بَابُ: الْوَرَعِ
بَابُ: الْوَرَعِ
قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطَرِّفٍ، يَقُولُ: «إِنَّكَ لَتَلْقَى الرَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَكْثَرُ صَوْمًا، وَصَلَاةً، وَصَدَقَةً، وَإِنَّ الْآخَرَ أَفْضَلُ مِنْهُ ثَوَابًا»، قِيلَ لَهُ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «هُوَ أَشَدُّهُمَا وَرَعًا».
732- قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ عِمَارَةَ، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا تَوَجَّهَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ نَحْوَ قَرْيَةِ مُؤْتَةَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوصنِي، قَالَ: «إِنَّكَ تَقْدَمُ أَرْضًا السُّجُودُ بِهَا قَلِيلٌ، فَاسْتَكْثِرْ مِنَ السُّجُودِ بِهَا»، قَالَ: زِدْنِي، قَالَ: «اذْكُرِ اللَّهَ فَإِنَّهُ عَوْنٌ لَكَ عَلَى مَا تَطْلُبُ»، فَوَلَّى ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زِدْنِي، قَالَ: «اذْكُرِ اللَّهَ تَعَالَى فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ»، قَالَ: زِدْنِي «نَعَمْ لَا تَعْجَزَنَّ لَا تَعْجَزَنَّ لَا تَعْجَزَنَّ، إِنْ أَسَأْتَ عَشْرًا أَنْ تُحْسِنَ وَاحِدَةً».
733- قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَعَنْهُمْ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «تَقَبَّلُوا لِي سِتًّا أَتَقَبَّلُ لَكُمُ الْجَنَّةَ: إِذَا حَدَّثْتُمْ فَلَا تَكْذِبُوا، وَإِذَا وَعَدْتُمْ فَلَا تُخْلِفُوا، وَإِذَا ائْتُمِنْتِمْ فَلَا تَخُونُوا، وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ عَنِ الْحَرَامِ، تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ».
734- عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَبْدِي أَدِّ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْكَ، تَكُنْ مِنْ أَعْبَدِ النَّاسِ، وَانْتَهِ عَمَّا نَهَيْتُكَ عَنْهُ، تَكُنْ مِنْ أَوْرَعِ النَّاسِ، وَاقْنَعْ، بِمَا رَزَقْتُكَ تَكُنْ مِنْ أَغْنَى النَّاسِ».
وَعَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: خَمْسٌ مِنْ عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ: الْيَقِينُ فِي الْقَلْبِ، وَالْوَرَعُ فِي الدِّينِ، وَالزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا، وَالْحَيَاءُ فِي الْعَيْنَيْنِ، وَالْخَشْيَةُ فِي الْبَدَنِ، وَخَمْسٌ مِنْ عَلَامَاتِ الشَّقَاوَةِ: الْقَسْوَةُ فِي الْقُلُوبِ، وَالْجُمُودُ فِي الْعَيْنَيْنِ، وَقِلَّةُ الْحَيَاءِ، وَالرَّغْبَةُ فِي الدُّنْيَا، وَطُولُ الْأَمَلِ .
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا نَدَعُ تِسْعَةَ أَعْشَارٍ مِنَ الْحَلَالِ مَخَافَةَ أَنْ نَقَعَ فِي الشُّبْهَةِ، أَوْ فِي الْحَرَامِ .
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، نَحْوَ هَذَا .
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: أَمْرُ الدُّنْيَا كُلِّهَا عَجَبٌ، وَلَكِنِّي أَتَعَجَّبُ مِنَ ابْنِ آدَمَ الْمَغْرُورِ، فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ:
أَوَّلُهَا: أَتَعَجَّبُ مِنْ صَاحِبِ فُضُولِ الدُّنْيَا، كَيْفَ لَا يُقَدِّمُ فُضُولَهُ لِيَوْمِ فَقْرِهِ وَحَاجَتِهِ إِلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَتَعَجَّبُ مِنْ لِسَانٍ نَاطِقٍ، كَيْفَ يُطَاوِعُ نَفْسَهُ، وَيُعْرِضُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَنْ تِلاوَةِ الْقُرْآنِ.
