بَابٌ آخَرُ مِنَ التَّوْبَةِ
بَابٌ آخَرُ مِنَ التَّوْبَةِ
122- حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَهُوَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْفَرَّاءُ وَالْفَقِيهُ بِسَمَرْقَنْدَ ، حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْجُرْجَانِيُّ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ:
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ بَابَ التَّوْبَةِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بَابُ التَّوْبَةِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «بَابُ التَّوْبَةِ خَلْفَ الْمَغْرِبِ، لَهُ مِصْرَاعَانِ مِنْ ذَهَبِ، مُكَلَّلَانِ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعِ وَالْمِصْرَاعِ الْآخَرَ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ عَامًا لِلرَّاكِبِ الْمُسْرِعِ، وَذَلِكَ الْبَابُ مَفْتُوحٌ مُنْذُ يَوْمِ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى خَلْقَهُ إِلَى صَبِيحَةِ لَيْلَةِ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَلَمْ يَتُبْ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا إِلَّا دَخَلَتْ تِلْكَ التَّوْبَةُ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ».
قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا التَّوْبَةُ النَّصُوحُ؟
قَالَ: «أَنْ يَنْدَمَ الْمُذْنِبُ عَلَى الذَّنْبِ الَّذِي أَصَابَ، فَيَعْتَذِرُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ لَا يَعُودُ فِيهَا، ثُمَّ تَغْرُبُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ فِي ذَلِكَ الْبَابِ، ثُمَّ يُرَدُّ الْمِصْرَاعَانِ فَيَلْتَئِمُ مَا بَيْنَهُمَا، وَيَصِيرُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا صَدْعٌ قَطُّ، فَعِنْدَ ذَلِكَ لَا تُقْبَلُ مِنَ الْعَبْدِ تَوْبَةٌ وَلَا تَنْفَعُهُ حَسَنَةٌ يَعْمَلُهَا فِي الْإِسْلَامِ، إِلَّا مَنْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنًا، فَإِنَّهُ يَجِرى لَهُ عَمَلُهُ، وَعَلَيْهِ مَا كَانَ يَجْرِي قَبْلَ ذَلِكَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا}». [الأنعام: 158] .
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ: التَّوْبَةُ النَّصُوحُ أَنْ يَتُوبَ، ثُمَّ لَا يَعُودُ.
وَعَنْه أَنَّهُ قَالَ: بَابُ التَّوْبة مَفْتُوِح، وَهِيَ مَقْبُوَلَةٌ مِنَ كُلِّ أَحَدٍ إِلَّا مِنَ ثَلَاثَةٍ: إِبْلِيسُ رَأْسُ الْكَفَرَةِ، وَقَابِيلُ بْنُ آدَمَ رَأْسُ الْخَاطِئِينَ، وَمَنْ قَتَلَ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ.
وَقَالَ: بَابٍ التَّوْبَةِ لِلتَّائِبِينَ مَفْتُوحٌ مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ مَسِيرَةَ أَرْبَعِينَ سنة لَا يُغْلَقُ عَلَيْهِمْ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا.
123- قال الفقيه رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الْفَرَّاءُ، حَدَّثَنَا أَبُوَ بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَبِيبٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي لُهَيْعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «التَّوْبَةُ مُعَلَّقَةٌ فِي الْهَوَاءِ، تُنَادِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا تَفْتُرُ، مَنْ يَقْبَلْنِي لَا يُعَذَّبُ، فَهِيَ الدَّهْرُ كُلُّهُ عَلَى هَذَا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا رُفِعَتْ» .
فَفِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ حَثٌّ عَلَى التَّوْبَةِ، وَفِيهَا بَيَانٌ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَابَ قُبِلَتِ التَّوْبَةُ مِنْهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى دَعَا الْمَؤْمِنِينَ إِلَى التَّوْبَةِ فَقَالَ: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31] يَعْنِي لِكَيْ تَنْجُوا مِنْ عَذَابِهِ وَتَنَالُوا مِنْ رَحْمَتِهِ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ التَّوْبَةَ مِفْتَاحُ كُلِّ خَيْرٍ، وَأَنَّ فَلَاحَ الْمُؤْمِنِ فِي تَوْبَتِهِ.
