بَابُ: التَّفَكُّرِ
بَابُ: التَّفَكُّرِ
918- قَالَ الْفَقِيهُ رَحِمَهُ اللَّهُ حَدَّثَنَا الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ السَّرَّاجُ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعْدٍ الْبَغْلَانِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زُرَارَةَ الْحَلَبِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحَ، قَالَ:
دَخَلْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، فَسَلَّمْنَا عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَقُلْنَا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، فَقَالَتْ: مَرْحَبًا بِكَ يَا عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ مَا لَكَ لَا تَزُورُنَا؟ فَقَالَ عُبَيْدٌ: زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا.
فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: دَعُونَا مِنْ هَذَا، حَدِّثِينَا بِأَعْجَبِ مَا رَأَيْتِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: كُلُّ أَمْرِهِ عَجِيبٌ غَيْرَ أَنَّهُ أَتَانِي فِي لَيْلَتِي، فَدَخَلَ مَعِي فِي فِرَاشِي حَتَّى أَلْصَقَ جِلْدَهُ بِجِلْدِي، فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، أَتَأْذَنِينَ لِي أَنْ أَتَعَبَّدَ لِرَبِّي»، قُلْتُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَكَ، وَلَأُحِبُّ هَوَاكَ، فَقَامَ إِلَى قِرْبَةٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَ فَبَكَى، وَهُوَ قَائِمٌ حَتَّى بَلَغَتِ الدُّمُوعُ حِجْرَهُ، ثُمَّ اتَّكَأَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ، فَبَكَى حَتَّى رَأَيْتُ الدُّمُوعَ بَلَغَتِ الْأَرْضَ، ثُمَّ أَتَاهُ بِلَالٌ بَعْدَمَا أَذَّنَ الْفَجْرُ، رَآهُ يَبْكِي.
قَالَ: لِمَ تَبْكِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: «يَا بِلَالُ، أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا، وَمَا لِي لَا أَبْكِي، وَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ» : {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [آل عمران: 190]، إِلَى قَوْلِهِ {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191]، ثُمَّ قَالَ: «وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا».
وَرُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّ مَنْ نَظَرَ فِي النُّجُومِ، وَتَفَكَّرَ فِي عَجَائِبِهَا، وَفِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَقْرَأُ: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191]، كُتِبَ لَهُ بِعَدَدِ كُلِّ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ حَسَنَةٌ.
وَرُوِيَ عَنْ عَامِرِ بْنِ قَيْسٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَكْثَرُ النَّاسِ فَرَحًا فِي الْآخِرَةِ أَطْوَلُهُمْ حُزْنًا فِي الدُّنْيَا، وَأَكْثَرُ النَّاسِ ضَحِكًا فِي الْآخِرَةِ، أَكْثَرُهُمْ بُكَاءً فِي الدُّنْيَا، وَأَخْلَصُ النَّاسِ إِيمَانًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَكْثَرُهُمْ تَفَكُّرًا فِي الدُّنْيَا.
919- قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَاكِمُ أَبُو الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ النَّسَفِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنِ النُّعْمَانِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: رُوِيَ هَذَا الْخَبَرُ أَيْضًا مَرْفُوعًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ مِنَ النَّاسِ نَاسًا مَفَاتِيحُ لِلْخَيْرِ، مَغَالِيقُ لِلشَّرِّ، وَلَهُمْ بِذَلِكَ أَجْرٌ، وَمِنَ النَّاسِ نَاسًا مَفَاتِيحُ لِلشَّرِّ، مَغَالِيقُ لِلْخَيْرِ، وَعَلَيْهِمْ بِذَلِكَ إِصْرٌ، -يَعْنِي إِثْمٌ كَبِيرٌ- طُوبَى لِمَنْ جُعِلَ مِفْتَاحًا لِلْخَيْرِ، مِغْلَاقًا لِلشَّرِّ، وَتَفَكُّرُ سَاعَةٍ لِي خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ».