وَالثَّالِثُ: أَتَعَجَّبُ مِنْ صَحِيحٍ فَارِغٍ رَأَيْتُهُ مُفْطِرًا أَبَدًا، كَيْفَ لَا يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ نَحْوَهُ، وَكَيْفَ لَا يَتَفَكَّرُ فِي عَاقِبَةِ الصَّوْمِ إِذَا اسْتَقْبَلَهُ.
وَالرَّابِعُ: أَتَعَجَّبُ مِنَ الَّذِي يُمَهِّدُ فِرَاشَهُ، وَيَنَامُ إِلَى الصُّبْحِ، كَيْفَ لَا يُفَكِّرُ فِي فَضْلِ صَلَاة رَكْعَتَيْنِ فِي اللَّيْلِ، فَيَقُومُ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ.
وَالْخَامِسُ: أَتَعَجَّبُ مِنَ الَّذِي يَجْتَرِئُ عَلَى اللَّهِ، وَيَرْتَكِبُ مَا نَهَاهُ عَنْهُ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُعْرَضُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَكَيْفَ لَا يَتَفَكَّرُ فِي عَاقِبَةِ أَمْرِهِ لِيَنْزَجِرَ عَنْهُ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ، أَنَّهُ قَالَ: تَرْكُ فَلْسٍ مِنْ حَرَامٍ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ فَلْسٍ أَتَصَدَّقُ بِهَا.
وَعَنْهُ أَنَّهُ كَانَ بِالشَّامِ يَكْتُبُ الْحَدِيثَ، فَانْكَسَرَ قَلَمُهُ، فَاسْتَعَارَ قَلَمًا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْكِتَابَةِ نَسِيَ فَجَعَلَ الْقَلَمَ فِي مِقْلَمَتِهِ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مَرْوٍ، وَرَأَى الْقَلَمَ عَرَفَهُ فَتَجَهَّزَ لِلْخُرُوجِ إِلَى الشَّامِ لِرَدِّ الْقَلَمِ.
735- وَعَنِ الشَّعْبِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ، فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ، وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى الْغَنَمَ حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَى وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً فَإِنْ صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِنْ فَسَدَ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» .
وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: لِكُلِّ شَيْءٍ حَدٌّ وَحُدُودُ الْإِسْلَامِ الْوَرَعُ، وَالتَّوَاضُعُ، وَالشُّكْرُ، وَالصَّبْرُ، فَالْوَرَعُ مِلَاكُ الْأُمُورِ، وَالتَّوَاضُعُ بَرَاءَةٌ مِنَ الْكِبْرِ، وَالصَّبْرُ النَّجَاةُ مِنَ النَّارِ، وَالشُّكْرُ الْفَوْزُ بِالْجَنَّةِ.
736- وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ صَلَّيْتُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَالْحَنَايَا، وَصُمْتُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَالْأَوْتَارِ، فَمَا يَنْفَعُكُمْ إِلَّا بِالْوَرَعِ» .
قَالَ الْفَقِيهُ رَحِمَهُ اللَّهُ: عَلَامَةُ الْوَرَعِ أَنْ يَرَى عَشَرَةَ أَشْيَاءَ فَرِيضَةً عَلَى نَفْسِهِ:
أَوَّلُهَا: حِفْظُ اللِّسَانِ عَنِ الْغِيبَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} [الحجرات: 12].
وَالثَّانِي: الِاجْتِنَابُ عَنْ سُوءِ الظَّنِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12]،
737- وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّهُ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» .
وَالثَّالِثُ: الِاجْتِنَابُ عَنِ السُّخْرِيَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ} [الحجرات: 11].
وَالرَّابِعُ: غَضُّ الْبَصَرِ عَنِ الْمَحَارِمِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور: 30].
وَالْخَامِسُ: صِدْقُ اللِّسَانِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: " {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا} [الأنعام: 152]، يعني فاصدقوا.
وَالسَّادِسُ: أَنْ يَعْرِفَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَى نَفْسِهِ، لِكَيْلَا يُعْجَبَ بِنَفْسِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الحجرات: 17].
وَالسَّابِعُ: أَنْ يُنْفِقَ مَالَهُ فِي الْحَقِّ، وَلَا يُنْفِقُهُ فِي الْبَاطِلِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا} [الفرقان: 67]، يَعْنِي لَمْ يُنْفِقُوا فِي الْمَعْصِيَةِ، وَلَمْ يَمْنَعُوا مِنَ الطَّاعَةِ: {وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67]، أَيْ عَدْلًا.
