بَابُ: التَّوْبَةِ
بَابُ: التَّوْبَةِ
قال الفقيه أبو اللّيث رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلَ، حَدَّثَنَا نُصَيْرِ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا أَبُو مُطِيعٍ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ: عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، قَالَ:
قَالَ آدَمُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: يَا رَبُّ إِنَّكَ سَلَّطْتَ عَلَيَّ إِبْلِيسَ، وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَمْتَنِعَ مِنْهُ إِلَّا بِكَ.
قَالَ: لَا يُولَدُ لَكَ وَلَدٌ إِلَّا وَكَّلْتُ عَلَيْهِ مَنْ يَحْفَظُهُ مِنْ مَكْرِ إِبْلِيسَ، عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ، وَمِنْ قُرَنَاءِ السُّوءِ .
قَالَ: يَا رَبِّ زِدْنِي.
قَالَ: الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَأَزِيدُهَا، وَالسَّيِّئَةُ بِوَاحِدَةٍ وَأَمْحُوهَا.
قَالَ: يَا رَبُّ زِدْنِي.
قَالَ: التَّوْبَةُ مَقْبُولَةٌ مَا دَامَتِ الرُّوحُ فِي الْجَسَدِ .
قَالَ: يَا رَبُّ زِدْنِي .
قَالَ: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53]
105- قَالَ الفقيه: وَحَدَّثَنِي الثِّقَةُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا ، " أَنَّ وَحْشِيًّا قَاتِلَ حَمْزَةٍ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ كتب إلى رسول الله ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُسْلِمَ، وَلَكِنْ يَمْنَعُنِي عَنِ الْإِسْلَامِ آيَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ نَزَلَتْ عَلَيْكَ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} [الفرقان: 68] ، وَإِنِّي قَدْ فَعَلْتُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الثَّلَاثَةَ فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [الفرقان: 70] فَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى وَحْشِيٍّ فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَنَّ فِي الْآيَةِ شَرْطًا وَهُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَلَا أَدْرِي هَلْ أَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ أَمْ لَا، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] ، فَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى وَحْشِيٍّ فَلَمْ يَجِدْ فِيهَا شَرْطًا فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ وَأَسْلَمَ ".
106- قَالَ الفقيه: أَنْبَأَنَا الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأَنَا ابْنُ مُعَاذٍ، أَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ الْمَرْوَزِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ: كَتَبَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ ، إِلَيَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي ، قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْهُمْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: «مَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِنِصْفِ يَوْمٍ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ»، قَالَ: قُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، قَالَ: نَعَمْ.
فَقَالَ رَجُلٌ آخَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: «مَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَاعَةٍ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ».
وَقَالَ آخَرُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: «مَنْ تَابَ قَبْلَ الَغْرَغَرَةِ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ».
107- قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنُ أَحْنَفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمَ الْقَدَّاحُ، عَنْ بِشْرِ ابْنِ جَبَلَةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ:
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ، قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَيْحَ ابْنِ آدَمَ يُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرُ لَهُ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرُ لَهُ، وَيْحَهُ لَا هُوَ يَتْرُكُ ذَنْبَهُ وَلَا يَيْأَسُ مِنْ رَحْمَتِي أُشْهِدُكُمْ يَا مَلَائِكَتِي أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ».
قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ رَجُلٍ: عَنْ مُغِيثِ بْنِ سُمَيٍّ ، قَالَ: " كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يَعْمَلُ بِالْمَعَاصِي، فَبَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ تَفَكَّرَ فِيمَا سَلَفَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ غُفْرَانَكَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَأَدْرَكَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ ".
وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنْ مَكْحُولٍ ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا عُرِجَ بِهِ إِلَى مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ، أَبْصَرَ عَبْدًا يَزْنِي، فَدَعَا عَلَيْهِ فَأَهْلَكَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ رَأَى عَبْدًا يَسْرِقُ، فَدَعَا عَلَيْهِ فَأَهْلَكَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا إِبْرَاهِيمُ دَعْ عَنْكَ عِبَادِي، فَإِنَّ عَبْدِي بَيْنَ ثَلَاثِ خِصَالٍ بَيْنَ أَنْ يَتُوبَ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ، وَبَيْنَ أَنْ أَسْتَخْرِجَ لَهُ ذُرِّيَةً تَعْبُدُنِي، وَبَيْنَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ الشَّقَاءُ فَمِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ.
