بَابُ: الْحِكَايَاتِ

بَابُ: الْحِكَايَاتِ

958- قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْفَرَّاءُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمٍّ الْفَقِيهُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ الْهَرَوِيُّ، حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو الْكَلاعِيُّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ:
جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ  فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَمْنَعُنِي سَوَادِي وَدَمَامَةُ وَجْهِي مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: «لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أَيْقَنْتَ بِرَبِّكَ وَآمَنْتَ بِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُهُ؟» قَالَ: فَوَالَّذِي أَكْرَمَكَ بِالنُّبُوَّةِ لَقَدْ شَهِدْتُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، مِنْ قَبْلِ أَنْ أَجْلِسَ هَذَا الْمَجْلِسَ بِثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ، وَلَقَدْ خَطَبْتُ إِلَى عَامَّةِ مَنْ بِحَضْرَتِكَ وَمَنْ لَيْسَ مَعَكَ، فَرَدُّونِي لِسَوَادِي وَدَمَامَةِ وَجْهِي، وَإِنِّي لَفِي حَسَبٍ مِنْ قَوْمِي مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، وَلَكِنْ غَلَبَ عَلَيَّ سَوَادُ أَخْوَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «هَلْ شَهِدَ الْيَوْمَ عَمْرُو بْنُ وَهْبٍ» وَكَانَ رَجُلًا مِنْ ثَقِيفٍ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ، قَالُوا: لَا، قَالَ لَهُ: «أَتَعْرِفُ مَنْزِلَهُ» ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَاذْهَبْ وَاقْرَعِ الْبَابَ قَرْعًا رَقِيقًا ثُمَّ سَلِّمْ، فَإِذَا دَخَلْتَ، فَقُلْ زَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ  فَتَاتَكُمْ» .

وَكَانَ لَهُ ابْنَةً عَاتِقَةً وَكَانَ لَهَا حَظٌّ مِنَ الْجَمَالِ وَالْعَقْلِ، فَلَمَّا أَتَى الْبَابَ وَقَرَعَ وَسَلَّمَ، فَرَحَّبُوا لَهُ حَيْثُ سَمِعُوا لُغَةً عَرَبِيَّةً، فَفَتَحُوا الْبَابَ، فَلَمَّا رَأَوْا سَوَادَهُ وَدَمَامَةَ وَجْهِهِ انْقَبَضُوا فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَدْ زَوَّجَنِي فَتَاتَكُمْ فَرَدُّوا عَلَيْهِ رَدًّا قَبِيحًا، فَخَرَجَ الرَّجُلُ وَمَضَى حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ  فَقَالَتِ الْفَتَاةُ لِأَبِيهَا: يَا أَبَتَاهُ النَّجَاةَ النَّجَاةَ قَبْلَ أَنْ يَفْضَحَكَ الْوَحْيُ، فَإِنْ يَكُ رَسُولُ اللَّهِ  قَدْ زَوَّجَنِي مِنْهُ فَقَدْ رَضِيتُ بِمَا رَضِيَ اللَّهُ لِي وَرَسُولُهُ.

فَخَرَجَ الشَّيْخُ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ، وَجَلَسَ فِي أَدْنَى الْمَجْلِسِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ : «أَنْتَ الَّذِي رَدَدْتَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ مَا رَدَدْتَ؟» قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِيمَا يَقُولُ: فَأَمَّا إِذَا كَانَ صَادِقًا فَقَدْ زَوَّجْنَاهُ فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، وَسَخَطِ رَسُولِهِ، فَزَوَّجَهَا مِنْهُ بِأَرْبَعُ مِائَةِ دِرْهَمٍ.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  لِلزَّوْجِ وَهُوَ سَعِيدٌ السُّلَمِيُّ: «اذْهَبْ إِلَى صَاحِبَتِكَ فَادْخُلْ بِهَا»، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا مَا أَجِدُ شَيْئًا حَتَّى أَسْأَلَ إِخْوَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «مَهْرُ امْرَأَتِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ نَفَرٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اذْهَبْ إِلَى عثمان بن عفان فخذ منه مئتي درهم»فَأَعْطَاهُ وَزَادَهُ، «واذهب إلى عبد الرحمن بن عوف وخذ منه مئة درهم»فَأَعْطَاهُ وَزَادَهُ، «واذهب إلى عَلِيٍّ وَخُذْ مِنْهُ مئة دِرْهَمٍ»، فَأَعْطَاهُ وَزَادَهُ .

