بَابُ: الِاحْتِكَارِ
بَابُ: الِاحْتِكَارِ
242- حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْحَاكِمُ السَّرْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا هَانِئُ بْنُ النَّضْرِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ مَعْمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيِّ، قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: «لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ».
243- وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنِ احْتَكَرَ طَعَامًا أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرِئَ اللَّهُ مِنْهُ».
244- وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ» .
وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالْجَالِبِ الَّذِي يَشْتَرِي الطَّعَامَ لِلْبَيْعِ فَيَجْلِبُهُ إِلَى بَلَدِهِ فَيَبِيعُهُ، فَهُوَ مَرْزُوقٌ لِأَنَّ النَّاسَ يَنْتَفِعُونَ بِهِ فَيَنَالُهُ بَرَكَةُ دُعَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُحْتَكِرُ الَّذِي يَشْتَرِي الطَّعَامَ لِلْمَنْعِ وَيَضُرُّ بِالنَّاسِ
245- وَرَوَى الشَّعْبِيُّ: أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ أَنْ يُسْلِمَ ابْنَهُ إِلَى عَمَلٍ، فَاسْتَشَارَ النَّبِيَّ ﷺ فِي ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تُسْلِمْهُ إِلَى حَنَّاطٍ يَبِيعُ الْحِنْطَةَ، وَلَا إِلَى جَزَّارٍ وَلَا إِلَى مَنْ يَبِيعُ الْأَكْفَانَ، أَمَّا الْحَنَّاطُ فَلَأَنْ يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى زَانِيًا، أَوْ شَارِبَ خَمْرٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَهُوَ قَدْ حَبَسَ الطَّعَامَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَأَمَّا الْجَزَّارُ فَإِنَّهُ يَذْبَحُ حَتَّى تَذْهَبَ الرَّحْمَةُ مِنْ قَلْبِهِ، وَأَمَّا بَائِعُ الْأَكْفَانِ فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى لِأُمَّتِي الْمَوْتَ، وَالْمَوْلُودُ مِنْ أُمَّتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا».
قال الفقيه: الْحِكْرَةُ: أَنْ يَشْتَرِيَ الطَّعَامَ فِي مِصْرِهِ، وَيَحْبِسَهُ عَنِ الْبَيْعِ، وَلِلنَّاسِ حَاجَةٌ إِلَيْهِ، فَهَذَا هُوَ الِاحْتِكَارُ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ، وَأَمَّا إِذَا دَخَلَ لَهُ الطَّعَامُ مِنْ ضِيَعِهِ، أَوْ جُلِبَ مِنْ مِصْرٍ آخَرَ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ احْتِكَارًا؛ وَلَكِنْ لَوْ كَانَ لِلنَّاسِ إِلَيْهِ حَاجَةٌ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَبِيعَهُ، وَفِي امْتِنَاعِهِ عَنْ ذَلِكَ يَكُونُ مُسِيئًا لِسُوءِ نِيَّتِهِ، وَقِلَّةِ شَفَقَتِهِ لِلْمُسْلِمِينَ.
فَيَنْبَغِي أَنْ يُجْبَرَ الْمُحْتَكِرُ عَلَى بَيْعِ الطَّعَامِ، فَإِنِ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ وَيُؤَدَّبُ وَلَا يُسَعَّرُ عَلَيْهِ، وَيُقَالُ لَهُ بِعْهُ كَمَا يَبِيعُ النَّاسُ.
246- وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَنَا لَا أُسعِّرُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْمُسَعِّرُ» .
247- وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْغَلَاءُ وَالرُّخْصُ جُنْدَانِ مِنْ جُنُودِ اللَّهِ تَعَالَى، اسْمُ أَحَدِهِمَا الرَّغْبَةُ وَاسْمُ الْآخَرِ الرَّهْبَةُ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُرَخِّصَهُ، قَذَفَ الرَّهْبَةَ فِي قُلُوبِ الرِّجَالِ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ فَرَخُصَ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُغَلِّيهِ، قَذَفَ الرَّغْبَةَ فِي قُلُوبِ الرِّجَالِ فَحَبَسُوهُ فِي أَيْدِيهِمْ» .
وَذُكِرَ فِي الْخَبَرِ: أَنَّ عَابِدًا مِنْ عُبَّادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَرَّ عَلَى كَثِيبٍ مِنَ الرَّمْلِ، فَتَمَنَّى فِي نَفْسِهِ لَوْ كَانَ دَقِيقًا فَأَشْبَعَ بِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي مَجَاعَةٍ أَصَابَتْهُمْ.
فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى، إِلَى نَبِيٍّ فِيهِمْ: أَنْ قُلْ لِفُلَانٍ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى، قَدْ أَوْجَبَ لَكَ مِنَ الْأَجْرِ مَا لَوْ كَانَ دَقِيقًا فَتَصَدَّقْتَ بِهِ.