920- وَرَوَى الْأَعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، أَنّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فَقَالَ لَهُمْ: «تَفَكَّرُوا فِي الْخَلْقِ، وَلَا تَفَكَّرُوا فِي الْخَالِقِ».
921- وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ؛ فَيَقُولُ: اللَّهُ تَعَالَى. فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ فَيَقُولُ: اللَّهُ تَعَالَى. فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَإِذَا أَحَسَّ أَحَدُكُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ».
922- وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «تَفَكُّرُ سَاعَةٍ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ» .
قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: إِذَا أَرَادَ الْإِنْسَانُ أَنْ يَنَالَ فَضْلَ التَّفَكُّرِ، فَلْيَتَفَكَّرَ فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ:
أَوَّلُهَا: فِي الْآيَاتِ وَالْعَلَامَاتِ.
وَالثَّانِي: فِي الْآلَاءِ وَالنَّعْمَاءِ،
وَالثَّالِثُ: فِي ثَوَابِهِ.
وَالرَّابِعُ: فِي عَقْلِهِ.
وَالْخَامِسُ: فِي إِحْسَانِهِ إِلَيْهِ وَجَفَائِهِ لَهُ.
فَأَمَّا التَّفَكُّرُ فِي الْآيَاتِ وَالْعَلَامَاتِ فَأَنْ يَنْظُرَ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فِيمَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَشْرِقِهَا، وَغُرُوبِهَا فِي مَغْرِبِهَا، وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَفِي خَلْقِ نَفْسِهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ {20} وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 20-21] فَإِذَا تَفَكَّرَ الْعَبْدُ فِي الْآيَاتِ وَالْعَلَامَاتِ يَزِيدُ بِهِ يَقِينًا وَمَعْرِفَةً وَأَمَّا التَّفَكُّرُ فِي الْآلَاءِ وَالنَّعْمَاءِ فَأَنْ يَنْظُرَ إِلَى نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَسُئِلَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ عَنِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْآلَاءِ وَالنَّعْمَاءِ فَقَالَ كُلُّ مَا ظَهَرَ فَهُوَ الْآلَاءُ وَمَا بَطَنَ فَهُوَ النَّعْمَاءُ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الْيَدَانِ آلَاؤُهُ، وَقُوَّةُ الْيَدَيْنِ نَعْمَاؤُهُ، وَالْوَجْهُ آلَاؤُهُ، وَحُسْنُ الْوَجْهِ وَالْجَمَالُ نَعْمَاؤُهُ، وَالْفَمُ آلَاؤُهُ، وَطَعْمُ الطَّعَامِ نَعْمَاؤُهُ، وَالرِّجْلَانِ آلَاؤُهُ، وَالْمَشْيُ نَعْمَاؤُهُ فَإِذَا كَانَ لِلْعَبْدِ رِجْلَانِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ قُوَّةُ الْمَشْيِ، فَقَدْ أُعْطِيَ الْآلَاءَ، وَلَمْ يُعْطَ النَّعْمَاءَ، وَالْعُرُوقُ وَالْعِظَامُ آلَاؤُهُ، وَصِحَّتُهَا وَسُكُونُهَا نَعْمَاؤُهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْآلَاءُ إِيصَالُ النِّعْمَةِ، وَالنَّعْمَاءُ دَفْعَ الْبَلِيَّةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَلَى ضِدِّ هَذَا.
وَيُقَالُ: الْآلَاءُ وَالنَّعْمَاءُ وَاحِدٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} [النحل: 18]، فَإِذَا تَفَكَّرَ الْإِنْسَانُ فِي الْآلَاءِ وَالنَّعْمَاءِ يَزِيدُ الْمَحَبَّةَ.
وَأَمَّا التَّفَكُّرُ فِي ثَوَابِهِ: فَهُوَ أَنْ يَتَفَكَّرَ فِي ثَوَابِ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ، فِي الْجَنَّةِ مِنَ الْكَرَامَاتِ، فَإِنَّ التَّفَكُّرَ فِي ثَوَابِهِ يَزِيدُهُ رَغْبَةً فِيهَا، وَاجْتِهَادًا فِي طَلَبِهَا، وَقُوَّةً فِي طَاعَةِ رَبِّهِ.