وَأَمَرَ الْمُؤْمِنَ بِالتَّوْبَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} [التحريم: 8] ، ثُمَّ بَيَّنَ مَا لَهُمْ مِنَ الْكَرَامَةِ فِي التَّوْبَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [التحريم: 8] ، يَعْنِي يَتَجَاوَزُ عَنْكُمْ ذُنُوبَكُمْ، {وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} [التحريم: 8] ، يَعْنِي يُعْطِيكُمْ فِي الْآخِرَةِ بَسَاتِينَ، تَجْرِي مِنْ تَحْتِ غُرَفِهَا وَمَسَاكِنِهَا وَشِجَارِهَا الْأَنْهَارُ.
وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ غَفَّارٌ لِذُنُوبِ التَّوَّابِينَ، فَقَالَ عَزَّ ذِكْرُهُ: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً} [آل عمران: 135] ، يَعْنِي الْكَبَائِرَ، {أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} [آل عمران: 135] ، يَعْنِي دُونَ الْكَبَائِرِ، وَيُقَالُ: {أَوْ} هُنَا بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَمَعْنَاهُ: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ}، يَعْنِي: خَافُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَعْصِيَةِ ، {فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا} يَعْنِي: لَمْ يَثْبُتُوا عَلَى مَعْصِيَتِهِمْ {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أَنَّهَا مَعْصِيَةٌ .
124- وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» .
125- وَفِي خَبَرٍ آخَرَ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مِائَةَ مَرَّةٍ» .
فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَغْفِرُ وَيَتُوبُ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَا تَأَخَّرَ، فَالَّذِي لَمْ يَظْهَرْ حَالُهُ أَنَّهُ أَغُفِرَ لَهُ أَمْ لَا، كَيْفَ لَا يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ وَقْتٍ وَكَيْفَ لَا يَجْعَلُ لِسَانَهُ أَبَدًا مَشْغُولًا بِالِاسْتِغْفَارِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {بَلْ يُرِيدُ الإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} [القيامة: 5] ، يَعْنِي يُقَدِّمُ ذُنُوبَهُ وَيُؤَخِّرُ تَوْبَتَهُ وَيَقُولُ سَأَتُوبُ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ عَلَى شَرِّ مَا كَانَ عَلَيْهِ فَيَمُوتُ عَلَيْهِ.
126- وَرُوِيَ عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «هَلَكَ الْمُسَوِّفُونَ» . وَالْمُسَوِّفُ مَنْ يَقُولُ سَوْفَ أَتُوبُ.
فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ أَنْ يَتُوبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ وَقْتٍ، حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ تَائِبٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَابِلٌ التَّوْبَةَ حَيْثُ قَالَ: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ} [الشورى: 25] : يَعْنِي يَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ إِذَا تَابُوا وَرَجَعُوا.
فَالتَّوْبَةُ: أَنْ يَنْدَمَ عَلَى ذَنْبِهِ بِالْقَلْبِ، وَيَسْتَغْفِرَ بِاللِّسَانِ، وَيُضْمِرَ أَنْ لَا يَرْجِعَ إِلَيْهِ أَبَدًا.
127- قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: مَنْ قَالَ: «أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، ثَلَاثًا، غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ، وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ».
128- وَرَوَى أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قُلَابَةَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا لَعَنَ إِبْلِيسَ سَأَلَهُ النَّظْرَةَ، فَأَنْظَرَهُ فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ، لَا أَخْرُجُ مِنْ صَدْرِ عَبْدِكَ حَتَّى تَخْرُجَ نَفْسُهُ، فَقَالَ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، لَا أَحْجُبُ التَّوْبَةَ عَنْ عَبْدِي حَتَّى تَخْرُجَ نَفْسُهُ.
فَانْظُرْ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ وَرَأْفَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ، أَنْ سَمَّاهُمْ مُؤْمِنِينَ بَعْدَمَا أَذْنَبُوا، فَقَالَ تَعَالَى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31] ، وَأَحَبَّهُمْ بَعْدَ التَّوْبَةِ فَقَالَ: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222] .
129- وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» .
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ ذَنْبًا، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: تُبْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ لَا تَعُدْ.
قَالَ: فَإِنِّي قَدْ فَعَلْتُ ثُمَّ عُدْتُ.
قَالَ: تُبْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ لَا تَعُدْ.
قَالَ: إِلَى مَتَى؟ قَالَ: حَتَّى يَكُونَ الشَّيْطَانُ هُوَ الْمَحْسُورَ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} [النساء: 17] ، قَالَ: الْجَهَالَةُ الْعَمْدُ، {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} [النساء: 17] ، قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ دُونَ الْمَوْتِ فَهُوَ قَرِيبٌ.
130- وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا أَذْنَبَ الرَّجُلُ ذَنْبًا، فَقَالَ رَبِّ إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا، أَوْ قَالَ عَمِلْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْ لِي، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَبْدِي عَمِلَ ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِهِ، فَقَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي» .
وَهَذَا كُلُّهُ لِكَرَامَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَكَانَ فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ إِذَا أَذْنَبُوا ذَنْبًا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ حَلَالٌ، وَإِذَا أَذْنَبَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ذَنْبًا، وَجَدَ عَلَى بَابِهِ أَوْ عَلَى جَسَدِهِ أَنَّ فُلَانَ ابْنَ فُلَانٍ قَدْ أَذْنَبَ كَذَا، وَتَوْبَتُهُ كَذَا، فَسُهِّلَ الْأَمْرُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ فَقَالَ: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 110] ، فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَتُوبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَنْ لَمْ يَتُبْ إِذَا أَمْسَى، وَإِذَا أَصْبَحَ، فَهُوَ مِنَ الظَّالِمِينَ.
وَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَتُوبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَيَجْتَهِدَ فِي حِفْظِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ تَطْهِيرًا لِذُنُوبِ الْعِبَادِ، فِيمَا دُونَ الْكَبَائِرِ.
131- وَرَوَى عَلْقَمَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَقِيتُ امْرَأَةً فِي الْبُسْتَانِ، فَضَمَمْتُهَا إِلَيَّ وَقَبَّلْتُهَا وَبَاشَرْتُهَا وَفَعَلْتُ بِهَا كُلَّ شَيْءٍ، غَيْرَ أَنَّنِي لَمْ أُجَامِعْهَا، فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ سَاعَةً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ:
{وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ} [هود: 114] ، يَعْنِي صَلِّ للَّهِ تَعَالَى فِي طَرَفَيِ النَّهَارِ، وَهِيَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، {وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ}، يَعْنِي صَلَاةَ الْمَغْرِبِ وَصَلَاةَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] ، يَعْنِي الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ الَّتِي بَيْنَهَا، يَعْنِي مَا دُونَ الْكَبَائِرِ: {ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود: 114] ، يَعْنِي لِلتَّائِبِينَ.
فَدَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَرَأَ عَلَيْهِ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَهُ خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «بَلْ لِلنَّاسِ عَامَّةً» .
132- وَرَوَى يُونُسُ عَنْ عُبَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكَانِ، وَصَاحِبُ الْيَمِينِ أَمِينٌ عَلَى الشِّمَالِ، فَإِذَا عَمِلَ الْعَبْدُ السَّيِّئَةَ، قَالَ صَاحِبُ الشِّمَالِ: أَأَكْتُبُهَا؟ قَالَ: دَعْهُ حَتَّى يَعْمَلَ خَمْسَ سَيِّئَاتٍ، فَإِذَا عَمِلَ خَمْسًا قَالَ: أَأَكْتُبُهَا؟ قَالَ: دَعْهُ حَتَّى يَعْمَلَ حَسَنَةً، فَإِذَا عَمِلَ حَسَنَةً قَالَ صَاحِبُ الْيَمِينِ: قَدْ أُخْبِرْنَا أَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، فَتَعَالَ حَتَّى نَمْحُوَ خَمْسًا بِخَمْسٍ، وَنُثَبِّتَ لَهُ خَمْسًا مِنَ الْحَسَنَاتِ، قَالَ فَيَصِيحُ الشَّيْطَانُ وَيَقُولُ: مَتَى أُدْرِكُ ابْنَ آدَمَ »؟.
133- حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الْفَرَّاءُ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ، قَالَ: خَرَجْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ بَعْدَمَا صَلَّيْتُ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا أَنَا بَامْرَأَةٍ مُنْتَقِبَةٍ قَائِمَةٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنِّي قَدِ ارْتَكَبْتُ ذَنْبًا عَظِيمًا، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقُلْتُ: وَمَا ذَنْبُكِ؟ قَالَتْ: إِنِّي زَنَيْتُ وَقَتَلْتُ وَلَدِي مِنَ الزِّنَى، فَقُلْتُ لَهَا: هَلَكْتِ وَأَهْلَكْتِ، وَاللَّهِ مَا لَكِ مِنْ تَوْبَةٍ.
