونَ» يَعْنِي: إِذَا كَانَ الْغِنَي مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَهُوَ أَقَلُّ دَرَجَةٍ مِنَ الْفَقِيرِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَهُوَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ.
«إِلَّا مَنْ قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا» يَعْنِي: يَتَصَدَّقُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ، وَمِنْ خَلْفِهِ وَمِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ.
«وَقَلِيلٌ مَا هُمْ» يَعْنِي: قَلَّمَا يُوجَدُ مِثْلُ هَذَا فِي الْأَغْنِيَاءِ، لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يُزَيِّنُ لَهُمْ أَمْوَالَهُمْ فِي الدُّنْيَا.

292- وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَقُولُ: لَنْ يَنْجُوَ الْغَنِيُّ مِنْ إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ أُزَيِّنَهُ فِي عَيْنِهِ فَيَمْنَعُهُ مِنْ حَقِّهِ، وَإِمَّا أَنْ أُسَهِّلَ عَلَيْهِ سَبِيلَهُ فَيُنْفِقُهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ، وَإِمَّا أَنْ أُحَبِّبَهُ فِي قَلْبِهِ فَيَكْسِبُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ».

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: بُعِثَ النَّبِيُّ  وَأَنَا تَاجِرٌ فَأَرَدْتُ أَنْ تَجْتَمِعَ لِيَ التِّجَارَةُ مَعَ الْعِبَادَةِ فَلَمْ تَجْتَمِعَا، فَرَفَضْتُ التِّجَارَةَ وَأَقْبَلْتُ عَلَى الْعِبَادَةِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي حَانُوتًا عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ لَا تُخْطِئُنِي فِيهِ صَلَاةٌ فَأَرْبَحُ كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعِينَ دِينَارًا، فَأَتَصَدَّقُ بِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قِيلَ يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ: لِمَ تَكْرَهْ ذَلِكَ؟ قَالَ: لِسُوءِ الْحِسَابِ.

293- وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى، عَنِ النَّبِيِّ  أَنَّهُ قَالَ: «اللَّهُمَّ مَنْ أَحَبَّنِي فَارْزُقْهُ الْعَفَافَ وَالْكَفَافَ، وَمَنْ أَبْغَضَنِي فَأَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ» .

294- وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ: «الْفَقْرُ مَشَقَّةٌ فِي الدُّنْيَا، مَسَرَّةٌ فِي الْآخِرَةِ، وَالْغِنَى مَسَرَّةٌ فِي الدُّنْيَا، مَشَقَّةٌ فِي الْآخِرَةِ».

295- وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيّ ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ حِرْفَةً، وَحِرْفَتِي اثْنَتَانِ: الْفَقْرُ وَالْجِهَادُ، فَمَنْ أَحَبَّهُمَا فَقَدْ أَحَبَّنِي وَمَنْ أَبْغَضَهُمَا فَقَدْ أَبْغَضَنِي».

قال الفقيه: يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُحِبَّ الْفَقْرَ وَيُحِبَّ الْفُقَرَاءَ، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا، لِأَنَّ فِي حُبِّ الْفُقَرَاءِ حُبَّ النَّبِيِّ ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ بِحُبِّ الْفُقَرَاءِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف: 28]، الْآيَةُ، يَعْنِي احْبِسْ نَفْسَكَ مَعَ الْفُقَرَاءِ الَّذِينَ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لِلْعِبَادَةِ.

وَكَانَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ الْفَزَارِيَّ، وَكَانَ رَئِيسَ قَوْمِهِ، فَدَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ  وَعِنْدَهُ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَصُهَيْبُ بْنُ سِنَانٍ الرُّومِيُّ وَبِلَالُ بْنُ حَمَامَةَ الْحَبَشِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ ضُعَفَاءِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَعَلَيْهِمْ ثِيَابٌ خَلِقَةٌ قَدْ عَرِقُوا فِيهَا.
فَقَالَ عُيَيْنَةُ: إِنَّ لَنَا شَرَفًا فَإِذَا دَخَلْنَا عَلَيْكَ فَأَخْرِجْ هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُمْ يُؤْذُونَنَا بِرِيحِهِمْ، وَاجْعَلْ لَنَا مَجْلِسًا، فَنَهَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ إِخْرَاجِهِمْ فَقَالَ: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف: 28] ، يَعْنِي: يُصَلُّونَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَيَطْلُبُونَ رِضَاهُ، {وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}، يَعْنِي: لَا تَتَجَاوَزْهُمْ وَلَا تُحَقِّرْهُمْ طَلَبَ زِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
وقَالَ: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ}، يَعْنِي لَا تُطِعْ مَنْ أَعْرَضْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا عَنِ الْقُرْآنِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ، يَعْنِي اتَّبَعَ هَوَى نَفْسِهِ فِي بُغْضِ الْفُقَرَاءِ: {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28] ، يَعْنِي أَمْرُهُ كَانَ ضَائِعًا بَاطِلًا.

فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ  بِمُجَالَسَةِ الْفُقَرَاءِ وَالْقُرْبِ مِنْهُمْ وَهَذَا الْأَمْرُ لِجَمِيعِ الْفُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُحِبَّ الْفُقَرَاءَ وَيَبَرَّهُمْ وَيَتَّخِذَ عِنْدَهُمُ الْأَيَادِيَ، فَإِنَّهُمْ قُوَّادُ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَتُرْجَى شَفَاعَتُهُمْ.

296- وَرَوَى الْحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، عَنِ النَّبِيِّ ، قَالَ: «يُؤْتَى الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَعْتَذِرُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ كَمَا يَعْتَذِرُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي الدُّنْيَا، فَيَقُولُ جَلَّ سُلْطَانُهُ وَعَظُمَ شَأْنُهُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، مَا زَوَيْتُ الدُّنْيَا عَنْكَ لِهَوَانِكَ عَلَيَّ، وَلَكِنْ لِمَا أَعْدَدْتُ لَكَ مِنَ الْكَرَامَةِ وَالْفَضِيلَةِ، اخْرُجْ يَا عَبْدِي إِلَى هَذِهِ الصُّفُوفِ وَانْظُرْ مَنْ أَطْعَمَكَ فِيَّ أَوْ كَسَاكَ فِيَّ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهِي، فَخُذْ بِيَدِهِ فَهُوَ لَكَ، وَالنَّاسُ يَوْمَئِذٍ قَدْ أَلْجَمَهُمُ الْعَرَقُ، فَيَتَخَلَّلُ الصُّفُوفَ وَيَنْظُرُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ فَيَأْخُذُ بِيَدِهِ فَيُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ».

297- وَرَوَى الْحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، عَنِ النَّبِيِّ  أَنَّهُ قَالَ: «أَكْثِرُوا مَعْرِفَةَ الْفُقَرَاءِ وَاتَّخِذُوا عِنْدَهُمُ الْأَيَادِيَ، فَإِنَّ لَهُمْ دَوْلَةً»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا دَوْلَتُهُمْ؟ قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ؛ قِيلَ لَهُمُ انْظُرُوا مَنْ أَطْعَمَكُمْ كِسْرَةً، أَوْ سَقَاكُمْ شَرْبَةً، أَوْ كَسَاكُمْ ثَوْبًا، فَخُذُوا بِيَدِهِ ثُمَّ امْضُوا بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ» .

قال الفقيه: اعْلَمْ أَنَّ لِلْفَقِيرِ خَمْسَ كَرَامَاتٍ:
إِحْدَاهَا: أَنَّ ثَوَابَ عَمَلِهِ أَكْثَرُ مِنْ ثَوَابِ عَمَلِ الْغَنِيِّ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ إِذَا اشْتَهَى شَيْئًا وَلَمْ يَجِدْهُ يُكْتَبْ لَهُ الْأَجْرُ.
وَالثَّالِثَةُ: أَنَّهُمْ سَابِقُونَ إِلَى الْجَنَّةِ.
وَالرَّابِعَةُ: أَنَّ حِسَابَهُمْ فِي الْآخِرَةِ أَقَلُّ.
وَالْخَامِسَةُ: أَنَّ نَدَامَتَهُمْ أَقَلُّ؛ لِأَنَّ الْأَغْنِيَاءَ يَتَمَنَّوْنَ فِي الْآخِرَةِ لَوْ كَانُوا فُقَرَاءَ، وَلَا يَتَمَنَّى الْفَقِيرُ أَنْ لَوْ كَانَ غَنِيًّا.
وَفِي كُلِّ هَذَا قَدْ جَاءَتِ الْآثَارُ.