وَأَمَّا التَّفَكُّرُ فِي عِقَابِهِ: فَهُوَ أَنْ يَتَفَكَّرَ فِيمَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَعْدَائِهِ فِي النَّارِ مِنَ الْهَوَانِ، وَالْعُقُوبَةِ، وَالنَّكَالِ، فَإِنَّ التَّفَكُّرَ فِي ذَلِكَ يَزِيدُهُ رَهْبَةً، وَيَكُونُ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنَ الْمَعَاصِي.
وَأَمَّا التَّفَكُّرُ فِي إِحْسَانِهِ إِلَيْهِ: فَهُوَ أَنْ يَتَفَكَّرَ فِي إِحْسَانِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مَا سَتَرَ عَلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِهِ، وَلَمْ يُعَاقِبْهُ بِهَا، وَدَعَاهُ إِلَى التَّوْبَةِ، وَيَنْظُرُ فِي جَفَاءِ نَفْسِهِ كَيْفَ تَرَكَ أَوَامِرَهُ، وَارْتَكَبَ مَعَاصِيهِ، فَإِنَّ التَّفَكُّرَ فِي ذَلِكَ يَزِيدُ الْحَيَاءَ وَالْخَجَلَ.
فَإِذَا تَفَكَّرَ فِي هَذِهِ الْخَمْسَةِ أَشْيَاءَ، فَهُوَ مِنَ الَّذِينَ:
923- قَالَ فِيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ: «تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ»، وَلَا يُتَفَكَّرُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَإِنَّ التَّفَكُّرَ، فِيمَا سِوَى ذَلِكَ وَسْوَسَةٌ.
قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: لَا تَتَفَكَّرْ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: لَا تَتَفَكَّرْ فِي الْفَقْرِ فَيَكْثُرَ هَمُّكَ وَغَمُّكَ، وَيَزِيدَ فِي حِرْصِكَ، وَلَا تَتَفَكَّرْ فِي ظُلْمِ مَنْ ظَلَمَكَ فَيَغْلُظَ قَلْبُكَ، وَيَكْثُرَ حِقْدُكَ، وَيَدُومَ غَيْظُكَ، وَلَا تَتَفَكَّرْ فِي طُولِ الْبَقَاءِ فِي الدُّنْيَا، فَتُحِبَّ الْجَمْعَ، وَتُضَيِّعَ الْعُمْرَ، وَتُسَوِّفَ فِي الْعَمَلِ.
وَيُقَالُ: أَصْلُ الْوَرَعِ: أَنْ يَتَعَاهَدَ الْمَرْءُ قَلْبَهُ لِكَيْ لَا يَتَفَكَّرَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ، فَكُلَّمَا ذَهَبَ قَلْبُهُ إِلَى مَا لَا يَعْنِيهِ، عَالَجَهُ حَتَّى يَرُدَّهُ إِلَى مَا يَعْنِيهِ، وَهُوَ أَشَدُّ الْجِهَادِ، وَأَفْضَلُهُ، وَأَشْغَلُهُ لِصَاحِبِهِ، فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، يُوشِكُ أَنْ لَا يَمْلِكَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: تَمَامُ الْعِبَادَةِ فِي صِدْقِ النِّيَّةِ، وَتَمَامُ صَلَاةِ الْعَمَلِ فِي التَّوَاضُعِ، وَتَمَامُ هَذَيْنِ بِالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَتَمَامُ هَذِهِ كُلُّهَا بِالْهَمِّ، وَالْحُزْنِ فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَتَمَامُ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، مُلَازَمَةُ ذِكْرِ الْمَوْتِ بِقَلْبِكَ، وَكَثْرَةُ التَّفَكُّرِ فِي ذُنُوبِكَ.
