بَابُ: الْإِحْسَانِ إِلَى الْيَتِيمِ
بَابُ: الْإِحْسَانِ إِلَى الْيَتِيمِ
515- قال الفقيه أبو الليث السمرقندي رحمه الله: حَدَّثَنِي أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الطَّالْقَانِيُّ، بِسَمَرْقَنْدَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنْ أَبِي الْوَرْقَاءِ، قَالَ:
سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ مَسَحَ عَلَى رَأْسِ يَتِيمٍ رَحْمَةً كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ مَرَّتْ عَلَيْهَا يَدُهُ حَسَنَةً، وَمَحَا عَنْهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَيِّئَةً، وَرَفَعَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ دَرَجَةً».
516- وفي رواية: «مَن مَسَحَ رأسَ يتيم، لا يمسحه إلا الله، كان لكل شعرة تمرّ عليها يده حسنات، ومن أحسن إلى إلى يتيمة أو يتيم عنده كنتُ أنا وهو في الجنة كهاتين» وقَرَنَ بين أصبعيه.
517- قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الرَّحْبِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ ضَمَّ يَتِيمًا مِنْ بَيْنِ يَتَامَى الْمُسْلِمِينَ إِلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ، حَتَّى يُغْنِيَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ الْجَنَّةَ الْبَتَّةَ، إِلَّا أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ، وَمَنْ أَذْهَبَ اللَّهُ كَرِيمَتَهُ فَصَبَرَ وَاحْتَسَبَ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ الْجَنَّةَ الْبَتَّةَ، إِلَّا أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ»، قِيلَ: وَمَا كَرِيمَتُهُ؟ قَالَ: «عَيْنُهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ، أو مثلهن من الأخوات، فَأَدَّبَهُنَّ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَمُتْنَ أَوْ يُبْنَى بِهِنَّ، أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ الْجَنَّةَ الْبَتَّةَ، إِلَّا أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا لَا يَغْفِرُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ»، قَالَ: فَنَادَاهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَعْرَابِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوِ اثْنَتَيْنِ؟ قَالَ: «أَوِ اثْنَتَيْنِ».
قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: هَذَا وَاللَّهِ مِنْ غَرَائِبِ الْحَدِيثِ
518- وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَشَكَا إِلَيْهِ قَسْوَةَ الْقَلْبِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنْ سَرَّكَ أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ، فَامْسَحْ بِرَأْسِ الْيَتِيمِ، وَأَطْعِمْهُ».
519- وقال ﷺ: «خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يُحسن إليه، وشرّ بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يُسيئون إليه».
520- قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْكَبَائِرِ قَالَ: «هِيَ تِسْعٌ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ الْمُؤْمِنِ مُتَعَمِّدًا، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَالسِّحْرُ، وَاسْتِحْلَالُ الْحَرَامِ ».
وَعَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: سِتٌّ مُوبِقَاتٌ لَيْسَ فِيهِنَّ تَوْبَةٌ: أَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وَالسِّحْرُ، وَالشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10]، يَعْنِي سَيَدْخُلُونَ فِي الْآخِرَةِ النَّارَ.
وَيُقَالُ: طُوبَى لِلْبَيْتِ الَّذِي فِيهِ الْيَتِيمُ، وَوَيْلٌ لِلْبَيْتِ الَّذِي فِيهِ الْيَتِيمُ، يَعْنِي: وَيْلٌ لِأَهْلِ الْبَيْتِ الَّذِينَ لَمْ يَعْرِفُوا حَقَّ الْيَتِيمِ، وَطُوبَى لَهُمْ إِذَا عَرَفُوا حَقَّهُ.
521- وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: عِنْدِي يَتِيمٌ، فَمِمَّ أَضْرِبُهُ؟ قَالَ: «مِمَّا تَضْرِبُ بِهِ وَلَدَكَ» يَعْنِي لَا بَأْسَ أَنْ تَضْرِبَهُ لِلتَّأْدِيبِ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ مِثْلَ مَا يَضْرِبُ الْوَالِدُ وَلَدَهُ.
