بَابُ: فَضْلِ طَلَبِ الْعِلْمِ

بَابُ: فَضْلِ طَلَبِ الْعِلْمِ

665- قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَرَّاقُ، حَدَّثَنَا خُشْنَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَلَّبِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُدَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ رَجَاءٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ جَمِيلٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ:
كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ جِئْتُكَ مِنْ مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ  فِي حَدِيثٍ بَلَغَنِي أَنَّكَ حَدَّثْتَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  فَقَالَ: مَا جِئْتَ لِتِجَارَةٍ وَلَا لِحَاجَةٍ وَلَا جِئْتَ إِلَّا لِهَذَا؟ قَالَ: مَا جِئْتُ إِلَّا لِهَذَا.
قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ، يَقُولُ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَصْنَعُ، وَإِنَّ الْعَالِمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ، كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ».

666- قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَرِيكٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ جَعْفَرَ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي الْعُمَيْسِ، عَنِ الْقَاسِمِ قَالَ:
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: " مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ طَالِبُ الْعِلْمِ، وَطَالِبُ الدُّنْيَا، وَهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ، أَمَّا طَالِبُ الْعِلْمِ فَيَزْدَادُ رِضًا مِنَ الرَّحْمَنِ، وَأَمَّا طَالِبُ الدُّنْيَا فَيَزْدَادُ فِي الطُّغْيَانِ.
ثُمَّ قَرَأَ: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]، وَقَرَأَ: {كَلَّا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6-
7].

قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَرَّاقُ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ الْمَصْرِيُّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: " دَخَلْتُ مَسْجِدَ الْبَصْرَةِ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ سَرِيعٍ يَقُصُّ عَلَى النَّاسِ، وَقَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَسْجِدِ، وَخَلْفَهُ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ جُلُوسٌ فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى يَتَحَدَّثُونَ الْفِقْهَ وَيَتَذَاكَرُونَ فَرَكَعْتُ بَيْنَ الْحَلْقَةِ وَالذِّكْرِ، فَلَمَّا فَرَغْتُ قُلْتُ: لَوْ أَتَيْتُ حَلْقَةَ الْفَقِيهِ لَعَلِّي أَسْمَعُ كَلِمَةً لَمْ أَسْمَعْهَا، فَأَعْمَلَ بِهَا.
فَلَمْ أَزَلْ أُخَيِّرُ نَفْسِي فِي ذَلِكَ حَتَّى جَاوَزْتُهُمْ، فَلَمْ أَقْعُدْ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، فَلَمَّا كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ أَتَانِي آتٍ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَ الْحَلْقَةَ، الَّتِي كَانَ يُذْكَرُ فِيهَا الْفِقْهُ، لَوَجَدْتَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَهُمْ جَالِسًا

667- قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ جَعْفَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى عُتَقَاءِ اللَّهِ مِنَ النَّارِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى الْمُتَعَلِّمِينَ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا مِنْ مُتَعَلِّمٍ يَخْتَلِفُ إِلَى بَابِ الْعَالِمِ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ وَبِكُلِّ قَدَمٍ، عِبَادَةَ سَنَةٍ، وَبَنَى لَهُ بِكُلِّ قَدَمٍ مَدِينَةً فِي الْجَنَّةِ، وَيَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَالْأَرْضُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ، وَيُمْسِي وَيُصْبِحُ مَغْفُورًا لَهُ، وَشَهِدَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ اللَّهِ مِنَ النَّارِ».

668- قَالَ: سَمِعْتُ الْفَقِيهَ أَبَا جَعْفَرَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، يَذْكُرُ بِإِسْنَادِهِ، أَنَّ النَّبِيَّ  دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَرَأَى مَجْلِسَيْنِ، أَحَدُهُمَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ، وَالْآخَرُ يَتَعَلَّمُونَ الْفِقْهَ، وَيَدْعُونَ اللَّهَ، وَيَرْغَبُونَ إِلَيْهِ فَقَالَ: «كِلَا الْمَجْلِسَيْنِ عَلَى خَيْرٍ، وَأَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنَ الْآخَرِ، أَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَدْعُونَ اللَّهَ، فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ، وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ، وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَتَعَلَّمُونَ وَيُعَلِّمُونَ الْجَاهِلَ، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا، فَهَؤُلَاءِ أَفْضَلُ، ثُمَّ جَلَسَ مَعَهُمْ».

وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: لَأَنْ أَتَعَلَّمَ مَسْأَلَةً أَحَبُّ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ .

وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: أَنْتُمْ فِي زَمَنٍ، الْعَمَلُ فِيهِ خَيْرٌ مِنَ الْعِلْمِ، وَسَيَأْتِي زَمَنٌ الْعِلْمُ فِيهِ خَيْرٌ مِنَ الْعَمَلِ.

669- وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، أَنَّهُ قَالَ: «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ ثَلَاثَةٌ: طَلَبُ الْعِلْمِ، وَالْجِهَادُ، وَالْكَسْبُ، لِأَنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ حَبِيبُ اللَّهِ، وَالْغَازِي وَلِيُّ اللَّهِ، وَالْكَاسِبُ صَدِيقُ اللَّهِ».

670- وَرَوَى أَبَانٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهِ الْعِلْمُ، فَيَكُونَ لِلَّهِ، وَمَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِلَّهِ، فَهُوَ كَالصَّائِمِ نَهَارِهِ وَالْقَائِمِ لَيْلِهِ، وَإِنَّ بَابًا مِنَ الْعِلْمِ يَتَعَلَّمُهُ الرَّجُلُ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَبُو قُبَيْسٍ ذَهَبًا، فَأَنْفَقَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى» .

وَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: إِلَى مَتَى يَحْسُنُ لِلْمَرْءِ أَنْ يَتَعَلَّمَ قَالَ: مَا دَامَ يَقْبُحُ عَلَيْهِ الْجَهْلُ يَحْسُنُ لَهُ التَّعَلُّمُ .

وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ، أَنَّهُ كَانَ فِي حَالِ الْمَوْتِ، وَرَجُلٌ عِنْدَهُ يَكْتُبُ لَهُ الْعِلْمَ فَقِيلَ لَهُ: فِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَكْتُبُ الْعِلْمَ؟ فَقَالَ: لَعَلَّ الْكَلِمَةَ الَّتِي تَنْفَعُنِي لَمْ تَبْلُغْنِي إِلَى الْآنَ.

671- وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ حَسَنَةٌ، وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ، وَمُذَاكَرَتَهُ تَسْبِيحٌ، وَالْبَحْثُ عَنْهُ جِهَادٌ وَتَعْلِيمَهُ مَنْ لَا يَعْلَمَهُ صَدَقَةٌ، وَبَذْلَهُ لِأَهْلِهِ قُرْبَةٌ، أَلَا إِنَّ الْعِلْمَ سَبِيلُ مَنَازِلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَهُوَ الْمُؤْنِسُ فِي الْوَحْشَةِ، وَالصَّاحِبُ فِي الْغُرْبَةِ، وَالْمُحَدِّثُ فِي الْخَلْوَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى السَّرَّاءِ، وَالْمُعِينُ عَلَى الضَّرَّاءِ وَالزَّيْنُ عِنْدَ الْأَخِلَّاءِ وَالسِّلَاحُ عَلَى الْأَعْدَاءِ يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ أَقْوَامًا فَيَجْعَلُهُمْ فِي الْخَيْرِ قَادَةً أَئِمَّةً تُقْتَفَى آثَارُهُمْ، وَيُقْتَدَى بِأَفْعَالِهِمْ، وَتَرْغَبُ الْمَلَائِكَةُ فِي خِلِّهِمْ، وَبِأَجْنِحَتِهَا تَمْسَحُهُمْ، وَيُصَلِّي عَلَيْهِمْ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ، وَحِيتَانُ الْبَحْرِ، وَهَوَامُّ الْأَرْضِ، وَسِبَاعُ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَالْأَنْعَامُ، لِأَنَّ الْعِلْمَ حَيَاةُ الْقُلُوبِ مِنَ الْجَهْلِ، وَمِصْبَاحُ الْأَبْصَارُ مِنَ الظُّلْمَةِ، وَقُوَّةُ الْأَبْدَانِ مِنَ الضَّعْفِ، وَيَبْلُغُ بِالْعَبْدِ مَنَازِلَ الْأَخْيَارِ وَالْأَبْرَارِ، وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالتَّفَكُّرُ فِيهِ يُعْدَلُ بِالصِّيَامِ، وَمُذَاكَرَتُهُ تُعْدَلُ بِالْقِيَامِ، وَبِهِ تُوصَلُ الْأَرْحَامُ، وَبِهِ يُعْرَفُ الْحَلَالُ مِنَ الْحَرَامِ، وَهُوَ إِمَامٌ، وَالْعَمَلُ تَابِعُهُ، وَيُلْهَمُهُ السُّعَدَاءُ، وَيُحْرَمُهُ الْأَشْقِيَاءُ.