298- وَرَوَى زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «دِرْهَمٌ مِنَ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ»، قِيلَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَخْرَجَ رَجُلٌ مِنْ عَرْضِ مَالِهِ مِائَةَ أَلْفٍ وَتَصَدَّقَ بِهَا، وَأَخَّرَ رَجُلٌ دِرْهَمًا مِنْ دِرْهَمَيْنِ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهُمَا طِيبَةً مِنْ نَفْسِهِ، فَصَارَ صَاحِبُ الدِّرْهَمِ أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِ الْمِائَةِ أَلْفٍ» .

299- وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، عَنِ النَّبِيِّ  ، أَنَّهُ سَأَلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ إِذَا رَأَيْنَا أَشْيَاءَ نَشْتَهِيهَا لَا نَقْدِرُ عَلَيْهَا فَهَلْ لَنَا فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: «فَبِمَ تُؤْجَرُونَ إِنْ لَمْ تُؤْجَرُوا فِيهَا» .

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مَنْ دَخَلَ السُّوقَ فَرَأَى شَيْئًا يَشْتَهِيهِ فَصَبَرَ فَاحْتَسَبَ، كَانَ خَيْرًا لَهُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ يُنْفِقُهَا كُلَّهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى.

قال الفقيه رحمه الله: وَالدَّلِيلُ عَلَى فَضْلِ الْفُقَرَاءِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور: 56]، يَعْنِي أَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِلَيَّ وَأَدُّوا الزَّكَاةَ إِلَى الْفُقَرَاءِ، فَقَرَنَ حَقَّ الْفُقَرَاءِ بِحَقِّ نَفْسِهِ.

وَيُقَالُ: الْفَقِيرُ طَبِيبُ الْغَنِيِّ وَقِصَارُهُ وَرَسُولُهُ وَحَارِسُهُ وَشَفِيعُهُ:
وَإِنَّمَا قِيلَ طَبِيبُهُ: لِأَنَّ الْغَنِيَّ إِذَا مَرِضَ يَتَصَدَّقُ عَلَى الْفُقَرَاءِ، فَيَبْرَأُ مِنْ مَرَضِهِ.
وَإِنَّمَا قِيلَ هُوَ قِصَارُهُ: لِأَنَّ الْغَنِيَّ إِذَا تَصَدَّقَ عَلَيْهِ يَدْعُو لَهُ الْفَقِيرُ فَيُطَهِّرَ الْغَنِيَّ مِنْ ذُنُوبِهِ وَيُطَهِّرَ مَالَهُ، وَإِنَّمَا قِيلَ هُوَ رَسُولُهُ: لِأَنَّ الْغَنِيَّ إِذَا تَصَدَّقَ عَنْ وَالِدَيْهِ أَوْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَقْرِبَائِهِ فَيَصِلُ ذَلِكَ إِلَى الْمَوْتَى، فَصَارَ الْفَقِيرُ رَسُولَهُ إِلَى الْمَوْتَى.
وَإِنَّمَا قِيلَ: هُوَ حَارِسُهُ لِأَنَّ الْغَنِيَّ إِذَا تَصَدَّقَ فَدَعَا لَهُ الْفَقِيرُ تَحَصَّنَ مَالُ الْغَنِيِّ بِدُعَاءِ الْفَقِيرِ.

300- وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ مُلُوكِ الْجَنَّةِ» فَقَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «هُمُ الضُّعَفَاءُ الْمَظْلُومُونَ الَّذِينَ لَا يُزَوَّجُونَ الْمُتَنَعِّمَاتِ وَلَا تُفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السُّدَدِ، يَمُوتُ أَحَدُهُمْ وَحَاجَتُهُ تَتَلَجْلَجُ فِي صَدْرِهِ، وَلَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: مَلْعُونٌ مَنْ أَكْرَمَ بِالْغِنَى وَأَهَانَ بِالْفَقْرِ .

وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: مَا أَنْصَفْنَا إِخْوَانَنَا الْأَغْنِيَاءَ لِأَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ وَنَحْنُ نَأْكُلُ، وَيَشْرَبُونَ وَنَحْنُ نَشْرَبُ، وَيَلْبَسُونَ وَنَحْنُ نَلْبَسُ، وَلَهُمْ فُضُولُ أَمْوَالِهِمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا وَنَحْنُ نَنْظُرُ إِلَيْهَا مَعَهُمْ، وَهُمْ يُحَاسَبُونَ وَنَحْنُ بُرَآءُ مِنْهَا .

