بَابُ: الْكِبْرِ
بَابُ: الْكِبْرِ
قال الفقيه: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، عَنْ مِسْعَرَ بْنِ كِدَامٍ، عَنْ أَبِي مُصْعَبَ، عَنْ أَبِيهِ:
عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: يَأْتِي الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ذُرًا فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمْ أَوْ يَأْتِيهِمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، يُسْلَكُونَ فِي نَارٍ مِنَ النِّيرَانِ، يُسْقَوْنَ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ، وَهِيَ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ.
قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سِعْرٍ، أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُ مَرَّ بِمَسَاكِينَ وَهُمْ يَأْكُلُونَ كِسَرًا لَهُمْ عَلَى كِسَاءٍ، فَقَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْغَدَاءَ.
قَالَ: فَنَزَلَ وَقَالَ: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ}، فَأَكَلَ مَعَهُمْ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: قَدْ أَجَبْتُكُمْ فَأَجِيبُونِي، فَانْطَلَقُوا مَعَهُ، فَلَمَّا أَتَوُا الْمَنْزِلَ قَالَ لِجَارِيَتِهِ: أَخْرِجِي مَا كُنْتِ تَدَّخِرِينَ .
229- وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: أَوَّلُهُمْ شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ»، يَعْنِي الْفَقِيرَ.
230- قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْفَقِيهُ الرَّازِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبَاحٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَامِرِ الْعُقَيْلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «عُرِضَ عَلَيَّ أَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَأَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ النَّارَ، فَأَمَّا أَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: فَالشَّهِيدُ، وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ لَمْ يَشْغَلْهُ رِقُّ الدُّنْيَا عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ، وَفَقِيرٌ ضَعِيفٌ ذُو عِيَالٍ، وَأَمَّا أَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ النَّارَ: فَأَمِيرٌ مُتَسَلِّطٌ، وَذُو ثَرْوَةٍ مِنَ الْمَالِ لَا يُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَفَقِيرٌ فَخُورٌ».
231- وَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُبْغِضُ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ وَبُغْضُهُ لِثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ أَشَدُّ:
أَوَّلُهَا: يُبْغِضُ الْفُسَّاقَ، وَبُغْضُهُ لِلشَّيْخِ الْفَاسِقِ أَشَدُّ.
وَالثَّانِي: يُبْغِضُ الْبُخَلَاءَ، وَبُغْضُهُ لِلْغَنِيِّ الْبَخِيلِ أَشَدُّ.
وَالثَّالِثُ: يُبْغِضُ الْمُتَكَبِّرِينَ، وَبُغْضُهُ لِلْفَقِيرِ الْمُتَكَبِّرِ أَشَدُّ.
وَيُحِبُّ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ وَحُبُّهُ لِثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ أَشَدُّ:
أولها: يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ وَحُبُّهُ لِلشَّابِّ التَّقِيِّ أَشَدُّ.
وَالثَّانِي: يُحِبُّ الْأَسْخِيَاءَ، وَحُبُّهُ لِلْفَقِيرِ السَّخِيِّ أَشَدُّ.
وَالثَّالِثُ: يُحِبُّ الْمُتَوَاضِعِينَ، وَحُبُّهُ لِلْمُتَوَاضِعِ الْغَنِيِّ أَشَدُّ».
232- وَرُوِيَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جِعْلَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ»، قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنِّي لَيُعْجِبُنِي نَقَاءُ ثَوْبِي، وَشِرَاكُ نَعْلِي، وَعِلَاقَةُ سَوْطِي أَفَهَذَا مِنَ الْكِبْرِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، وَيُحِبُّ إِذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدِهِ نِعْمَةً أَنْ يَرَى أَثَرَهَا عَلَيْهِ، وَيُبْغِضُ الْبُؤْسَ وَالتَّبَاؤُسَ، وَلَكِنَّ الْكِبْرَ أَنْ يَسْفَهَ الْحَقَّ وَيَغْمِصَ الْخَلْقَ».
233- وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ خَصَفَ نَعْلَهُ، وَرَقَّعَ ثَوْبَهُ، وَعَفَّرَ وَجْهَهُ لِلَّهِ فِي السُّجُودِ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ الْكِبْرِ» .
234- وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ لَبِسَ الصُّوفَ، وَانْتَعَلَ الْمَخْصُوفَ، وَرَكِبَ حِمَارَهُ، وَحَلَبَ شَاتَهُ، وَأَكَلَ مَعَ عِيَالِهِ، وَجَالَسَ الْمَسَاكِينَ، فَقَدْ مَحَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ الْكِبْرَ» .