قَالَ: فَشَهِقَتْ شَهْقَةً وَخَرَّتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا وَمَضَيْتُ، وَقُلْتُ: فِي نَفْسِي أُفْتِي وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ امْرَأَةً اسْتَفْتَتْنِي الْبَارِحَةَ فِي كَذَا وَكَذَا، وَإِنِّي أَفْتَيْتُهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أَنْتَ وَاللَّهِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ»: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ} [الفرقان: 68] ، إِلَى قَوْلِهِ: {فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 70] .
قَالَ: فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَا أَعْدُو فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ وَأَقُولُ مَنْ يَدُلُّنِي عَلَى امْرَأَةٍ اسْتَفْتَتْنِي الْبَارِحَةَ فِي كَذَا وَكَذَا؟ وَالصِّبْيَانُ يَقُولُونَ جُنَّ أَبُو هُرَيْرَةَ، حَتَّى إِذَا كَانَ اللَّيْلُ لَقِيتُهَا فِي ذَلِكَ الْمَوْطِنِ، فَأَعْلَمْتُهَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ لَهَا التَّوْبَةَ ، فَشَهِقَتْ شَهْقَةً مِنَ السُّرُورِ وَقَالَتْ: إِنَّ لِي حَدِيقَةً وَهِيَ صَدَقَةٌ لِلْمَسَاكِينِ، كَفَّارَةً لِذَنْبِي.
وَذَكَرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [الفرقان: 70] ، قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَابَ مِنَ الذُّنُوبِ، صَارَتِ الذُّنُوبُ الْمَاضِيَةُ كُلُّهَا حَسَنَاتٍ.
وَرُوِيَ هَكَذَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: يَنْظُرُ الْإِنْسَانُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي كِتَابِهِ، فَيَرَى فِي أَوَّلِهِ مَعَاصِيَ وَفِي آخِرِهِ حَسَنَاتٍ، فَإِذَا رَجَعَ إِلَى أَوَّلِ الْكِتَابِ رَأَى كُلَّهُ حَسَنَاتٍ.
وَرَوَى أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: {فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [الفرقان: 70] وَيُقَالُ: مَعْنَاهُ أَنْ يُحَوَّلَ مِنَ الْعَمَلِ السَّيِّئِ إِلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ.
فَيُوَفَقُّهُ اللَّهُ تَعَالَى لِكَيْ يَعْمَلَ الْحَسَنَاتِ، مَكَانَ مَا يَعْمَلُ مِنَ السَّيِّئَاتِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 70] .
وَاعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّهُ لَيْسَ ذَنْبٌ أَعْظَمَ مِنَ الْكُفْرِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] ، فَمَا ظَنُّكَ بِمَا دُونَهُ؟ !.
134- وَرَوَى الْحَسَنُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ أَخْطَأَ أَحَدُكُمْ مِلْءَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ تَابَ، تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ» .
135- وَرُوِيَ عَنْ زَيْدٍ الرُّقَاشِيُّ، قَالَ: خَطَبَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ فِي خَطْبَتِهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «آدَمُ أَكْرَمُ الْبَشَرِ عَلَى اللَّهِ، يَعْتَذِرُ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِثَلَاثِ مَعَاذِيرَ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا آدَمُ لَوْلَا أَنِّي لَعَنْتُ الْكَذَّابِينَ، وَأُبْغِضُ الْكَذِبَ وَأَوْعَدْتُ عَلَيْهِ، وَقَد حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَرَحِمْتُ ذُرِّيَّتَكَ الْيَوْمَ أَجْمَعِينَ .
وَيَقُولُ لَهُ: يَا آدَمُ إِنِّي لَا أُدْخِلُ أَحَدًا مِنْ ذُرِّيَّتِكَ النَّارَ ، وَلَا أُعَذِّبُهُ بِالنَّارِ، إِلَّا مَنْ عَلِمْتُ بِعِلْمِي أَنَّهُ لَوْ رَدَدْتُهُ إِلَى الدُّنْيَا، لَعَادَ إِلَى شَرِّ مَا كَانَ فِيهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ وَلَمْ يَتُبْ.
وَيَقُولُ لَهُ: يَا آدَمُ قَدْ جَعَلْتُكَ حَكَمًا بَيْنِي وَبَيْنَ ذُرِّيَّتِكَ، قُمْ عِنْدَ الْمِيزَانِ فَانْظُرْ إِلَى مَا يُرْفَعُ إِلَيْكَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، فَمَنْ رَجَعَ لَهُ خَيْرٌ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فَلَهُ الْجَنَّةُ حَتَّى تَعْلَمَ أَنِّي لَا أُدْخِلُ النَّارَ إِلَّا كُلَّ ظَالِمٍ ».
136- رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: « الدَّوَاوِينُ ثَلَاثَةٌ: دِيوَانٌ لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ، وَدِيوَانٌ يَغْفِرُهُ اللَّهُ، وَدِيوَانٌ لَا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا، فَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ: فَالشِّرْكُ بِاللَّهِ تَعَالَى ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ} [المائدة: 72] ، وَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي يَغْفِرُهُ اللَّهُ تَعَالَى: فَظُلْمُ الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، وَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا: فَظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا».
137- وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَمَّاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ نَطَحَتْهَا» .
فَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي رِضَا الْخُصُومِ، وَإِذَا كَانَ الذَّنْبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ اللَّهَ رَحِيمٌ يَتَجَاوَزُ عَنْهُ إِذَا اسْتَغْفَرَ، وَإِذَا كَانَ الذَّنْبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِبَادِ فَإِنَّهُ مُطَالَبٌ بِهِ لَا مَحَالَةَ، وَلَا يَنْفَعُهُ الِاسْتِغْفَارُ وَلَا التَّوْبَةُ مَا لَمْ يَرْضَ الْخَصْمُ وَإِنْ لَمْ يُرْضِهِ فِي الدُّنْيَا، أُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ.
138- قال الفقيه رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الْفَرَّاءُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي؟» قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا دِينَارَ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ: «الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاتِهِ وَصِيَامِهِ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُقْتَصُّ لِهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَلِهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِذَا فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» .
فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَنَا لِلتَّوْبَةِ وَأَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَيْهَا، فَإِنَّ الثَّبَاتَ عَلَى التَّوْبَةِ أَشَدُّ مِنَ التَّوْبَةِ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِيَّاكَ أَنْ تَعْمَلَ شَيْئًا مِنَ الْخَيْرِ ثُمَّ تَدَعَهُ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ تَابَ ثُمَّ رَجَعَ فَأَفْلَحَ.
فَيَنْبَغِي لِلتَّائِبِ أَنْ يَجْعَلَ أَجَلَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ لِكَيْ يَثْبُتَ عَلَى التَّوْبَةِ، وَيَتَفَكَّرَ فِيمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ، وَيُكْثِرَ الِاسْتِغْفَارَ، وَيَشْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى مَا رَزَقَهُ مِنَ التَّوْبَةِ وَوَفَّقَهُ لِذَلِكَ، وَيَتَفَكَّرَ فِي ثَوَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ مَنْ تَفَكَّرَ فِي ثَوَابِ الْآخِرَةِ رَغِبَ فِي الْحَسَنَاتِ، وَمَنْ تَفَكَّرَ فِي الْعِقَابِ انْزَجَرَ عَنِ السَّيِّئَاتِ .
139- وَرَوَى زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنَا مَا كَانَ فِي صُحُفِ مُوسَى؟ قَالَ: «كَانَ فِيهَا سِتُّ كَلِمَاتٍ: عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالنَّارِ كَيْفَ يَضْحَكُ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْحِسَابِ كَيْفَ يَعْمَلُ بِالسَّيِّئَاتِ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْقَدَرِ كَيْفَ يَنْصَبُ، وَفِي خَبَرٍ آخَرَ كَيْفَ يَحْزَنُ وَعَجِبْتُ لِمَنْ يَرَى الدُّنْيَا وَتَقَلُّبَهَا بِأَهْلِهَا كَيْفَ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْجَنَّةِ وَهُوَ لَا يَعْمَلُ الْحَسَنَاتِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ».
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُوٍد رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ مَرَّ ذَاتَ يَوْمٍ فِي مَوْضِعٍ مِنْ نَوَاحِي الْكُوفَةِ، فَإِذَا الْفُسَّاقُ قَدِ اجْتَمَعُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَفِيهِمْ مُغَنٍّ يُقَالُ لَهُ زَاذَانُ، وَكَانَ يَضْرِبُ وَيُغَنِّي وَكَانَ لَهُ صَوْتٌ حَسَنٌ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا الصَّوْتَ لَوْ كَانَ لِقِرَاءَةِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَجَعَلَ الرِّدَاءَ فِي رَأْسِهِ وَمَضَى.