وَعَنْ شَقِيقٍ الزَّاهِدِ، أَنَّهُ قَالَ: اخْتَارَ الْفُقَرَاءُ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ، وَالْأَغْنِيَاءُ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ، اخْتَارَ الْفُقَرَاءُ رَاحَةَ النَّفْسِ، وَفَرَاغَ الْقَلْبِ، وَخِفَّةَ الْحِسَابِ.
وَاخْتَارَ الْأَغْنِيَاءُ تَعَبَ النَّفْسِ، وَشُغْلَ الْقَلْبِ، وَشِدَّةَ الْحِسَابِ.

وَرُوِيَ عَنْ حَاتِمٍ الزَّاهِدِ، أَنَّهُ قَالَ: مَنِ ادَّعَى أَرْبَعًا مِنْ غَيْرِ أَرْبَعٍ فَهُوَ مُكَذِّبٌ، مَنِ ادَّعَى حُبَّ مَوْلَاهُ مِنْ غَيْرِ وَرَعٍ عَنْ مَحَارِمِهِ، وَمَنِ ادَّعَى حُبَّ الْجَنَّةِ مِنْ غَيْرِ إِنْفَاقِ مَالِهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَنِ ادَّعَى حُبَّ رَسُولِ اللَّهِ  مِنْ غَيْرِ اتِّبَاعِ سُنَّتِهِ، وَمَنِ ادَّعَى حُبَّ الدَّرَجَاتِ مِنْ غَيْرِ صُحْبَةِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ.

وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مَحْرُومٌ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ: الْمُتَطَاوِلُ عَلَى مَنْ تَحْتَهُ، وَالْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَمَنْ يُحَقِّرُ الْغَرِيبَ، وَمَنْ يُعَيِّرُ الْمَسَاكِينَ لِمَسْكَنَتِهِمْ.

301- وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ: «مَا أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيَّ أَنْ أَجْمَعَ الْمَالَ وَأَكُونَ مِنَ التَّاجِرِينَ، وَلَكِنْ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99]» .

302- قال: حدثنا الفقيخ أبو جعفر بإسناده، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَحْمِلْكُمُ الْعُسْرَةُ عَلَى أَنْ تَطْلُبُوا الرِّزْقَ مِنْ غَيْرِ حِلَّةٍ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: «اللَّهُمَّ تَوَفَّنِي فَقِيرًا وَلَا تَتَوَفَّنِي غَنِيًّا، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، فَإِنَّ أَشْقَى الْأَشْقِيَاءِ مَنِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فَقْرُ الدُّنْيَا وَعَذَابُ الْآخِرَةِ .

وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ أَتَى بِغَنَائِمَ مِنْ غَنَائِمِ الْقَادِسِيَّةِ فَجَعَلَ يَتَصَفَّحُهَا وَيَنْظُرُ إِلَيْهَا وَيَبْكِي، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: هَذَا يَوْمُ السُّرُورِ وَالْفَرَحِ، وَأَنْتَ تَبْكِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! قَالَ: أَجَلْ، وَلَكِنْ مَا أُوتِيَ هَذَا قَوْمٌ إِلَّا أَوْقَعَ بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ.

303- وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي  أنه قال: «لكلِّ أُمةٌ فتنةً، وإنَّ فتنةُ أُمتي: المال».

304- وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ أَحَبَّ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ الْفُقَرَاءُ»، لِأَنَّهُ كَانَ أَحَبَّ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ الْأَنْبِيَاءُ فَابْتَلاهُمْ بِالْفَقْرِ.

قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْفَرَّاءُ بِإِسْنَادِهِ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: " أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ: أَنَّهُ يَمُوتُ رَجُلٌ مِنْ أَحَبِّ عِبَادِي إِلَيَّ، وَأَحَبِّ أَهْلِ الْأَرْضِ فَائْتِهِ وَغَسِّلْهُ وَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ فَطَلَبَهُ فِي الْعُمْرَانِ فَلَمْ يَجِدْهُ.
ثُمَّ طَلَبَهُ فِي الْخَرَابِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَأَى قَوْمًا مِنَ الطَّيَّانِينَ فَقَالَ: هَلْ رَأَيْتُمْ مَرِيضًا هَهُنَا بِالْأَمْسِ أَوْ مَيِّتًا الْيَوْمَ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَيْتُ مَرِيضًا فِي الْخَرِبَةِ فَلَعَلَّكَ تُرِيدُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
فَذَهَبَ فَإِذَا هُوَ بِمَرِيضٍ طَرِيحٍ وَتَحْتَ رَأْسِهِ لَبِنَةٌ، فَلَمَّا أَنْ عَالَجَ نَفْسَهُ سَقَطَ رَأْسُهُ عَنِ اللَّبِنَةِ.
قَالَ: فَقَامَ مُوسَى فَبَكَى، فَقَالَ: يَا رَبُّ قُلْتَ إِنَّ هَذَا مِنْ أَحَبِّ عِبَادِكَ إِلَيْكَ فَلَا أَرَى عِنْدَهُ مَنْ كَانَ يُمَرِّضُهُ.
فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي إِذَا أَحْبَبْتُ عَبْدِي زَوَيْتُ عَنْهُ الدُّنْيَا كُلَّهَا ".