قال الفقيه رحمه الله: فِي هَذَا الْخَبَرِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَابَ قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَيْأَسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ إِنَّهُ {لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} ، يَعْنِي مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ} [الشورى: 25] .
فَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَتُوبَ إِلَى اللَّهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَلَا يَكُونُ مُصِرًّا عَلَى الذَّنْبِ، فَإِنَّ الرَّاجِعَ عَنْ ذَنْبِهِ لَا يَكُونُ مُصِرًّا، وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً .
108- كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» .
109- وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَتُوبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» .
110- وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ ، أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا نَفَعَنِي اللَّهُ بِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ، وَإِذَا حَدَّثَنِي غَيْرُهُ حَلَّفْتُهُ، فَإِنْ حَلَفَ صَدَّقْتُهُ.
وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ» ، ثُمَّ تلَا هَذِهِ الْآيَةَ: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 110] ، وَفِي رِوَايَةٍ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران: 135-136].
111- وَرَوَى الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «لَمَّا أَهْبَطَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ، قَالَ: بِعِزَّتِكَ وَعَظَمَتِكَ، إِنِّي لَا أُفَارِقُ ابْنَ آدَمَ حَتَّى تُفَارِقَ رُوحُهُ جَسَدَهُ، فَقَالَ الرَّبُّ تَعَالَى: وَعِزَّتِي وَعَظَمَتِي، لَا أَحْجُبُ التَّوْبَةَ عَنْ عَبْدِي حَتَّى يُغَرْغِرَ بِهَا».
112- وَرَوَى الْقَاسِمُ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «صَاحِبُ الْيَمِينِ أَمِينٌ عَلَى صَاحِبِ الشِّمَالِ، فَإِذَا عَمِلَ الْعَبْدُ حَسَنَةً كَتَبَ لَهُ صَاحِبُ الْيَمِينِ عَشْرَةً، وَإِذَا عَمِلَ سَيِّئَةً فَأَرَادَ أَنْ يَكْتُبَهَا صَاحِبُ الشِّمَالِ، قَالَ صَاحِبُ الْيَمِينِ: أَمْسِكْ فَيُمْسِكُ سِتَّ سَاعَاتٍ مِنَ النَّهَارِ أَوْ سَبْعَ سَاعَاتٍ، فَإِنِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْ عَلَيْهِ شَيْئًا وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْفِرْ يَكْتُبْ عَلَيْهِ سَيِّئَةً وَاحِدَةً» .
113- قال الفقيه: وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» .
114- وَرُوِيَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَذْنَبَ لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ حَتَّى يُذْنِبَ ذَنْبًا آخَرَ فلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ حَتَّى يُذْنِبَ ذَنْبًا آخَرَ، فَإِذَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ خَمْسَةٌ مِنَ الذُّنُوبِ، وَعَمِلَ حَسَنَةً وَاحِدَةً كُتِبَ لَهُ خَمْسُ حَسَنَاتٍ، وَجُعِلَ الْخَمْسُ بِإِزَاءِ خَمْسِ سَيِّئَاتٍ فَيَصِيحُ عِنْدَ ذَلِكَ إِبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ وَيَقُولُ: كَيْفَ أَسْتَطِيعُ عَلَى ابْنِ آدَمَ، وَإِنِّي وَإِنِ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ يُبْطِلُ بِحَسَنَةٍ وَاحِدَةٍ جَمِيعَ جَهْدِي ».
115- وَرَوَى صَفْوَانُ بْنُ عَسَّالٍ الْمُرَادِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ بَابٌ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلتَّوْبَةِ، عَرْضُهُ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ سَنَةً، أَوْ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَا يَزَالُ مَفْتُوحًا لَا يُغْلَقُ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» .
