بَابُ: أَحَادِيثِ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ

بَابُ: أَحَادِيثِ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ

939- قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلٍ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ، أَنَّ أَبَا ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ  جَالِسٌ وَحْدَهُ، فَقُلْتُ: مَا جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ  إِلَّا لِوَحْيٍ أَوْ لِحَاجَةٍ.
فَقَالَ: «ادْنُ مِنِّي يَا جُنْدُبَ» فَدَنَوْتُ مِنْهُ، وَاسْتَغْنَمْتُ خَلْوَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَرْتَنَا بِالْوُضُوءِ، فَمَا الْوُضُوءِ؟ قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، لَا صَلَاةَ إِلَّا بِالْوُضُوءِ، وَإِنَّ الْوُضُوءَ يُكَفِّرُ مَا قَبْلَهُ مِنَ الذُّنُوبِ»

فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَمَرْتَنَا بِالصَّلَاةِ فَمَا الصَّلَاةُ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُقَلِّلْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُكْثِرْ»

فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَمَرْتَنَا بِالزَّكَاةِ، فَمَا الزَّكَاةُ؟ فَقَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا زَكَاةَ لَهُ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى افْتَرَضَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، بِقَدْرِ مَا يَسْتَغْنِي فُقَرَاؤُهُمْ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَائِلٌ الْأَغْنِيَاءَ عَنِ الزَّكَاةِ وَمُعَذِّبُهُمْ عَلَيْهَا، يَا أَبَا ذَرٍّ، مَا انْتَقَصَ مَالٌ مِنْ زَكَاةٍ، وَلَا ضَاعَ مَالٌ فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ إِلَّا بِمَنْعِ الزَّكَاةِ، يَا أَبَا ذَرٍّ، لَا يُعْطِي زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةٌ بِهَا نَفْسُهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يَمْنَعُ الزَّكَاةَ إِلَّا مُشْرِكٌ».

فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَمَرْتَنَا بِالصَّوْمِ، فَمَا الصَّوْمُ؟ قَالَ: «الصَّوْمُ جُنَّةٌ وَعِنْدَ اللَّهِ الْجَزَاءُ، وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ حِينَ يُفْطِرُ، وَفَرْحَةٌ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ، وَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ عِنْدَ اللَّهِ أَطْيَبُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَيُوضَعُ لِلنَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَائِدَةٌ فَأَوَّلُ مَنْ يَأْكُلُ مِنْهَا الصَّائِمُونَ».

فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَمَرْتَنَا بِالصَّبْرِ، فَمَا الصَّبْرُ؟ فَقَالَ: «إِنَّ مَثَلَ الصَّبْرِ كَمَثَلِ رَجُلٍ مَعَهُ صُرَّةٌ مِنْ مِسْكٍ، وَهُوَ فِي عُصْبَةٍ مِنَ النَّاسِ، كُلُّهُمْ يُعْجِبُهُ أَنْ يُوجَدَ رِيحُهَا مِنْهُ».

فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَمَرْتَنَا بِالصَّدَقَةِ، فَمَا الصَّدَقَةُ؟ قَالَ: «بَخٍ بَخٍ يَا أَبَا ذَرٍّ، الصَّدَقَةُ فِي السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَالصَّدَقَةُ فِي الْعَلَانِيَةِ تُذْهِبُ مِنْ صَاحِبِهَا سَبْعَ مِائَةِ شَرٍّ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ، وَتُطْفِئُ غَضَبَ النَّارِ، وَغَضَبَ الرَّبِّ، وَالصَّدَقَةُ شَيْءٌ عَجِيبٌ وَالصَّدَقَةُ شَيْءٌ عَجِيبٌ وَالصَّدَقَةُ شَيْءٌ عَجِيبٌ».

فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَمَرْتَنَا بِالرِّقَابِ، فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ أَنْ يُعْتَقَ؟ قَالَ: «أَغْلَاهَا ثَمَنًا».

فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ: فَأَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَنْ تَهْجُرَ السُّوءَ».

فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَأَيُّ النَّاسِ أَسْلَمُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ».

فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَأَيُّ النَّاسِ أَعْجَزُ؟ قَالَ: «مَنْ عَجَزَ عَنِ الدُّعَاءِ».

فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَيُّ النَّاسِ أَبْخَلُ؟ قَالَ: «مَنْ بَخِلَ بِالسَّلَامِ».

فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَيُّ الْمُجَاهِدِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ عُقِرَ جَوَادُهُ وَأُهْرِقَ دَمُهُ».

فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَعَنِ الْكُتُبِ مَتَى أُنْزِلَتْ؟ قَالَ: «أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مَضَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْإِنْجِيلُ فِي اثْنَيْ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الزَّبُورُ فِي ثَمَانِ عَشْرٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ فِي ثَمَانٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْفُرْقَانُ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ».

فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ: كَمْ كَانَ الْأَنْبِيَاءُ، وَكَمْ كَانَ الْمُرْسَلُونَ؟ قَالَ: «كَانَ الْأَنْبِيَاءُ مِائَةَ أَلْفِ نَبِيٍّ، وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفِ نَبِيٍّ، وَكَانَ الْمُرْسَلُونَ ثَلَاثَ مِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَقَدْ يَكُونُ نَبِيًّا وَلَا يَكُونُ مُرْسَلًا، وَقَدْ يَكُونُ نَبِيًّا مُرْسَلًا».

قَالَ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ نَحْوَ هَذَا وَزَادَ فِيهِ فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَأَيُّ وَقْتِ اللَّيْلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «جَوْفُ اللَّيْلِ الْغَابِرِ»
قَالَ: قُلْتُ فَأَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «طُولُ الْقُنُوتِ»
قَالَ: قُلْتُ: فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «جَهْدُ مِنْ مُقِلٍّ مُعْسِرٍ سِيقَ إِلَى فَقِيرٍ»
فَقُلْتُ: مَنْ كَانَ أَوَّلَ الْأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ: «آدَمُ».

فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَ آدَمُ مُرْسَلًا؟ قَالَ: «نَعَمْ، خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، قَالَ: وَأَرْبَعَةٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ سُرْيَانِيُّونَ، آدَمُ، وَشِيثُ، وَإِدْرِيسُ، وَنُوحٌ، وَقِيلَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَرْبَعَةٌ مِنَ الْعَرَبِ هُودٌ، وَصَالِحٌ وَشُعَيْبٌ، وَنَبِيُّكَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَا أَبَا ذَرٍّ».

فَقُلْتُ: وَكَمْ كِتَابًا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ؟ قَالَ: «مِائَةً وَأَرْبَعَةَ كُتُبٍ أُنْزِلَ عَلَى شِيثَ بْنِ آدَمَ خَمْسُونَ صَحِيفَةً، وَعَلَى إِدْرِيسَ ثَلَاثُونَ صَحِيفَةً، وَعَلَى إِبْرَاهِيمَ عَشْرُ صَحَائِفَ، وَعَلَى مُوسَى قَبْلَ التَّوْرَاةِ عَشْرُ صَحَائِفَ، وَالتَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ وَالْفُرْقَانُ».

فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَوْصِنِي، قَالَ: «عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهَا رَأْسُ أَمْرِكَ كُلِّهِ».

قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زِدْنِي، قَالَ: «عَلَيْكَ بِذِكْرِ اللَّهِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ نُورٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ، وَشَرَفٌ وَذِكْرٌ لَكَ فِي الْأَرْضِ، وَعَلَيْكَ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ أُمَّتِي، وَعَلَيْكَ بِالصَّمْتِ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنَّهُ مَطْرَدَةُ الشَّيْطَانِ عَنْكَ، وَعَوْنٌ لَكَ عَلَى أَمْرِ دِينِكَ، وَإِيَّاكَ وَالضَّحِكَ فَإِنَّهُ يُمِيتُ الْقَلْبَ وَيَذْهَبُ بِنُورِ الْوَجْهِ».

940- قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ  جَالِسٌ وَحْدَهُ، فَمَرَّةً قُلْتُ فِي نَفْسِي آتِيهِ لِأَسْتَفِيدَ مِنْهُ فِي حَالِ خَلْوَتِهِ، وَمُرَّةً قُلْتُ لَا أَشْغَلُهُ عَمَّا هُوَ فِيهِ، فَأَبَيْتُ إِلَّا أَنْ آتِيهِ فَأَتَيْتُهُ، وَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَجَلَسْتُ عِنْدَهُ طَوِيلًا لَمْ يُكَلِّمْنِي، حَتَّى قُلْتُ فِي نَفْسِي: إِنَّهُ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِ جُلُوسِي، ثُمَّ قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ هَلْ رَكَعْتَ؟» قُلْتُ: لَا، قَالَ: «قُمْ فَارْكَعْ، فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ تَحِيَّةً وَتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ رَكْعَتَانِ»، فَقُمْتُ وَرَكَعْتُ، ثُمَّ جَلَسْتُ إِلَيْهِ طَوِيلًا.

ثُمَّ قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، اسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَمِنْ شَرِّ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَمِنَ الْإِنْسِ شَيَاطِينُ؟ قَالَ: «أَمَا تَسْمَعُ قَوْلَهُ تَعَالَى: {شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ} [الأنعام: 112]».

ثُمَّ سَكَتَ فَلَمَّا رَأَيْتُ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُنِي، وَلَا يُحَدِّثُنِي، أَفَضْتُ فِي الْكَلَامِ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَمَرْتَنِي بِالصَّلَاةِ فَمَا الصَّلَاةُ؟ وَذَكَرَ نَحْوَ السُّؤَالَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، قَالَ: ثُمَّ اجْتَمَعَ النَّاسُ، فَقَالَ النَّبِيُّ : «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَبْخَلِ النَّاسِ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ».

941- حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَضْلَانِيُّ، بِسَمَرْقَنْدَ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ  إِلَى غَزْوَةِ تَبُوكٍ، صَحِبَهُ رِجَالٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَكَانَ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، فَيَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَخَلَّفَ فُلَانٌ، فَيَقُولُ: «دَعُوهُ فَإِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيُلْحِقُهُ اللَّهُ بِكُمْ وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمُ اللَّهُ مِنْهُ»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَخَلَّفَ أَبُو ذَرٍّ، قَالَ: «دَعُوهُ فَإِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيُلْحِقُهُ اللَّهُ بِكُمْ» وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ تَخَلَّفَ لِأَنَّهُ أَبْطَأَ بِهِ بَعِيرُهُ فَكُلِمَ بَعِيرُهُ فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَيْهِ أَخَذَ مَتَاعَهُ، فَحَمَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ رَجَعَ يَتْبَعُ أَثَرَ رَسُولِ اللَّهِ  مَاشِيًا حَامِلًا عَلَى ظَهْرِهِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْبَلَ إِلَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي وَحْدَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «لِيَكُنْ أَبَا ذَرٍّ»، فَلَمَّا تَأَمَّلَهُ النَّاسُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا وَاللَّهِ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَدَمَعَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ  وَقَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ يَمْشِي وَحْدَهُ وَيَمُوتُ وَحْدَهُ وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ».

942- قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا بُرَيْدَةُ بْنُ سُفْيَانَ الْأَسْلَمِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، قَالَ: لَمَّا سَارَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إِلَى الرِّبْذَةِ فِي عَهْدِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَأَصَابَهُ بِهَا قَدَرُهُ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا امْرَأَتُهُ وَغُلَامُهُ، فَأَوْصَى إِلَيْهِمَا: أَنْ غَسِّلَانِي وَكَفِّنَانِي، ثُمَّ ضَعَانِي عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، فَأَوَّلُ رَكْبٍ يَمُرُّ عَلَيْكُمْ، فَقُولُوا: هَذَا أَبُو ذَرٍّ صاحب رَسُولِ اللَّهِ  فَأَعِينُونا عَلَى دَفْنِهِ "، فَلَمَّا مَاتَ فَعَلَا بِهِ ذَلِكَ، ثُمَّ وَضَعَاهُ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، فَأَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي رَهْطٍ مِنَ الْعِرَاقِ فَلَمَّا رَآهُمُ الْغُلَامُ قَامَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: هَذَا أَبُو ذَرٍّ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ  فَأَعِينُونَا عَلَى دَفْنِهِ، فَأَقْبَلَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَهُوَ يَبْكِي، رَافِعًا صَوْتَهُ ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ : تَمْشِي وَحْدَكَ، وَتَمُوتُ وَحْدَكَ، وَتُبْعَثُ وَحْدَكَ، ثُمَّ وَارَوْهُ وَمَضَوْا وَهُوَ يُحَدِّثُهُمْ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  فِي مَسِيرَه إِلَى تَبُوكٍ ".

943- وَعَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ، قَالَ: «سَيُصِيبُكَ بَعْدِي بَلَاءٌ»، قَالَ: قُلْتُ فِي اللَّهِ؟ قَالَ: «فِي اللَّهِ»، قُلْتُ: فَمَرْحَبًا بِأَمْرِ اللَّهِ، قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ اسْمَعْ وَأَطِعْ، وَلَوْ صَلَّيْتَ خَلْفَ أَسْوَدَ» .

فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ، وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، دَعَاهُ فَحَيَّاهُ وَبَكَى، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: قَدْ سَمِعْتَ قول رسول الله ﷺ فيك، فأعوذ بالله أن أكون صاحبك يعني أعوذ بالله أن يصيبك الْبَلَاءَ بِسَبَبِي، أَوْ فِي زَمَانِي فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَوَلِيَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، دَعَاهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: قَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ  فِيكَ، فَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ صَاحِبَكَ يَعْنِي أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ يُصِيبَكَ الْبَلَاءُ بِسَبَبِي أَوْ فِي زَمَانِي.

فَلَمَّا تُوُفِّيَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَوَلِيَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَاسْتَأْذَنَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا أَبُو ذَرٍّ يَسْتَأْذِنُ، قَالَ: ائْذَنْ لَهُ إِنْ شِئْتَ، قَالَ: فَأَذِنْتُ لَهُ، فَدَخَلَ حَتَّى جَلَسَ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: أَنْتَ الَّذِي تَزْعُمُ أَنَّكَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: مَا قُلْتُ هَذَا، قَالَ: أَنَا أُقِيمُ عَلَيْكَ الْبَيِّنَةَ.
قَالَ أَبُو ذَرٍّ: نَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَكَ لَا أَدْرِي مَا بَيِّنَتُكَ، وَقَدْ عَرَفْتَ كَيْفَ قُلْتُ، قَالَ: فَكَيْفَ قُلْتَ، قَالَ: قُلْتُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِليَّ وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي الَّذِي يَأْخُذُ بِالْعَهْدِ الَّذِي تَرَكْتُهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَلْحَقَنِي وَكُلُّكُمْ قَدْ أَصَابَ مِنَ الدُّنْيَا» .

قَالَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: الْحَقْ بِمُعَاوِيَةَ فَأَخْرِجْهُ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا قَدِمَ إِلَى الشَّامِ أَخَذَ يُعَلِّمُ النَّاسَ، فَأَبْكَى عُيُونَهُمْ وَأَحْزَنَ صُدُورَهُمْ، وَكَانَ فِيمَا يَقُولُ: لَا يَبِيتَنَّ أَحَدُكُمْ وَفِي بَيْتِهِ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ إِلَّا شَيْءٌ يُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ يُعِدُّهُ لِغَرِيمٍ، فَأَبْكَى مُعَاوِيَةَ وَالنَّاسَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِأَلْفِ دِينَارٍ فَأَرَادَ أَنْ يُخَالِفَ قَوْلُهُ فِعْلَهُ، وَسَرِيرَتُهُ عَلَانِيَتَهُ، فَأَخَذَ الْأَلْفَ وَقَسَّمَهُ كُلَّهُ فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَدَعَا مُعَاوِيَةُ الرَّسُولَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، فَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ إِلَى أَبِي ذَرٍّ وَقُلْ لَهُ: إِنَّمَا أَرْسَلَنِي بِالْأَلْفِ دِينَارٍ إِلَى غَيْرِكَ فَأَخْطَأْتُ بِهِ إِلَيْكَ، فَجَاءَهُ الرَّسُولُ وَقَالَ لَهُ: أَنْقِذْنِي مِنْ عَذَابِ مُعَاوِيَةَ، فَإِنَّمَا أَرْسَلَنِي بِأَلْفٍ إِلَى غَيْرِكَ، فَأَخْطَأْتُ بِهِ، فَدَفَعْتُهُ إِلَيْكَ، فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ لِلرَّسُولِ: أَقْرِئْ مُعَاوِيَةَ مِنِّي السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: مَا أَصْبَحَ عِنْدَنَا مِنْ دَنَانِيرِكَ شَيْءٌ، فَإِنْ أَرَدْتَهَا فَانْتَظِرْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ نَجْمَعْهَا لَكَ.

فَلَمَّا رَأَى مُعَاوِيَةَ أَنَّ فِعْلَهُ يُصَدِّقُ قَوْلَهُ، كَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: إِنْ كَانَ لَكَ بِالشَّامِ حَاجَةٌ، فَأَرْسِلْ إِلَى أَبِي ذَرٍّ وَاسْتَدْعِهِ: قَالَ: فَكَتَبَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنِ الْحَقْ بِي، قَالَ: فَقَدِمَ أَبُو ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَعُثْمَانُ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلَ حَتَّى سَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ، وَقَالَ لَهُ: كَيْفَ أَنْتَ يَا أَبَا ذَرٍّ؟ قَالَ: بِخَيْرٍ، فَكَيْفَ أَنْتُمْ؟ ثُمَّ خَرَجَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَقَامَ أَبُو ذَرٍّ إِلَى سَارِيَةٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَعَدَ، وَجَلَسَ إِلَيْهِ النَّاسُ، فَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا ذَرٍّ حَدِّثْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  قَالَ: نَعَمْ حَدَّثَنِي حَبِيبِي: «إنَّ فِي الْإِبِلِ صَدَقَةً، وَفِي الزَّرْعِ صَدَقَةً، وَفِي الدِّرْهَمِ صَدَقَةً، وَفِي الشَّاةِ صَدَقَةً، وَمَنْ بَاتَ وَفِي بَيْتِهِ دِينَارٌ أَوْ دِرْهَمٌ لَا يُعِدُّهُ لِغَرِيمِهِ أَوْ يُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهُوَ كَنْزٌ يُكْوَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
قَالُوا: يَا أَبَا ذَرٍّ اتَّقِ اللَّهَ وَانْظُرْ مَا تُحَدِّثُ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَمْوَالَ قَدْ فَشَتْ فِي النَّاسِ، فَقَالَ: أَمَا تَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34].

فَمَكَثَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَقَالَ: الْحَقْ بِالرِّبْذَةِ، وَهِيَ قَرْيَةٌ خَرِبَةٌ، فَخَرَجَ إِلَى الرِّبْذَةِ فَوَجَدَهُمْ يَؤُمُّهُمْ أَسْوَدُ، فَقِيلَ لِأَبِي ذَرٍّ: تَقَدَّمْ فَأَبَى وَصَلَّى خَلْفَ الْأَسْوَدِ، وَقَالَ صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ قَالَ لِي: «اسْمَعْ وَأَطِعْ وَإِنْ صَلَّيْتَ خَلْفَ أَسْوَدَ»، وَمَكَثَ هُنَاكَ حَتَّى مَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ.