يَعْنِي أَنَّهُ لَمَّا نَوَى نِيَّةً حَسَنَةً أَعْطَاهُ الْأَجْرَ بِحُسْنِ نِيَّتِهِ وَشَفَقَتِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَرَحْمَتِهِ لَهُمْ.
فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ مُشْفِقًا رَحِيمًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
وَذُكِرَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، فَقَالَ لَهُ: أَوْصِنِي، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ أُوصِيكَ بِسِتَّةِ أَشْيَاءَ:
أَوَّلُهَا: يَقِينُ الْقَلْبِ بِالْأَشْيَاءِ الَّتِي تَكَفَّلَ اللَّهُ لَكَ بِهَا.
وَالثَّانِي: بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ لِوَقْتِهَا.
وَالثَّالِثُ: بِلِسَانٍ رَطْبٍ فِي ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالرَّابِعُ: لَا تُوَافِقِ الشَّيْطَانَ، فَإِنَّهُ حَاسِدٌ لِلْخَلْقِ.
وَالْخَامِسُ: لَا تُعَمِّرِ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا تُخَرِّبُ آخِرَتَكَ.
وَالسَّادِسُ: أَنْ تَكُونَ نَاصِحًا لِلْمُسْلِمِينَ دَائِمًا.
قال الفقيه: يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ نَاصِحًا لِلْمُسْلِمِينَ، رَحِيمًا بِهِمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ.
وَقِيلَ: إِنَّ عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ خَصْلَةً:
أَوَّلُهَا: أَنْ يَكُونَ زَاهِدًا فِي الدُّنْيَا رَاغِبًا فِي الْآخِرَةِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ هِمَّتُهُ الْعِبَادَةَ وَتِلَاوَةَ الْقُرْآنِ.
وَالثَّالِثُ: قِلَّةُ الْقَوْلِ فِيمَا لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مُحَافِظًا عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ.
وَالْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ وَرِعًا فِيمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ مِنَ الْحَرَامِ.
وَالسَّادِسُ: أَنْ تَكُونَ صُحْبَتُهُ مَعَ الصَّالِحِينَ.
وَالسَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مُتَوَاضِعًا غَيْرَ مُتَكَبِّرٍ.
وَالثَّامِنُ: أَنْ يَكُونَ سَخِيًّا كَرِيمًا.
وَالتَّاسِعُ: أَنْ يَكُونَ رَحِيمًا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالْعَاشِرُ: أَنْ يَكُونَ نَافِعًا لِلْخَلْقِ.
وَالْحَادِي عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ ذَاكِرًا لِلْمَوْتِ كَثِيرًا.
وَعَلَامَةُ الشَّقَاءِ أَيْضًا، إِحْدَى عَشْرَةَ خَصْلَةً:
أَوَّلُهَا: أَنْ يَكُونَ حَرِيصًا عَلَى جَمْعِ الْمَالِ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ نَهْمَتُهُ فِي الشَّهَوَاتِ وَاللَّذَّاتِ فِي الدُّنْيَا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ فَحَّاشًا فِي الْقَوْلِ مِكْثَارًا.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مُتَهَاوِنًا فِي الصَّلَوَاتِ.
وَالْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ أَكْلُهُ مِنَ الْحَرَامِ وَالشُّبُهَاتِ، وَصُحْبَتُهُ مَعَ الْفُجَّارِ.
وَالسَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ سَيِّئَ الْخُلُقِ.
وَالسَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مُخْتَالًا مُتَكَبِّرًا فَخُورًا.
وَالثَّامِنُ: أَنْ يَمْنَعَ مَنْفَعَتَهُ مِنَ النَّاسِ.
وَالتَّاسِعُ: أَنْ يَكُونَ قَلِيلَ الرَّحْمَةِ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَالْعَاشِرُ: أَنْ يَكُونَ بَخِيلًا.
وَالْحَادِي عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ نَاسِيًا لِلْمَوْتِ.
يَعْنِي أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ ذَاكِرًا لِلْمَوْتِ، فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ طَعَامَهُ مِنَ الْبَيْعِ وَيَرْحَمُ الْمُسْلِمِينَ.
وَذَكَرَ بَعْضُ الزُّهَّادِ أَنَّهُ كَانَ فِي بَيْتِهِ وِقْرٌ -يعني حمل ثقيل- مِنَ الْحِنْطَةِ فَقَحَطَ النَّاسُ، فَبَاعَ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْحِنْطَةِ، ثُمَّ جَعَلَ يَشْتَرِي لِحَاجَتِهِ، فَقِيلَ لَهُ: لَوْ أَمْسَكْتَ مَا عِنْدَكَ؟ فَقَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أُشَارِكَ النَّاسَ فِي غَمِّهِمْ.
وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ.
Post a Comment