قَالَ الْفَقِيهُ: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، قَالَ: مَا أَعْلَمُ شَيْئًا أَفْضَلَ مِنَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ،  إلا أن يكون طلب العلم، فإنه أفضل من الجهاد في سبيل الله، وَمَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ، فِي طَلَبِ بَابٍ مِنَ الْعِلْمِ حَفَّتْهُ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا، وَصَلَّتْ عَلَيْهِ الطُّيُورُ فِي جَوِّ السَّمَاءِ، وَالسِّبَاعُ فِي الْبَرِّ، وَالْحِيتَانُ فِي الْبَحْرِ، وَآتَاهُ اللَّهُ أَجْرَ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ صِدِّيقًا، أَلَا فَاطْلُبُوا الْعِلْمَ وَاطْلُبُوا لِلْعِلْمِ السَّكِينَةَ، وَالْحِلْمَ، وَالْوَقَارَ، وَتَوَاضَعُوا لِمَنْ تَتَعَلَّمُونَ مِنْهُ، وَلِمَنْ تُعَلِّمُونَهُ، وَلَا تُبَاهُوا بِهِ الْعُلَمَاءَ، وَلَا تُمَارُوا بِهِ السُّفَهَاءَ، وَلَا تَخْتَلِفُوا بِهِ إِلَى الْأُمَرَاءِ، وَلَا تَطَاوَلُوا بِهِ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ، فَتَكُونُوا مِنْ جَبَابِرَةِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ أَدْرَكَهُمْ سَخَطُ اللَّهِ، فَكَبَّهُمْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، اطْلُبُوا عِلْمًا لا يَضُرُّكُمْ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَاعْبُدُوا اللَّهَ عِبَادَةً لَا تَضُرُّكُمْ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِهَذَا إِلَّا هَذَا، وَلَا تَكُونُوا كَأَقْوَامٍ تَرَكُوا طَلَبَ الْعِلْمِ، وَأَقْبَلُوا عَلَى الْعِبَادَةِ، حَتَّى إِذَا نُحِلَتْ جُلُودُهُمْ عَلَى أَجْسَادِهِمْ، خَرَجُوا عَلَى النَّاسِ بِأَسْيَافِهِمْ، وَلَوْ أَنَّهُمْ طَلَبُوا الْعِلْمَ لَكَانَ الْعِلْمُ يَحْجُزُهُمْ عَمَّا صَنَعُوا، وَإِنَّ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَالْحَائِدِ عَنِ الطَّرِيقِ، فَهُوَ لَا يَزْدَادُ اجْتِهَادًا إِلَّا ازْدَادَ بُعْدًا، وَكَانَ مَا يُفْسِدُهُ أَكْثَرَ  مِمَّا يُصْلِحُهُ، قِيلَ لَهُ: عَمَّنْ هَذَا يَا أَبَا سَعِيدٍ؟ قَالَ: لَقِيتُ فِيهِ سَبْعِينَ بَدْرِيًّا وَاغْتَرَبْتُ فِي طَلَبِهِ أَرْبَعِينَ عَامًا.

وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ مَا لِي أَرَى عُلَمَاءَكُمْ يَذْهَبُونَ وَجُهَّالَكُمْ لَا يَتَعَلَّمُونَ، تَعَلَّمُوا قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ فَإِنَّ رَفْعَ الْعِلْمِ ذَهَابُ الْعُلَمَاءِ.

672- وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَرْفَعُ الْعِلْمَ بِقَبْضٍ يَقْبِضُهُ، وَلَكِنِ الْعُلَمَاءَ بِعِلْمِهِمْ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا، فَيُسْأَلُونَ فَيُحَدِّثُونَ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» .

وَعَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: لَوْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْكَ أَنَّكَ مَيِّتٌ الْعَشِيَّةَ، مَا أَنْتَ صَانِعٌ الْيَوْمَ؟ قَالَ: أَطْلُبُ فِيهِ الْعِلْمَ .

وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، قَالَ: لَا يَزَالُ الْفَقِيهُ فِي الصَّلَاةِ قِيلَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: لِأَنَّكَ لَا تَلْقَاهُ إِلَّا وَذِكْرُ اللَّهِ تعالى على لسانه، يحل حلالا ويحرم حراما.

ويقال: العلماء سِراجُ الأزمنة، فكلُّ عالم مصباح زمانه يستضيءُ به أهلُ عصره .

وروي عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، أَنَّهُ قَالَ: اشْتَرَانِي مَوْلَايَ بِثَلاثِ مِائَةِ دِرْهَمٍ فَأَعْتَقَنِي، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي، بِأَيِّ الْحِرَفِ أَحْتَرِفُ؟ فَاخْتَرْتُ الْعِلْمَ عَلَى كُلِّ الْحِرَفِ فَلَمْ يَمْضِ كَثِيرُ مُدَّةٍ، حَتَّى إِنَّهُ أَتَانِي الْخَلِيفَةُ زَائِرًا فَلَمْ آذَنْ لَهُ .