وَذُكِرَ أَنَّ مُوسَى، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، نَاجَى اللَّهَ تَعَالَى فَقَالَ: يَا رَبُّ مَنْ أَبْغَضُ خَلْقِكَ إِلَيْكَ؟ قَالَ: يَا مُوسَى مَنْ تَكَبَّرَ قَلْبُهُ، وَغَلُظَ لِسَانُهُ، وَضَعُفَ يَقِينُهُ، وَبَخِلَتْ يَدُهُ.
وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: التَّوَاضُعُ أَحَدُ مَصَائِدِ الشَّرَفِ، وَكُلُّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ عَلَيْهَا إِلَّا التَّوَاضُعَ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: ثَمَرَةُ الْقَنَاعَةِ الرَّاحَةُ، وَثَمَرَةُ التَّوَاضُعُ الْمَحَبَّةُ.
وَذُكِرَ أَنَّ الْمُهَلَّبَ بْنَ أَبِي صُفْرَةَ كَانَ صَاحِبَ جَيْشِ الْحَجَّاجِ، فَمَرَّ عَلَى مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، وَهُوَ يَتَبَخْتَرُ فِي حُلَّةِ خَزٍّ، فَقَالَ لَهُ مُطَرِّفٌ: يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذِهِ مِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَقَالَ الْمُهَلَّبُ: أَمَا تَعْرِفُنِي؟ فَقَالَ: بَلْ أَعْرِفُكَ، أَوَّلُكَ نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ، وَآخِرُكَ جِيفَةٌ قَذِرَةٌ، وَأَنْتَ تَحْمِلُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ الْعُذْرَةَ، فَتَرَكَ الْمُهَلَّب مِشْيَتَهُ تِلْكَ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: افْتِخَارُ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ بِرَبِّهِ، وَعِزُّهُ بِدِينِهِ. وَافْتِخَارُ الْمُنَافِقِ بِحَسَبِهِ، وَعِزُّهُ بِمَالِهِ.
235- وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْمُتَوَاضِعِينَ فَتَوَاضَعُوا لَهُمْ، وَإِذَا رَأَيْتُمُ الْمُتَكَبِّرِينَ فَتَكَبَّرُوا عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُمْ صَغَارٌ وَمَذَلَّةٌ وَلَكُمْ بِذَلِكَ صَدَقَةٌ»
236- وَروَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «مَا تَوَاضَعَ رَجُلٌ للَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى» .
وَرَوَى عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: رَأْسُ التَّوَاضُعِ أَنْ تَبْدَأَ بِالسَّلَامِ عَلَى مَنْ لَقِيتَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ تَرْضَى بِالدُّونِ مِنَ الْمَجْلِسِ، وَأَنْ تَكْرَهَ أَنْ تُذَكِّرَ بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى.
قال الفقيه: اعْلَمْ أَنَّ الْكِبْرَ مِنْ أَخْلَاقِ الْكُفَّارِ وَالْفَرَاعِنَةِ، وَالتَّوَاضُعُ مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ الْكُفَّارَ بِالْكِبْرِ فَقَالَ: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ} [الصافات: 35]، وَقَالَ: {وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ} [العنكبوت: 39]، وَقَالَ: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60]، وَقَالَ: {ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر: 72] ، وَقَالَ: {إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ} [النحل: 23]، وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالتَّوَاضُعِ فَقَالَ: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان: 63]، يَعْنِي مُتَوَاضِعِينَ وَمَدَحَهُمْ بِتَوَاضُعِهِمْ، وَأَمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ بِالتَّوَاضُعِ فَقَالَ: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: 88]، {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 215]، وَمَدَحَ النَّبِيَّ ﷺ بِخُلُقِهِ فقَالَ: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] .
وَكَانَ خُلُقُهُ التَّوَاضُعُ، لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ كَانَ يَرْكَبُ الْحِمَارَ وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْمَمْلُوكِ، فَثَبَتَ أَنَّ التَّوَاضُعَ مِنْ أَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ.
وَكَانَ الصَّالِحُونَ مِنْ قَبْلُ، أَخْلَاقُهُمُ التَّوَاضُعُ، فَوَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَقْتَدِيَ بِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ .
وَذُكِرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَنَّهُ أَتَاهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ ضَيْفٌ، فَلَمَّا صَلَّى الْعِشَاءَ، وَكَانَ يَكْتُبُ شَيْئًا وَالضَّيْفُ عِنْدَهُ، كَادَ السِّرَاجُ أَنْ يَنْطَفِئَ فَقَالَ الضَّيْفُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَقُومُ إِلَى الْمِصْبَاحِ فَأُصْلِحُهُ؟ قَالَ: لَيْسَ مِنْ مُرُوءَةِ الرَّجُلِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ ضَيْفَهُ.
قَالَ: أَفَأُنَبِّهُ الْغُلَامَ؟ قَالَ: لَا.