فَسَمِعَ زَاذَانُ قَوْلَهُ، فَقَالَ: مَنْ كَانَ؟ قَالُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ، فَأَيَّ شَيْءٍ قَالَ؟ قَالُوا إِنَّهُ قَالَ مَا أَحْسَنَ هَذَا الصَّوْتَ لَوْ كَانَ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ.
فَدَخَلَتِ الْهَيْبَةُ فِي قَلْبِهِ فَقَامَ وَضَرَبَ الْعُودَ عَلَى الْأَرْضِ فَكَسَرَهُ، ثُمَّ أَسْرَعَ حَتَّى أَدْرَكَهُ وَجَعَلَ الْمِنْدِيلَ فِي عُنُقِ نَفْسِهِ، وَجَعَلَ يَبْكِي بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، فَاعْتَنَقَهُ عَبْدُ اللَّهِ وَجَعَلَ يَبْكِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَيْفَ لَا أُحِبُّ مَنْ قَدْ أَحَبَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فَتَابَ مِنْ ذُنُوبِهِ.
وَجَعَلَ يُلَازِمُ عَبْدَ اللَّهِ حَتَّى تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَأَخَذَ حَظًّا مِنَ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ، حَتَّى صَارَ إِمَامًا فِي الْعِلْمِ، وَقَدْ جَاءَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَخْبَارِ عَنْ زَاذَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا.
قال الفقيه رحمه الله تعالى: سَمِعْتُ أَبِي يَحْكِي أَنَّ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتِ امْرَأَةٌ بَغِيًّا، وَكَانَتْ مُفْتِنَةً لِلنَّاسِ بِجَمَالِهَا، وَكَانَ بَابُ دَارِهَا أَبَدًا مَفْتُوحًا، فَكُلُّ مَنْ مَرَّ بِبَابِهَا رَآهَا قَاعِدَةً فِي دَارِهَا عَلَى السَّرِيرِ بِحِذَاءِ الْبَابِ، فَكُلُّ مَنْ نَظَرَ إِلَيْهَا افْتُتِنَ بِهَا، فَإِذَا أَرَادَ الدُّخُولَ إِلَيْهَا احْتَاجَ إِلَى إِحْضَارِ عَشْرَةِ دَنَانِيرَ، أَوْ أَقَلِّ أَوْ أَكْثَرِ، حَتَّى تَأْذَنَ لَهُ بِالدُّخُولِ عَلَيْهَا.
فَمَرَّ بِهَا ذَاتَ يَوْمٍ عَابِدٌ مِنَ الْعُبَّادِ فَوَقَعَ بَصَرُهُ فِي الدَّارِ وَهِيَ قَاعِدَةٌ عَلَى السَّرِيرِ، فَافْتُتِنَ بِهَا فَجَعَلَ يُجَاهِدُ نَفْسَهُ وَيَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى لِيُزِيلَ ذَلِكَ مِنْ قَلْبِهِ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ عَنْهُ، وَكَانَ يُكَابِدُ نَفْسَهُ الْمُكَابَدَةَ الشَّدِيدَةَ حَتَّى بَاعَ قُمَاشًا كَانَ لَهُ وَجَمَعَ مِنَ الدَّنَانِيرَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَجَاءَ إِلَى بَابِهَا وَأَمَرَتْ أَنْ يُسَلِّمَ ذَلِكَ إِلَى وَكِيلٍ لَهَا، وَوَاعَدَتْهُ وَقْتًا لِمَجِيئِهِ، فَجَاءَ إِلَيْهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَقَدْ تَزَيَّنَتْ وَجَلَسَتْ فِي بَيْتِهَا عَلَى سَرِيرِهَا فَدَخَلَ عَلَيْهَا الْعَابِدُ وَجَلَسَ مَعَهَا عَلَى السَّرِيرِ، فَلَمَّا مَدَّ يَدَهُ إِلَيْهَا وَانْبَسَطَ إِلَيْهَا، تَدَارَكَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ وَبَرَكَاتِهِ وَعِبَادَتِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرَانِي فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَوْقَ عَرْشِهِ وَأَنَا فِي الْحَرَامِ، وَقَدْ أَحْبَطَ عَمَلِي كُلَّهُ فَوَسِعَتِ الْهَيْبَةُ فِي قَلْبِهِ ، وَارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُ وَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ.