944- وَرُوِيَ عَنِ امْرَأَةِ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا ، قَالَتْ: لَمَّا حَضَرَ أَبَا ذَرٍّ الْوَفَاةُ بَكَيْتُ قَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ قُلْتُ: تَمُوتُ فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ وَلَيْسَ لِي ثَوْبٌ أُكَفِّنُكَ فِيهِ، قَالَ: لَا تَبْكِي وَأَبْشِرِي فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ، يَقُولُ لِنَفَرٍ كُنْتُ أَنَا فِيهِمْ: «لَيَمُوتَنَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، يَشْهَدُهُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» وَلَيْسَ مِنْ أُولَئِكَ النَّفَرِ أَحَدٌ، إِلَّا وَقَدْ هَلَكَ فِي قَرْيَةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ إِلَّا أَنَا، وَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ وَلَا كَذَبْتُ، فَأَنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ فَأَبْصِرِي الطَّرِيقَ، قَالَتْ: فَقُلْتُ قَدْ ذَهَبَ الْحَاجُّ وَانْقَطَعَ الطَّرِيقُ، فَكُنْتُ أَقُومُ عَلَى كَثِيبٍ، فَأَنْظُرُ فَأَرْجِعُ إِلَيْهِ فَأُمَرِّضُهُ.

فَبَيْنَمَا أَنَا كَذَلِكَ إِذَا بِنَفَرٍ عَلَى رِحَالِهِمْ، فَأَلَحْتُ إِلَيْهِمْ بِثَوْبِي فَأَسْرَعُوا إِلَيَّ، فَقَالُوا: يَا أَمَةَ اللَّهِ مَا لَكِ؟ قُلْتُ، رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَمُوتُ فَكَفِّنُوهُ، قَالُوا: وَمَنْ هَذَا قُلْتُ أَبُو ذَرٍّ قَالُوا: صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَفَدَوْهُ بِآبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ، فَأَسْرَعُوا حَتَّى دَخَلُوا عَلَيْهِ، وَسَلَّمُوا فَرَحَّبَ بِهِمْ وَقَالَ: أَبْشِرُوا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ لِنَفَرٍ أَنَا فِيهِمْ: «لَيَمُوتَنَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ يَشْهَدُهُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» وَلَيْسَ مِنْ أُولَئِكَ الْقَوْمِ أَحَدٌ إِلَّا وَقَدْ هَلَكَ فِي قَرْيَةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ إِلَّا أَنَا، فَأَنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ، وَأَنْتُمْ أُولَئِكَ الْعِصَابَةُ، وَلَوْ كَانَ لِي ثَوْبٌ يَسَعُنِي كَفَنًا أَوْ لِامْرَأَتِي لَمْ أُكَفَّنْ إِلَّا فِي ثَوْبٍ لِي، أَوْ لِأَهْلِي، وَإِنِّي أُنْشِدُكُمْ بِاللَّهِ لَا يُكَفِّنُنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ كَانَ أَمِيرًا أَوْ بَرِيدًا، أَوْ عَرِيفًا، أَوْ نَقِيبًا، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْقَوْمِ إِلَّا قَدْ أَصَابَ ذَلِكَ أَوْ بَعْضَ ذَلِكَ، إِلَّا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا عَمُّ أَنَا أُكَفِّنُكَ فَإِنِّي لَمْ أُصِبْ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْتَ، أُكَفِّنُكَ فِي رِدَائِي هَذَا، أَوْ فِي ثَوْبَيْنِ، أَوْ فِي عَبَاءَتَيْنِ مِنْ غَزْلِ أُمِّي؟ قَالَ: أَنْتَ تُكَفِّنِّي، فَمَاتَ فَكَفَّنَهُ الْأَنْصَارِيُّ فِي النَّفَرِ الَّذِينَ شَهِدُوهُ، وَكُلُّهُمْ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ فَرَجَعُوا مَسْرُورِينَ بِمَا سَمِعُوا مِنْهُ.


 

Tidak ada komentar