وَيُقَالُ: أَخْلَاقُ الْأَبْدَالِ عَشْرَةُ أَشْيَاءَ، سَلَامَةُ الصَّدْرِ، وَسَخَاوَةُ الْمَالِ، وَصِدْقُ اللِّسَانِ، وَتَوَاضُعُ النَّفْسِ، وَالصَّبْرُ فِي الشِّدَّةِ، وَالْبُكَاءُ فِي الْخَلْوَةِ، وَالنَّصِيحَةُ لِلْخَلْقِ، وَالرَّحْمَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَالتَّفَكُّرُ فِي الْفَنَاءِ، وَالْعِبْرَةُ فِي الْأَشْيَاءَ.
وَقَالَ مَكْحُولٌ الشَّامِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، مَنْ آوَى إِلَى فِرَاشِهِ، يَنْبَغِي أَنْ يَتَفَكَّرَ فِيمَا صَنَعَ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ عَمِلَ فِيهِ خَيْرًا، يَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ عَمِلَ ذَنْبًا اسْتَغْفَرَ اللَّهَ مِنْهُ، وَرَجَعَ عَنْ قَرِيبٍ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، كَانَ كَمَثَلِ التَّاجِرِ الَّذِي يُنْفِقُ، وَلَا يَحْسِبُ حَتَّى يُفْلِسَ وَلَا يَشْعُرُ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْحِكْمَةُ تُهَيِّجُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ:
أَوَّلُهَا: بَدَنٌ فَارِغٌ مِنْ أَشْغَالِ الدُّنْيَا.
وَالثَّانِي: بَطْنٌ خَالٍ مِنْ طَعَامِ الدُّنْيَا.
وَالثَّالِثُ: يَدٌ خَالِيَةٌ مِنْ عُرُوضِ الدُّنْيَا.
وَالرَّابِعُ: التَّفَكُّرُ فِي عَاقِبَةِ الدُّنْيَا، يَعْنِي يَتَفَكَّرُ فِي عَاقِبَةِ أَمْرِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي كَيْفَ تَكُونُ عَاقِبَتُهُ، وَلَا يَدْرِي أَنَّ أَعْمَالَهُ تُتَقَبَّلُ مِنْهُ أَمْ لَا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَتَقَبَّلُ مِنَ الْأَعْمَالِ إِلَّا الطَّيِّبَ.
924- قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَسَمِعْتُ جَمَاعَةً مِنَ الْعُلَمَاءِ، رَفَعُوا الْحَدِيثَ إِلَى خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، قَالَ: قُلْتُ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حَدِّثْنِي بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ حَفِظْتَهُ، وَذَكَرْتَهُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ رقّة مَا حَدَّثَكَ بِهِ.
فَبَكَى مُعَاذٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، حَتَّى قُلْتُ: إِنَّهُ لَا يَسْكُتُ، ثُمَّ سَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدَّثَنِي وَأَنَا رَدِيفُهُ إِذْ رَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يَقْضِي فِي خَلْقِهِ بِمَا أَحَبَّ»، ثُمَّ قَالَ: «يَا مُعَاذُ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، يا سيّد المرسلين، ثُمَّ قَالَ: «يَا مُعَاذُ» لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِمَامَ الْخَيْرِ وَنَبِيَّ الرَّحْمَةِ.
فَقَالَ: «أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا مَا حَدَّثَ بِهِ نَبِيٌّ أُمَّتَهُ، إِنْ حَفِظْتَهُ نَفَعَكَ، وَإِنْ سَمِعْتَهُ وَلَمْ تَحْفَظْهُ انْقَطَعَتْ حُجَّتُكَ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ سَبْعَةَ أَمْلَاكٍ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، لِكُلِّ سَمَاءٍ مَلَكٌ وَجَعَلَ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهَا بَوَّابًا مِنْهُمْ، فَكَتَبَ الْحَفَظَةُ عَمَلَ الْعَبْدِ مِنْ حِينِ يُصْبِحُ حَتَّى يُمْسِيَ، ثُمَّ يُرْفَعُ، وَلَهُ نُورٌ كَنُورِ الشَّمْسِ حَتَّى إِذَا بَلَغَ سَمَاءَ الدُّنْيَا فَيُزَكِّيهِ، وَيُكَثِّرُهُ فَيَقُولُ الْمَلَكُ: قِفْ وَاضْرِبْ بِهَذَا الْعَمَلِ وَجْهَ صَاحِبِهِ، وَقُلْ لَهُ: لَا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، أَنَا صَاحِبُ الْغِيبَةِ، وَهُوَ يَغْتَابُ الْمُسْلِمِينَ، لَا أَدَعُ عَمَلَهُ أَنْ يُجَاوِزَنِي إِلَى غَيْرِي».