فَنَظَرَتِ الْمَرْأَةُ إِلَيْهِ فَرَأَتْهُ مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ فَقَالَتْ: أَيُّ شَيْءٍ أَصَابَكَ قَالَ: إِنِّي أَخَافُ رَبِّي، فَائْذَنِي لِي بِالْخُرُوجِ، فَقَالَت لَهُ: وَيْحَكَ إِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَتَمَنَّوْنَ الَّذِي وَجَدْتَهُ، فَأَيُّ شَيْءٍ هَذَا الَّذِي أَنْتَ فِيهِ؟ فَقَالَ لَهَا: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ تَعَالَى، وَإِنَّ الْمَالَ الَّذِي دَفَعْتُهُ إِلَيْكِ هُوَ حَلَالٌ لَكِ فَائْذَنِي لِي بِالْخُرُوجِ .
فَقَالَتْ لَهُ: كَأَنَّكَ لَمْ تَعْمَلْ هَذَا الْعَمَلَ قَطُّ، قَالَ: لَا.
قَالَتِ الْمَرْأَةُ: مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟ وَمَا اسْمُكَ؟ فَأَخْبَرَهَا أَنَّهُ مِنْ قَرْيَةِ كَذَا، وَاسْمُهُ كَذَا، فَأَذِنَتْ لَهُ بِالْخُرُوجِ فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا وَهُوَ يَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ، وَيَبْكِي عَلَى نَفْسِهِ، وَيَحْثُو التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ.
فَوَقَعَتِ الَهَيْبَةُ فِي قَلْبِ الْمَرْأَةِ بِبَرَكَةِ ذَلِكَ الْعَابِدِ، فَقَالَتْ فِي نَفْسِهَا: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ أَوَّلُ ذَنْبٍ أَذْنَبَهُ، وَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْخَوْفِ مَا دَخَلَ، وَإِنِّي قَدْ أَذْنَبْتُ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا سَنَةٍ، وَإِنَّ رَبَّهُ الَّذِي يَخَافُ مِنْهُ هُوَ رَبِّي، فَخَوْفِي مِنْهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَشَدَّ، فَتَابَتْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَأَغْلَقَتْ بَابَهَا عَنِ النَّاسِ وَلَبِسَتْ ثِيَابًا خَلِقَةً، وَأَقْبَلَتْ عَلَى الْعِبَادَةِ ، وَكَانَتْ فِي عِبَادَتِهَا مَا شَاءَ اللَّهُ.
فَقَالَتْ فِي نَفْسِهَا إِنِّي لَوِ انْتَهَيْتُ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ فَلَعَلَّهُ يَتَزَوَّجُنِي فَأَكُونُ عِنْدَهُ فَأَتَعَلَّمُ مِنْ أَمْرِ دِينِي وَيَكُونُ عَوْنًا لِي عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَتَجَهَّزَتْ وَحَمَلَتْ مَعَهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْخَدَمِ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَانْتَهَتْ إِلَى تِلْكَ الْقَرْيَةِ وَسَأَلَتْ عَنْهُ، فَأُخْبِرَ الْعَابِدُ أَنَّهُ قَدِمَتِ امْرَأَةٌ تَسْأَلُ عَنْهُ، فَخَرَجَ الْعَابِدُ إِلَيْهَا فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ كَشَفَتْ وَجْهَهَا لِيَعْرِفَهَا، فَلَمَّا رَآهَا الْعَابِدُ عَرَفَ وَجْهَهَا وَتَذَكَّرَ الْأَمْرَ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، فَصَاحَ صَيْحَةً وَخَرَجَتْ رُوحُهُ وَبَقِيَتِ الْمَرْأَةُ حَزِينَةً، وَقَالَتْ: إِنِّي خَرَجْتُ لِأَجْلِهِ وَقَدْ مَاتَ، فَهَلْ مِنْ أَقْرِبَائِهِ أَحَدٌ يَحْتَاجُ إِلَى امْرَأَةٍ؟ فَقَالُوا: إِنَّ لَهُ أَخًا صَالِحًا لَيْسَ لَهُ مَالٌ، فَقَالَتْ لَا بَأْسَ، وَإِنَّ لِي مِنَ الْمَالِ مَا فِيهِ غُنْيَةٌ فَجَاءَ أَخُوُه فَتَزَوَّجَ بِهَا فَوَلَدَ مِنْهَا سَبْعَةً مِنَ الْبَنِينِ، كُلُّهُمْ صَارُوا أَنْبِيَاءَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ .
وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
Post a Comment