وَالثَّامِنُ: أَنْ لَا يَطْلُبَ لِنَفْسِهِ الْعُلُوَّ وَالْكِبْرَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا} [القصص: 83].
وَالتَّاسِعُ: الْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي أَوْقَاتِهَا، بِرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] .
والعاشر: الاستقامة على السنة والجماعة؛ لقوله تعالى: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[الأنعام:153].
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: ثَلَاثُ خِصَالٍ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا تَتْرُكَ شَيْئًا مِنْهَا أَبَدًا فَافْعَلْ، لَا تَبْغِيَنَّ عَلَى أَحَدٍ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [يونس: 23]، وَلَا تَمْكُرَنَّ عَلَى أَحَدٍ مَكْرًا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43]، وَلَا تَنْكُثَنَّ عَهْدًا أَبَدًا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} [الفتح: 10].
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الزُّهْدُ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: زُهْدٌ فَرْضٌ، وَزُهْدٌ فَضْلٌ، وَزُهْدٌ سَلَامَةٌ، فَالزُّهْدُ الْفَرْضُ: هُوَ الزُّهْدُ فِي الْحَرَامِ، وَالزُّهْدُ الْفَضْلُ، هُوَ الزُّهْدُ فِي الْحَلَالِ، وَزُهْدُ السَّلَامَةِ، هُوَ الزُّهْدُ فِي الشُّبُهَاتِ.
وَقَالَ أَيْضًا: الْوَرَعُ وَرَعَانِ: وَرَعٌ فَرْضٌ وَوَرَعٌ حَذَرٌ، فَالْوَرَعُ الْفَرْضُ الْوَرَعُ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى، وَالْوَرَع الْحَذَرُ الْوَرَعُ عَنِ الشُّبُهَاتِ.
وَالْحُزْنُ حُزْنَانِ: حُزْنٌ لَكَ وَحُزْنٌ عَلَيْكَ، فَالْحُزْنُ الَّذِي هُوَ لَكَ حُزْنُكَ عَلَى الْآخِرَةِ، وَالْحُزْنُ الَّذِي عَلَيْكَ حُزْنُكَ عَلَى الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا.
قَالَ الْفَقِيهُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَنْ يَكُفَّ بَصَرَهُ عَنِ الْحَرَامِ، وَيَكُفَّ لِسَانَهُ عَنِ الْكَذِبِ، وَالْغِيبَةِ، وَيَكُفَّ جَمِيعَ أَعْضَائِهِ وَجَمِيعَ جَوَارِحِهِ عَنِ الْحَرَامِ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ أَتَى بِزَيْتٍ مِنَ الشَّامِ، وَكَانَتِ الزَّيْتُ فِي الْجِفَانِ، يَعْنِي فِي الْقِصَاعِ، وَعُمَرُ يُقَسِّمُهُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْأَقْدَاحِ، وَعِنْدَهُ ابْنٌ لَهُ شَعَرَاتٍ، فَكُلَّمَا أُفْرِغَتْ جَفْنَةٌ مَسَحَ بَقِيَّتَهَا بِرَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَرَى شَعْرَكَ شَدِيدَ الرَّغْبَةِ عَلَى زَيْتِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ، فَانْطَلَقَ إِلَى الْحَجَّامِ فَحَلَقَ شَعْرَهُ، وَقَالَ: هَذَا أَهْوَنُ عَلَيْكَ.
وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَنَّهُ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً إِلَى عَمَّانَ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ إِذْ سَقَطَ سَوْطُهُ، فَنَزَلَ عَنِ الدَّابَةِ وَرَبَطَهَا، وَذَهَبَ رَاجِلًا، فَأَخَذَ السَّوْطَ فَقِيلَ لَهُ: لَوْ حَوَّلْتَ رَأْسَ دَابَّتِكَ فَأَخَذْتُ السَّوْطَ فَقَالَ: إِنَّمَا اسْتَأْجَرْتُهَا لِتَذْهَبَ وَلَمْ أَسْتَأْجِرُهَا لِتَرْجِعَ.
738- وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ العقيلي، عَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ عَلَى حِمَارٍ عَلَيْهِ بَرْذَعَةٌ فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ» ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا»، ثُمَّ قَالَ: «وَهَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ» ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «أَنْ يُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ».
Post a Comment