وَقَالَ: «وَتَصْعَدُ الْحَفَظَةُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ وَلَهُ نُورٌ وَضَوْءٌ يُضِيءُ حَتَّى يَنْتَهِيَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَيَقُولُ الْمَلَكُ: قِفْ وَاضْرِبْ بِهَذَا الْعَمَلِ وَجْهَ صَاحِبِهِ، وَقُلْ لَهُ: لَا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ إِنَّهُ أَرَادَ بِهَذَا الْعَمَلِ عَرَضَ الدُّنْيَا، وَأَنَا صَاحِبُ عَمَلِ الدُّنْيَا، لَا أَدَعُ عَمَلَهُ أَنْ يُجَاوِزَنِي إِلَى غَيْرِي».
قَالَ: «وَتَصْعَدُ الْحَفَظَةُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ مُبْتَهِجًا بِهِ بِصَدَقَةٍ وَصَلَاةٍ كَثِيرَةٍ، فَتَعْجَبُ الْحَفَظَةُ، فَيَتَجَاوَزُونَ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَيَقُولُ الْمَلَكُ: قِفْ وَاضْرِبْ بِهَذَا الْعَمَلِ وَجْهَ صَاحِبِهِ، قُلْ لَهُ: لَا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ أَنَا صَاحِبُ الْكِبْرِ، إِنَّهُ مَنْ عَمِلَ وَتَكَبَّرَ عَلَى النَّاسِ فِي مَجْلِسِهِمْ، فَقَدْ أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ لَا أَدَعَ عَمَلَهُ يُجَاوِزُنِي إِلَى غَيْرِي».
قَالَ: «وَتَصْعَدُ الْحَفَظَةُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ، وَهُوَ يَزْهُو كَمَا تَزْهُو النُّجُومِ بِتَسْبِيحٍ وَصَوْمٍ فَيَمُرُّ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، فَيَقُولُ لَهُ الْمَلَكُ: قِفْ وَاضْرِبْ بِهَذَا الْعَمَلِ وَجْهَ صَاحِبِهِ، وَقُلْ لَهُ: لَا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ أَنَا مَلَكُ صَاحِبِ الْعُجْبِ بِنَفْسِهِ إِنَّهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا وَأَدْخَلَ فِيهِ الْعُجْبَ، فَقَدْ أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ لَا أَدَعَ عَمَلَهُ يُجَاوِزَنِي إِلَى غَيْرِي، فَيُضْرَبُ بِالْعَمَلِ وَجْهُهُ، فَيَلْعَنُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ».
قَالَ: «وَتَصْعَدُ الْحَفَظَةُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ كَالْعَرُوسِ الْمَزْفُوفَةِ إِلَى زَوْجِهَا، فَتَمُرُّ بِهِ إِلَى مَلَكِ السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ بِالْجِهَادِ وَالصَّلَاةِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، فَيَقُولُ الْمَلَكُ: قِفْ وَاضْرِبْ بِهَذَا الْعَمَلِ وَجْهَ صَاحِبِهِ، وَاحْمِلْهُ عَلَى عَاتِقِهِ، إِنَّهُ كَانَ يَحْسُدُ مَنْ يَتَعَلَّمُ وَيَعْمَلُ لِلَّهِ فَهُوَ يَحْسُدُهُمْ وَيَقَعُ فِيهِمْ فَيَحْمِلُهُ عَلَى عَاتِقِهِ وَتَلْعَنُهُ حَفَظَتُهُ مَا دَامَ هُوَ فِي الْحَيَاةِ».