وَرَوَى عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الْحَسَنِ، أَنَّهُ قَالَ: أَخَذَ إِبْلِيسُ أَوَّلَ دِينَارٍ ضُرِبَ فَوَضَعَهُ عَلَى عَيْنَيْهِ، وَقَالَ: مَنْ أَحَبَّكَ فَهُوَ عَبْدِي.

وَرَوَى عَبْدُ الْمُنْعِمِ، عَنْ إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أَنَّهُ قَالَ: " وَصَلَ إِبْلِيسُ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، عَلَى صُورَةِ شَيْخٍ فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: أَخْبِرْنِي بِمَا أَنْتَ صَانِعٌ بِأُمَّةِ رُوحِ اللَّهِ تَعَالَى؟ يَعْنِي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
فَقَالَ: لَأَدْعُوَنَّهُمْ يَتَّخِذُونَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ: فَمَا أَنْتَ صَانِعٌ بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ؟ قَالَ: لَأَدْعُوَنَّهُمْ إِلَى الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ أَشْهَى عِنْدَهُمْ مِنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
قَالَ سُلَيْمَانُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، فَنَظَرَ فَإِذَا هُوَ قَدْ ذَهَبَ.

قال الفقيه: الْوَاجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ أَنْ يَعْرِفَ مِنَّةَ اللَّهِ تَعَالَى وَيَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ صَرَفَ عَنْهُ الدُّنْيَا لِكَرَامَتِهِ عَلَيْهِ، وَأَكْرَمَهُ بِمَا أَكْرَمَ بِهِ الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَوْلِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَيَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى وَلَا يَجْزَعَ فِي ذَلِكَ، وَيَصْبِرَ عَلَى مَا يُصِيبُهُ مِنْ ضِيقِ الْعَيْشِ، وَيَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ لَهُ فِي الْآخِرَةِ خَيْرٌ لَهُ مِمَّا صَرَفَ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْفَقْرِ فَضِيلَةٌ سِوَى أَنَّهُ كَانَ حِرْفَةَ رَسُولِ اللَّهِ  وَاقْتِدَاءً بِهِ لَكَانَ عَظِيمًا .

305- حَدَّثَنِي الثِّقَةُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ  جَالِسٌ وَجِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعَهُ، قَالَ جِبْرِيلُ: هَذَا مَلَكٌ قَدْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ، اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي زِيَارَتِكَ، فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى جَاءَ الْمَلَكُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «وَعَلَيْكَ السَّلَامُ»، قَالَ الْمَلَكُ: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخْبِرُكَ أَنْ يُعْطِيَكَ خَزَائِنَ كُلِّ شَيْءٍ، وَمَفَاتِيحَ كُلِّ شَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا قَبْلَكَ، وَلَا يُعْطِهِ أَحَدًا بَعْدَكَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقِصَكَ مِمَّا ادَّخَرَ لَكَ شَيْئًا، أَوْ يَجْمَعَهَا لَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ : «بَلْ يَجْمَعُهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».

306- وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ بُجَيْدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ  قَالَ: «عُرِضَ عَلَيَّ بَطْحَاءُ مَكَّةَ ذَهَبًا وَفِضَّةً، قُلْتُ يَا رَبُّ أَشْبَعُ يَوْمًا، وَأَجُوعُ يَوْمًا، فَأَحْمَدُكَ إِذَا شَبِعْتُ وَأَضْرَعُ إِلَيْكَ إِذَا جُعْتُ» .

وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.


 

Tidak ada komentar