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الإسراء: 25] ، قَالَ هُوَ الرَّجُلُ يُذْنِبُ ذَنْبًا ثُمَّ يَتُوبُ، ثُمَّ يُذْنِبُ ذَنْبًا ثُمَّ يَتُوبُ.
وَقِيلَ لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: إنّ الرجل يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب، إِلَى مَتَى هَذَا؟ قَالَ لَا أَعْرِفُ هَذَا إِلَّا مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: حِرْفَةُ الْعَارِفِ سِتَّةُ أَشْيَاءَ: إِذَا ذَكَرَ اللَّهَ افْتَخَرَ، وَإِذَا ذَكَرَ نَفْسَهُ احْتَقَرَ، وَإِذَا نَظَرَ فِي آيَاتِ اللَّهِ اعْتَبَرَ، وَإِذَا هَمَّ بِمَعْصِيَةٍ أَوْ شَهْوَةٍ انْزَجَرَ، وَإِذَا ذَكَرَ عَفْوَ اللَّهِ اسْتَبْشَرَ، وَإِذَا ذَكَرَ ذُنُوبَهُ اسْتَغْفَرَ.
116- قال الفقيه رحمه الله تعالى: حَدَّثَنِي أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْفَرَّاءُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْجُرْجَانِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ مَعْمَرَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَبْكِي فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا يُبْكِيكَ يَا عُمَرُ» ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِالْبَابِ شَابٌّ قَدْ أَحْرَقَ فُؤَادِي، وَهُوَ يَبْكِي.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا يُبْكِيكَ يَا شَابُّ؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبْكَتْنِي ذُنُوبٌ كَثِيرَةٌ وَخِفْتُ مِنْ جَبَّارٍ غَضْبَانَ عَلَيَّ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَشْرَكْتَ بِاللَّهِ شَيْئًا يَا شَابُّ؟» قَالَ: لَا.
قَالَ: «أَقَتَلْتَ نَفْسًا بِغَيْرِ حَقٍّ؟» قَالَ: لَا.
قَالَ: «فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ ذَنْبَكَ وَلَوْ كَانَ مِثْلَ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعِ وَالْجِبَالِ الرَّوَاسِي» .
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَنْبِي أَعْظَمُ مِنَ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ، وَالْأَرَضِينَ السَّبْعِ، وَالْجِبَالِ الرَّوَاسِي.
فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ: «ذَنْبُكَ أَعْظَمُ أَمِ الْكُرْسِيُّ؟» قَالَ: ذَنْبِي أَعْظَمُ.
قَالَ: «ذَنْبُكَ أَعْظَمُ أَمِ الْعَرْشِ» ؟ قَالَ: ذَنْبِي أَعْظَمُ.
قَالَ: «ذَنْبُكَ أَعْظَمُ أَمْ إِلَهَكَ» يَعْنِي عَفْوَ اللَّهِ.
قَالَ: بَلِ اللَّهُ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ.
قَالَ: «فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذَّنْبَ الْعَظِيمَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ» -يَعْنِي الْعَظِيمَ التَّجَاوُزَ-.
قَالَ: «أَخْبِرْنِي عَنْ ذَنْبِكَ» .
قَالَ: فَإِنِّي أَسْتَحِي مِنْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: «أَخْبِرْنِي عَنْ ذَنْبِكَ» .
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ رَجُلا نَبَّاشًا، أَنْبِشُ الْقُبُورَ مُنْذُ سَبْعِ سِنِينَ، حَتَّى مَاتَتْ جَارِيَةٌ مِنْ بَنَاتِ الْأَنْصَارِ، فَنَبَشْتُ قَبْرَهَا فَأَخْرَجْتُهَا مِنْ كَفَنِهَا فَمَضَيْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ، إِذْ غَلَبَ الشَّيْطَانُ عَلَى نَفْسِي فَرَجَعْتُ فَجَامَعْتُهَا ، فَمَضَيْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ، إِذْ قَامَتِ الْجَارِيَةُ وَقَالَتْ: وَيْلَكَ يَا شَابُّ أَمَا تَسْتَحِي مِنْ دَيَّانِ يَوْمِ الدِّينِ، يَضَعُ كُرْسِيَّهُ لِلْقَضَاءِ وَيَأْخُذُ الْمَظْلُومَ مِنَ الظَّالِمِ ، تَرَكْتَنِي عُرْيَانَةً فِي عَسْكَرِ الْمَوْتَى ، وَأَوْقَفْتَنِي جُنُبًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
فَوَثَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَدْفَعُ فِي قَفَاهُ، وَهُوَ يَقُولُ: «يَا فَاسِقُ مَا أَحْوَجَكَ إِلَى النَّارِ اخْرُجْ عَنِّي» .