وَرُوِيَ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَنَّهُ قَالَ: رُبَّ لَطْمَةٍ أَنْفَعُ لِيَتِيمٍ مِنْ أَكْلَةِ خَبِيصٍ [خبيص: هو الحلواء المخبوصة من التمر والسَّمن].
قال الفقيه رحمه الله: إِنْ كَانَ يَقْدِرُ أَنْ يُؤَدِّبَهُ بِغَيْرِ ضَرْبٍ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، وَلَا يَضْرِبُهُ، فَإِنَّ ضَرْبَ الْيَتِيمِ أَمْرٌ شَدِيدٌ، بِدَلِيلِ مَا:
522- حَدَّثَنَا بِهِ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَهُوَ وَالِدُ أَبِي تَرْخَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سُفْيَانَ الْقُطْعِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي جَعْفَرَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الْيَتِيمَ إِذَا ضُرِبَ اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِبُكَائِهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا مَلَائِكَتِي مَنْ أَبْكَى الَّذِي غَيَّبْتُ أَبَاهُ فِي التُّرَابِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ، قَالَ: تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: رَبَّنَا لَا عِلْمَ لَنَا، قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنَّ مَنْ أَرْضَاهُ فِيَّ، فَأُرْضِيهِ مِنْ عِنْدِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ رُؤُوسَهُمْ وَيَلْطُفُ بِهِمْ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزِيِّ، قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِدَاوُدَ النَّبِيِّ ﷺ: كُنْ لِلْيَتِيمِ كَالْأَبِ الرَّحِيمِ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ كَمَا تَزْرَعُ كَذَلِكَ تَحْصُدُ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَرْأَةَ الصَّالِحَةَ لِزَوْجِهَا كَالْمَلِكِ الْمُتَوَّجِ بِالذَّهَبِ، كُلَّمَا رَآهَا قَرَّتْ عَيْنُهُ، وَالْمَرْأَةَ السُّوءَ لِبَعْلِهَا كَالْحِمْلِ الثَّقِيلِ عَلَى الشَّيْخِ الْكَبِيرِ.
523- وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ الْمُسْلِمِ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ، وَجَمَعَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ».
وَعَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجُونِيِّ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، قَالَ: قَرَأْتُ فِي مَسْأَلَةِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: إِلَهِي مَا جَزَاءُ مَنْ أَسْنَدَ إِلَيْهِ الْيَتِيمَ وَالْأَرْمَلَةَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ؟ قَالَ: جَزَاؤُهُ أَنْ أُظِلَّهُ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي، يَعْنِي ظِلَّ الْعَرْشِ.
524- وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَكُونُ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ يُنْفِقُ عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَبِنَّ أَوْ يَمُتْنَ، إِلَّا كُنَّ لَهُ حِجَابًا مِنَ النَّارِ»، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ «أَوِ اثْنَتَانِ».
525- قَالَ: «اثْنَتَانِ» قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَنَا وَامْرَأَةٌ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ» وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى امْرَأَةٍ مَاتَ زَوْجُهَا، فَحَبَسَتْ نَفْسَهَا عَلَى بَنَاتِهَا، حَتَّى يبنّ أَوْ يَمُتْنَ
526- وَرَوَى يَزِيدُ الرُّقَاشِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ حَمَلَ مِنَ السُّوقِ طُرْفَةً إِلَى وَلَدِهِ كَانَ كَمَنْ حَمَلَ صَدَقَةً حَتَّى يَضَعَهَا فِي فِيهِمْ، وَلْيَبْدَأْ بِالْإِنَاثِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرِقُّ لِلْإِنَاثِ وَمَنْ رَقَّ لِلْأُنْثَى، كَانَ كَمَنْ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَمَنْ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ غُفِرَ لَهُ، وَمَنْ فَرَّحَ أُنْثَى فَرَّحَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْحُزْنِ».
527- وقال النبي ﷺ: «ياعلي، إذا بكى اليتيم اهتزّ العرش، فيقول الله تعالى: ياجبريل وسّع في النار موضعاً لمن أبكاه فإنني مبكيه، ووسّع في الجنة لمن أضحكه، فإني أضحكه».
Post a Comment