قَالَ: «وَتَصْعَدُ الْحَفَظَةُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ بِوُضُوءٍ تَامٍّ، وَقِيَامِ لَيْلٍ، وَصَلَاةٍ كَثِيرَةٍ، فَيَمُرُّ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَيَقُولُ الْمَلَكُ: قِفْ وَاضْرِبْ بِهَذَا الْعَمَلِ وَجْهَ صَاحِبِهِ، أَنَا مَلَكُ صَاحِبِ الرَّحْمَةِ إِنَّ صَاحِبَكَ لَمْ يَرْحَمْ شَيْئًا، فَإِذَا أَصَابَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ ذَنْبًا أَوْ ضُرًّا شَمِتَ بِهِ، وَقَدْ أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ لَا يُجَاوِزَنِي عَمَلُهُ إِلَى غَيْرِي».
قَالَ: «وَتَصْعَدُ الْحَفَظَةُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ بِصِدْقٍ وَاجْتِهَادٍ وَوَرَعٍ لَهُ ضَوْءٌ كَضَوْءِ الْبَرْقِ، فَتَمُرُّ بِهِ إِلَى مَلَكِ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَيَقُولُ الْمَلَكُ: قِفْ وَاضْرِبْ بِهَذَا الْعَمَلِ وَجْهَ صَاحِبِهِ، وَاقْفُلْ عَلَيْهِ قَلْبَهُ أَنَا مَلَكُ الْحِجَابِ أَحْجُبُ كُلَّ عَمَلٍ لَيْسَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّهُ أَرَادَ بِهِ الرِّفْعَةَ وَذِكْرًا فِي الْمَجَالِسِ وَصِيتًا فِي الْمَدَائِنِ، وَقَدْ أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ لَا أَدَعَ عَمَلَهُ يُجَاوِزَنِي إِلَى غَيْرِي».
قَالَ: «وَتَصْعَدُ الْحَفَظَةُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ مُبْتَهِجًا بِهِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَصَمْتٍ، وَذِكْرٍ كَثِيرٍ، وَتُشَيِّعُهُ مَلَائِكَةُ السَّمَوَاتِ حَتَّى يَنْتَهُوا إِلَى تَحْتِ الْعَرْشِ فَيَشْهَدُونَ لَهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنْتُمُ الْحَفَظَةُ عَلَى عَمَلِ عَبْدِي، وَأَنَا الرَّقِيبُ عَلَى مَا فِي نَفْسِهِ، إِنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهَذَا الْعَمَلِ وَجْهِي، وَأَرَادَ غَيْرِي فَعَلَيْهِ لَعْنَتِي، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ: عَلَيْهِ لَعْنَتُك وَلَعْنَتُنَا، وَتَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ: عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَلَعْنَةُ سَبْعِ سَمَوَاتٍ وَأَرْضِينَ، وَلَعْنَتُنَا».
ثُمَّ بَكَى مُعَاذٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَقَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَعْمَلُ؟ قَالَ: «اقْتَدِ بِنَبِيِّكِ يَا مُعَاذُ وَعَلَيْكَ الْيَقِينُ، وَإِنْ كَانَ فِي عَمَلِكَ تَقْصِيرٌ، وَاقْطَعْ لِسَانَكَ عَنْ إِخْوَانِكَ، وَلْتَكُنْ ذُنُوبُكَ عَلَيْكَ، وَلَا تَحْمِلْهَا عَلَى إِخْوَانِكَ، وَلَا تُزَكِّ نَفْسَكَ بِتَذْمِيمِ إِخْوَانِكَ، وَلَا تَرْفَعْ نَفْسَكَ بِوَضْعِ إِخْوَانِكَ، وَلَا تُرَاءِ بِعَمَلِكَ النَّاسَ».
وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
Post a Comment