فَخَرَجَ الشَّابُّ تَائِبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَلَمَّا تَمَّ لَهُ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً، رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: يَا إِلَهُ مُحَمَّدٍ وَآدَمَ وَحَوَّاءَ ، إِنْ كُنْتَ غَفَرْتَ لِي فَأَعْلِمْ مُحَمَّدًا ﷺ وَأَصْحَابَهُ، وَإِلَّا فَأَرْسِلْ نَارًا مِنَ السَّمَاءِ فَأَحْرِقْنِي بِهَا ، وَنَجِّنِي مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ.
قَالَ: فَجَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ رَبُّكَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ فَقَالَ: «هُوَ السَّلَامُ وَمِنْهُ السَّلَامُ، وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ السَّلَامُ».
قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنْتَ خَلَقْتَ الْخَلْقَ؟ قَالَ: «بَلْ هُوَ الَّذِي خَلَقَنِي وَخَلَقَهُمْ».
قَالَ: يَقُولُ: أَنْتَ تَرْزُقُهُمْ؟ قَالَ: «بَلِ اللَّهُ يرزقهم وإياي».
قَالَ: يَقُولُ: أَنْتَ تتوب عليهم؟ قَالَ: «بَلِ اللَّهُ يَتُوبُ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ».
قَالَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: تُبْ عَلَى عَبْدِي فَإِنِّي تُبْتُ عَلَيْهِ "، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ الشَّابَّ وَبَشَّرَهُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَابَ عَلَيْهِ.
قال الفقيه رحمه الله: يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَعْتَبِرَ بِهَذَا الْخَبَرِ، وَيَعْلَمَ بِأَنَّ الزِّنَى مَعَ الْحَيِّ أَعْظَمُ ذَنْبًا مِنَ الزِّنَى مَعَ الْمَيِّتِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَتُوبَ تَوْبَةً حَقِيقِيَّةً، لِأَنَّ الشَّابَّ لَمَّا عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ تَوْبَتَهُ حَقِيقِيَّةً، تَجَاوَزَ عَنْهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ عَلَى قَدْرِ الذَّنْبِ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} [التحريم: 8] ، قَالَ: التَّوْبَةُ النَّصُوحُ: النَّدَمُ بِالْقَلْبِ، وَالِاسْتِغْفَارُ بِاللِّسَانِ، وَالْإِضْمَارُ أَنْ لَا يَعُودَ إِلَيْهِ أَبَدًا.
117- وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْمُسْتَغْفِرُ بِاللِّسَانِ الْمُصِرُّ عَلَى الذُّنُوبِ، كَالْمُسْتَهْزِئِ بِرَبِّهِ» .
وَذُكِرَ عَنْ رَابِعَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: إِنَّ اسْتِغْفَارَنَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِغْفَارٍ كَثِيرٍ، يَعْنِي إِذَا اسْتَغْفَرَ بِاللِّسَانِ وَنِيَّتُهُ أَنْ يَعُودَ إِلَى الذَّنْبِ، فَإِنَّ تَوْبَتَهُ تَوْبَةُ الْكَذَّابِينَ.
وَهَذَا لَا يَكُونُ تَوْبَةً ، وَإِنَّمَا التَّوْبَةُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ بِاللِّسَانِ وَيَنْوِيَ أَنْ لَا يَعُودَ إِلَى الذَّنْبِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذَنْبَهُ، وَإِنْ كَانَ عَطِيمًا، لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذُو التَّجَاوُزِ رَحِيمٌ بِعِبَادِهِ.