وَذُكِرَ عَنْ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَجْلَسَهُ عَلَى وِسَادَتِهِ، فَقَالَ صَالِحٌ: قَالَ الْحَسَنُ، وَصَدَقَ الْحَسَنُ، فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: وَأَيُّ شَيْءٍ قَالَ الْحَسَنُ؟ قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ الْعِلْمَ يَزِيدُ الشَّرِيفَ شَرَفًا، وَيَبْلُغُ بِالْعَبْدِ مَنَازِلَ الْأَحْرَارِ، وَإِلَّا فَمَنْ صَالِحٌ الْمُرِّيُّ، حَتَّى يَجْلِسَ عَلَى وِسَادَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَوْلَا الْعِلْمُ.

673- وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّهُ قَالَ: اطْلُبُوا الْعِلْمَ وَلَوْ بِالصِّينِ، فَإِنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ.

وَرَوَى الْمُسَيِّبُ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَقَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَعَلَّمَ، وَأَخَافُ أَنْ أُضَيِّعَهُ وَلَا أَعْمَلَ بِهِ، قَالَ: أَمَا إِنَّكَ إِنْ تَوْسَّدْتَ الْعِلْمَ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَتَوَسَّدَ الْجَهْلَ، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ.
فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: إِنَّ النَّاسَ يُبْعَثُونَ عَلَى مَا مَاتُوا عَلَيْهِ، يُبْعَثُ الْعَالِمُ عَالِمًا، وَالْجَاهِلُ جَاهِلًا.
ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ.
فَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ: رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مَا أَنْتَ بِوَاجِدٍ شَيْئًا أَضْيَعُ لَهُ مِنْ تَرْكِهِ

674- وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ: «مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ فِقْهٍ فِي الدِّينِ، وَلَفَقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ، وَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ عِمَادًا، وَعِمَادُ الدِّينِ الْفِقْهُ».

وَذُكِرَ فِي الْخَبَرِ: أَنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ اخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْعِلْمُ أَفْضَلُ مِنَ الْمَالِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمَالُ أَفْضَلُ مِنَ الْعِلْمِ.
فَبَعَثُوا رَسُولًا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: الْعِلْمُ أَفْضَلُ، فَقَالَ الرَّسُولُ: إِنْ سَأَلُونِي عَنِ الْحُجَّةِ مَاذَا أَقُولُ لَهُمْ؟ قَالَ: قُلْ لَهُمْ: إِنَّ الْعِلْمَ مِيرَاثُ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْمَالَ مِيرَاثُ الْفَرَاعِنَةِ، وَلِأَنَّ الْعِلْمَ يَحْرُسُكَ، وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ، وَلِأَنَّ الْعِلْمَ لَا يُعْطِيهِ اللَّهُ إِلَّا مَنْ يُحِبُّهُ، وَالْمَالَ يُعْطِيهِ اللَّهُ لِمَنْ أَحَبَّهُ وَلِمَنْ لَا يُحِبُّهُ، بَلْ يُعْطِي لِمَنْ لَا يُحِبُّهُ أَكْثَرَ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} [الزخرف: 33] : الْآيَةَ.
وَلِأَنَّ الْعِلْمَ لَا يَنْقُصُ بِالْبَذْلِ وَالنَّفَقَةِ، وَالْمَالُ يَنْقُصُ بِالْبَذْلِ وَالنَّفَقَةِ، وَلِأَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ إِذَا مَاتَ انْقَطَعَ ذِكْرُهُ، وَالْعَالِمَ إِذَا مَاتَ فَذِكْرُهُ بَاقٍ، وَلِأَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ مَيِّتٌ، وَصَاحِبَ الْعِلْمِ لَا يَمُوتُ، وَلِأَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ يَسْأَلُ عَنْ كُلِّ دِرْهَمٍ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَأَيْنَ أَنْفَقَهُ؟ وَصَاحِبُ الْعِلْمِ لَهُ بِكُلِّ حَدِيثٍ دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ.

وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، أَنَّهُ قَالَ: النَّاسُ ثَلَاثَةٌ عَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ النَّجَاةِ، وَسَائِرُ النَّاسِ هَمَجٌ رِعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ.

وَقَالَ: الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ، الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ، وَالْعِلْمُ يَزْكُو مَعَ النَّفَقَةِ، وَالْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ، وَالْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ، وَأَمْثَالُهُمْ فِي الْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ.

وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: الْعَالِمُ وَالْمُتَعَلِّمُ فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا النَّاسُ رَجُلَانِ: عَالِمٌ وَمُتَعَلِّمٌ وَلَا خَيْرَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ.

Tidak ada komentar