هِيَ أَوَّلُ نَوْمَةٍ نَامَهَا.
فَقَامَ عُمَرُ وَأَخَذَ الْبَطَّةَ فَمَلَأَ الْمِصْبَاحَ.
فَقَالَ الضَّيْفُ: قُمْتَ بِنَفْسِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: ذَهَبْتُ وَأَنَا عُمَرُ وَرَجَعْتُ وَأَنَا عُمَرُ، وَخَيْرُ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْ كَانَ مُتَوَاضِعًا.
وَرُوِيَ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى الشَّامِ تَلَقَّاهُ عُلَمَاؤُهَا وَكُبَرَاؤُهَا فَقِيلَ: ارْكَبْ هَذَا الْبِرْذَوْنَ يَرَكَ النَّاسُ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ تَرَوْنَ الْأَمْرَ مِنْ هَهُنَا، إِنَّمَا الْأَمْرُ مِنْ هَهُنَا، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى السَّمَاءِ، خَلُّوا سَبِيلِي.
وَرُوِيَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غُلَامِهِ مُنَاوَبَةً، فَكَانَ يَرْكَبُ النَّاقَةَ وَيَأْخُذُ الْغُلَامَ بِزِمَامِ النَّاقَةِ وَيَسِيرُ مِقْدَارَ فَرْسَخٍ، ثُمَّ يَنْزِلُ نَوْبَةَ رُكُوبِ الْغُلامِ، فَرَكِبَ الْغُلامُ وَأَخَذَ عُمَرُ بِزِمَامِ النَّاقَةِ، فَاسْتَقْبَلَهُ الْمَاءُ فِي الطَّرِيقِ، فَجَعَلَ عُمَرُ يَخُوضُ فِي الْمَاءِ وَنَعْلُهُ تَحْتَ إِبِطِهِ الْيُسْرَى، وَهُوَ آخِذٌ بِزِمَامِ النَّاقَةِ، فَخَرَجَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى الشَّامِ وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ عُظَمَاءَ الشَّامِ يَخْرُجُونَ إِلَيْكَ، فَلَا يَحْسُنُ أَنْ يَرَوْكَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: إِنَّمَا أَعَزَّنَا اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِسْلَامِ، فَلَا نُبَالِي مِنْ مَقَالَةِ النَّاسِ.
وَذُكِرَ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ كَانَ أَمِيرًا بِالْمَدِينَةِ، فَاشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ عُظَمَائِهَا شَيْئًا، فَمَرَّ بِهِ سَلْمَانُ فَحَسِبَهُ عِلْجًا فَقَالَ: تَعَالَ فَاحْمِلْ هَذَا فَحَمَلَهُ سَلْمَانُ، فَجَعَلَ يَتَلَقَّاهُ النَّاسُ وَيَقُولُونَ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، نَحْنُ نَحْمِلُ عَنْكَ، فَأَبَى أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِمْ.
فَقَالَ الرَّجُلُ فِي نَفْسِهِ: وَيْحَكَ إِنِّي لَمْ أُسَخِّرْ إِلَّا الْأَمِيرَ.
فَجَعَلَ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ وَيَقُولُ: لَمْ أَعْرِفْكَ أَصْلَحَكَ اللَّهُ.
فَقَالَ: انْطَلِقْ فَذَهَبَ بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا أُسَخِّرُ أَحَدًا أَبَدًا.
وَرُوِيَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ أَمِيرًا بِالْكُوفَةِ، فَخَرَجَ إِلَى حَانُوتِ الْعَلَّافِ فَاشْتَرَى مِنْهُ الْقَتَّ، فَرَبَطَهُ الْبَائِعُ.
وَأَخَذَ الْبَائِعُ جَانِبَ الْحِزْمَةِ، فَجَعَلَ يَمُدُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَهُ، حَتَّى صَارَ نِصْفُ الْقَتِّ فِي يَدِ هَذَا، وَنِصْفُهُ فِي يَدِ هَذَا، ثُمَّ جَعَلَهُ عَلَى عَاتِقِ عَمَّارٍ فَذَهَبَ بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّهُ بَعَثَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَمِيرًا عَلَى الْبَحْرَيْنِ، فَدَخَلَ الْبَحْرَيْنِ وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى حِمَارٍ، وَجَعَلَ يَقُولُ: طَرِّقُوا لِلْأَمِيرِ، طَرِّقُوا لِلْأَمِيرِ، فَهَؤُلَاءِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ خُلُقُهُمُ التَّوَاضُعَ، وَكَانُوا أَعِزَّاءَ عِنْدَ الْخَلْقِ، وَعِنْدَ الْمَلَائِكَةِ وَعِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
237- وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأَنَّهُ قَالَ: «مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ، وَمَا عَفَا رَجُلٌ عَنْ مَظْلَمَةٍ إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى عِزًّا» .
238- وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، وَبَيْنَ يَدَيْهِ طَبَقٌ فِيهِ قَدِيدٌ، وَهُوَ جَاثٍ عَلَى رُكْبَتَيْهِ يَأْكُلُ، فَأَتَتِ امْرَأَةٌ بَذِيَّةٌ فحّاشة، مَا تُبَالِي لَقِيَتِ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً فَنَظَرَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: انْظُرُوا إِلَيْهِ يَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَنَا عَبْدٌ أَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ، وَآكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ».
وَقَالَ لَهَا: «كُلِي» فَقَالَتْ: لَا، إِلَّا أَنْ تُطْعِمَنِي بِيَدِكَ.
فَأَطْعَمَهَا، فَقَالَتْ: لَا، حَتَّى تُطْعِمَنِي مِنْ فِيكَ.
وَكَانَ فِي فَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدِيدَةٌ فِيهَا عَصَبٌ قَدْ مَضَغَهَا، فَأَخْرَجَهَا فَأَعْطَاهَا إِيَّاهَا، قَالَ: فَأَخَذَتْهَا وَمَضَغَتْهَا، فَمَا هِيَ أَنْ وَقَعَتْ فِي بَطْنِهَا فَغَشِيَهَا مِنَ الْحَيَاءِ حَتَّى مَا كَانَتْ تَسْتَطِيعُ النَّظَرَ إِلَى أَحَدٍ، قَالَ: فَمَا سُمِعَ مِنْهَا بَعْدَ يَوْمِهَا ذَلِكَ بِبَاطِلٍ حَتَّى لَحِقَتْ بِاللَّهِ تَعَالَى.
239- وَرَوَى الْحَسَنُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أُوتِيتُ مَفَاتِيحَ الْأَرْضِ، فَخُيِّرْتُ بَيْنَ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا نَبِيًّا أَوْ نَبِيًّا مَلَكًا، فَأَوْمَأَ إِلَيَّ جِبْرِيلُ أَنْ تَوَاضَعْ وَكُنْ عَبْدًا، فَاخْتَرْتُ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا نَبِيًّا، فَأُوتِيتُ ذَلِكَ وَإِنِّي أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ».
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: مَنْ تَوَاضَعَ تَخَشُّعًا رَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ تَطَاوَلَ تَعَظُّمًا، وَضَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
240- وَذُكِرَ عَنْ قَتَادَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَنَّهُ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «مَنْ فَارَقَتْ رُوحُهُ جَسَدَهُ» وَفِي رِوَايَةٍ: مَنْ فَارَقَ الدُّنْيَا «وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ ثَلَاثٍ دَخَلَ الْجَنَّةَ: مِنَ الْكِبْرِ وَالْخِيَانَةِ وَالدَّيْنِ».
قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، بِإِسْنَادِهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرَ، قَالَ: دَخَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ السُّوقَ فَاشْتَرَى قَمِيصَيْنِ مِنْ هَذِهِ الْكَرَابِيسِ بِسِتَّةِ دَرَاهِمَ، ثُمَّ قَالَ لِغُلَامِهِ: يَا أَسْوَدُ، اخْتَرْ أَيَّهُمَا شِئْتَ، فَاخْتَارَ الْغُلَامُ خَيْرَهُمَا، وَلَبِسَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ الْآخَرَ فَفَضَلَ كُمَّاهُ عَلَى أَطْرَافِهِ، فَدَعَا بِالشَّفْرَةِ فَقَطَعَ كُمَّيْهِ.
وَخَطَبَ بِالنَّاسِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ وَنَحْنُ نَنْظُرُ إِلَى تِلْكَ الْهُدَبِ عَلَى ظَهْرِ كَفَّيْهِ.
وَرَأَى رَجُلًا قَدْ أَسْبَلَ ثَوْبَهُ فَقَالَ: يَا فُلَانُ، ارْفَعْ ثَوْبَكَ. فَإِنَّهُ أَنْقَى لِثَوْبِكَ وَأَتْقَى لِقَلْبِكَ، وَأَبْقَى عَلَيْكَ.
241- وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عن النبي ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «قَالَ تَعَالَى: الْعَظَمَةُ إِزَارِي، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، فَمَنْ نَازَعَنِي فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْقَيْتُهُ فِي النَّارِ ولا أبالي».
قال الفقيه: «الْعَظَمَةُ إِزَارِي وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي» يَعْنِي إِنَّهُمَا مِنْ صِفَاتِي، كَمَا فِي الْقُرْآنِ: {الْعَزِيزِ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ} فَهُمَا صِفَتَانِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ الضَّعِيفِ أَنْ يَتَكَبَّرَ.
Post a Comment