وَذُكِرَ أَنَّ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ مَلِكٌ، فَوُصِفَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْعِبَادِ، فَدَعَاهُ وَرَاوَدَهُ عَلَى صُحْبَتِهِ وَلُزُومِ بَابِهِ فَقَالَ لَهُ الْعَابِدُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ حَسَنًا مَا تَقُولُ، وَلَكِنْ لَوْ دَخَلْتَ يَوْمًا فِي بَيْتِكَ، فَوَجَدْتَنِي أَلْعَبُ مَعَ جَارِيَتِكَ، مَاذَا كُنْتَ تَفْعَلُ؟ فَغَضِبَ الْمَلِكُ فَقَالَ: يَا فَاجِرٌ أَتَجْتَرِئُ عَلَيَّ بِمِثْلِ هَذَا؟ فَقَالَ لَهُ الْعَابِدُ: إِنَّ لِي رَبًّا كَرِيمًا، لَوْ رَأَى مِنِّي سَبْعِينَ ذَنْبًا فِي الْيَوْمِ مَا غَضِبَ عَلَيَّ، وَلَا طَرَدَنِي عَنْ بَابِهِ، وَلَا أَحْرَمَنِي رِزْقَهُ، فَكَيْفَ أُفَارِقُ بَابَهُ وَأَلْزَمُ بَابَ مَنْ يَغْضَبُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُغْضِبَهُ؟ فَكَيْفَ لَوْ رَأَيْتَنِي فِي الْمَعْصِيَةِ؟ ثُمَّ خَرَجَ.
قال الفقيه رحمه الله الذَّنْبُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
ذَنْبٌ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَذَنْبٌ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْعِبَادِ.
أَمَّا الذَّنْبُ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى: فَتَوْبَتُهُ الِاسْتِغْفَارُ بِاللِّسَانِ، وَالنَّدَمُ بِالْقَلْبِ، وَالْإِضْمَارُ أَنْ لَا تَعُودَ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَا يَبْرَحُ مِنْ مَكَانِهِ حَتَّى يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُ، إِلَّا أَنْ يَتْرُكَ شَيْئًا مِنَ الْفَرَائِضِ، فَلَا تَنْفَعْهُ التَّوْبَةُ مَا لَمْ يَقْضِ مَا فَاتَهُ ثُمَّ يَنْدَمُ وَيَسْتَغْفِرُ .
وَأَمَّا الذَّنْبُ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْعِبَادِ: فَمَا لَمْ تُرْضِهِمْ لَا تَنْفَعْكَ التَّوْبَةُ حَتَّى يُحَلِّلُوكَ.
وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْمُذْنِبَ يُذْنِبُ فَلَا يَزَالُ نَادِمًا مُسْتَغْفِرًا حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ الشَّيْطَانُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوقِعْهُ فِيهِ.
وَذُكِرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْوَاسِطِيِّ أَنَّهُ قَالَ: التَّأَنِّي فِي كُلِّ شَيْءٍ حَسَنٌ إِلَّا فِي ثَلَاثِ خِصَالٍ: عِنْدَ وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَعِنْدَ دَفْنِ الْمَيِّتِ، وَالتَّوْبَةِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ إِنَّمَا تُعْرَفُ تَوْبَةُ الرَّجُلِ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُمْسِكَ لِسَانَهُ مِنَ الْفُضُولِ وَالْغِيبَةِ وَالْكَذِبِ.
وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَرَى لِأَحَدٍ فِي قَلْبِهِ حَسَدًا وَلَا عَدَاوَةً.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُفَارِقَ أَصْحَابَ السُّوءِ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مُسْتَعِدًّا لِلْمَوْتِ نَادِمًا مُسْتَغْفِرًا لِمَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِهِ مُجْتَهِدًا عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِ.
وَقِيلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ هَلْ لِلتَّائِبِ مِنْ عَلَامَةٍ يَعْرِفُ أَنَّهُ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ عَلَامَتُهُ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ:
أَوَّلُهَا: أَنْ يَنْقَطِعَ عَنْ أَصْحَابِ السُّوءِ وَيُرِيهِمْ هَيْبَةً مِنْ نَفْسِهِ، وَيُخَالِطَ الصَّالِحِينَ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا عَنْ كُلِّ ذَنْبٍ وَمُقْبِلًا عَلَى جَمِيعِ الطَّاعَاتِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَذْهَبَ فَرَجُ الدُّنْيَا كُلِّهَا مِنْ قَلْبِهِ، وَيَرَى حُزْنَ الْآخِرَةِ كُلَّهَا دَائِمًا فِي قَلْبِهِ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَرَى نَفْسَهُ فَارِغًا عَمَّا ضَمِنَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِنَ الرِّزْقِ، مُشْتَغِلًا بِمَا أُمِرَ بِهِ، فَإِذَا وَجَدْتَ فِيهِ هَذِهِ الْعَلَامَاتِ فَهُوَ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَقِّهِمْ: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222] ، وَوَجَبَ لَهُ عَلَى النَّاسِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ:
أَوَّلُهَا: أَنْ يُحِبُّوهُ. فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَحَبَّهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَحْفَظُوهُ بِالدُّعَاءِ، عَلَى أَنْ يُثَبِّتَهُ اللَّهُ عَلَى التَّوْبَةِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا يُعِيرُوهُ بِمَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِهِ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يُجَالِسُوهُ وَيُذَاكِرُوهُ وَيُعِينُوهُ.
وَيُكْرِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَرْبَعِ كَرَامَاتٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُخْرِجَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الذُّنُوبِ كَأَنَّهُ لَمْ يُذْنِبْ قَطُّ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُحِبَّهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ وَيَحْفَظَهُ مِنْهُ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يُؤَمِّنَهُ مِنَ الْخَوْفِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا، لِأَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت: 30] .
وَرُوِيَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا دَخَلَ التَّوَّابُونَ الْجَنَّةَ قَالُوا أَلَمْ يَعِدْنَا رَبُّنَا أَنْ نَرِدَ النَّارَ قَبْلَ أَنْ نَدْخُلَ الْجَنَّةَ ، قِيلَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ مَرَرْتُمْ بِهَا وَهِيَ خَامِدَةٌ.
118- وَرَوَى الْحَسَنُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ رَجَمَ امْرَأَةً زَنَتْ ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجَمْتَهَا وَصَلَّيْتَ عَلَيْهَا؟ ! فَقَالَ: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً، لَوْ فَعَلَتْ مِثْلَ ذَلِكَ سَبْعِينَ مَرَّةً تَابَ اللَّهُ عَلَيْهَا» ، يَعْنِي أَنَّ تَوْبَتَهَا كَانَتْ حَقِيقِيَّةً، وَالتَّوْبَةُ إِذَا كَانَتْ حَقِيقِيَّةً تُقْبَلُ، وَإِنْ كَانَ الذَّنْبُ عَظِيمًا.
119- وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ عَيَّرَ مُؤْمِنًا بِفَاحِشَةٍ فَهُوَ كَفَاعِلِهَا، وَكَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُوقِعَهُ فِيهَا، وَمَنْ عَيَّرَ مُؤْمِنًا بِجَرِيمَةٍ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يَرْتَكِبَهَا وَيُفْتَضَحَ بِهَا» .
قال الفقيه رحمه الله: إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَقْصِدُ أَنْ يَقَعَ فِي الذَّنْبِ، وَلَا يَتَعَمَّدُهُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ} [الحجرات: 7] ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ قَدْ بَغَّضَ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ الْمَعْصِيَةَ، فَلَا يَتَعَمَّدُهَا الْمُؤْمِنُ وَلَكِنْ يَقَعُ فِيهَا حَالَةَ الْغَفْلَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَيَّرَ بِهَا إِذَا تَابَ.
120- وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إذا تاب العبد تاب الله عليه، وأنسى الحفظة ما كانوا كتبوا من مساوئ عمله، وأنسى جوارحه ما عملت من الخطايا، وأنسى مقامه من الأرض، وأنسى مقامه من السماء، ليجيءَ يوم القيامة، وليس شيءٌ من الخلق يشهدُ عليه بذلك.
121- وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَكْتُوبٌ حَوْلَ الْعَرْشِ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ الْخَلْقُ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ عَامٍ- وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى» .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
Post a Comment