فَبَيْنَمَا هُوَ فِي السُّوقِ وَمَعَهُ مَا يَشْتَرِي لِزَوْجَتِهِ فَرِحًا قَرِيرَ الْعَيْنِ، إِذْ سَمِعَ صَوْتَ النَّفِيرِ يُنَادِي: يَا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي؛ يَعْنِي أَنَّ مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ  يُنَادِي النَّفِيرَ النَّفِيرَ، فَنَظَرَ نَظْرَةً إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِلَهَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَهَ مُحَمَّدٍ  لَأَجْعَلَنَّ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ الْيَوْمَ فِيمَا يُحِبُّ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ فَاشْتَرَى فَرَسًا وَسَيْفًا وَرُمْحًا، وَاشْتَرَى مِجَنَّةً، وَشَدَّ عِمَامَتَهُ عَلَى بَطْنِهِ وَاعْتَجَرَ، فَلَمْ يُرَ إِلَّا حَمَالِيقُ عَيْنَيْهِ حَتَّى وَقَفَ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالُوا: مَنْ هَذَا الْفَارِسُ الَّذِي لَا نَعْرِفُهُ؟ فَقَالَ لَهُمْ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: كُفُّوا عَنِ الرَّجُلِ فَلَعَلَّهُ مِمَّنْ طَرَأَ عَلَيْكُمْ مِنْ قِبَلِ الْبَحْرَيْنِ أَوْ مِنْ قِبَلِ الشَّامِ، فَجَاءَ يَسْأَلُكُمْ عَنْ مَعَالِمِ دِينِكُمْ فَأَحَبَّ أَنْ يُوَاسِيكُمُ الْيَوْمَ بِنَفْسِهِ، فَأَقْبَلَ يَطْعَنُ بِرُمْحِهِ وَيَضْرِبُ بِسَيْفِهِ حَتَّى نَامَ بِهِ فَرَسُهُ فَنَزَلَ وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ وَتَشَمَّرَ لِلْقِتَالِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ  سَوَادَ ذِرَاعَيْهِ عَرَفَهُ فَقَالَ: «أَسَعْدٌ أَنْتَ؟» قَالَ: نَعَمْ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، قَالَ: «سَعِدَ جَدُّكَ» فَمَا زَالَ يَطْعَنُ بِرُمْحِهِ وَيَضْرِبُ بِسَيْفِهِ كُلَّ ذَلِكَ يُقَتِّلُ أَعْدَاءَ اللَّهِ إِذْ قَالُوا: صُرِعَ سَعْدٌ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ  مُقْبِلًا نَحْوَهُ فَأَتَاهُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى حِجْرِهِ، وَمَسَحَ عَنْ وَجْهِهِ التُّرَابَ بِثَوْبِهِ، وَقَالَ: «مَا أَطْيَبَ رِيحَكَ وَأَحَبَّكَ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ» .
قَالَ: فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ ، ثُمَّ أَعْرَضَ بِوَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَرَدَ الْحَوْضَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ» قَالَ أَبُو لُبَابَةَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَمَا الْحَوْضُ؟ قَالَ: «حَوْضٌ أَعْطَانِيهِ رَبِّي عَرْضُهُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ إِلَى بُصْرَى حَافَّتَاهُ مُكَلَّلَتَانِ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَا يَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَدًا» .
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاكَ بَكَيْتَ، ثُمَّ ضَحِكْتَ، ثُمَّ أَعْرَضْتَ بِوَجْهِكَ، قَالَ: «أَمَّا بُكَائِي فَبَكَيْتُ شَوْقًا إِلَى سَعْدٍ، وَأَمَّا ضَحِكِي فَفَرِحْتُ بِمَنْزِلَتِهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَرَامَتِهِ عَلَى اللَّهِ، وَأَمَّا إِعْرَاضِي فَإِنِّي رَأَيْتُ أَزْوَاجَهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ يَتَبَادَرْنَهُ كَاشِفَاتٍ سُوقِهِنَّ بَادِيَاتٍ خَلَاخِيلِهِنَّ فَأَعْرَضْتُ عَنْهُنَّ حَيَاءً مِنْهُنَّ» فَأَمَرَ بِسِلَاحِهِ وَفَرَسِهِ وَمَا كَانَ لَهُ مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَ: «اذْهَبُوا بِهِ إِلَى زَوْجَتِهِ، فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ زَوَّجَهُ خَيْرًا مِنْ فَتَاتِكُمْ».

959- قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْكَرَابِيسِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ:
عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: "خَرَجَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ قَبْلَكُمْ يَنْبَسِطُونَ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَهُمُ الْمَطَرُ فَلَجَأُوا إِلَى غَارٍ فَبَيْنَمَا هُمْ فِيهِ إِذْ أُنْقِضَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ بَابَهُ، فَقَالُوا: عَفَا الْأَثَرُ وَانْقَطَعَ الْخَبَرُ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا اللَّهُ وَصَالِحُ أَعْمَالِكُمْ يَعْنِي أَنَّهُ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ادْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمُ الَّذِي عَمِلْتُمْ، فَلَعَلَّ اللَّهَ يُفَرِّجُ عَنَّا.

فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي بِنْتُ عَمٍّ وَإِنَّهَا كَانَتْ تُعْجِبُنِي فَرَاوَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا، فَأَبَتْ فَأَصَابَتْهَا حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، فَأَتَتْنِي وَسَأَلَتْنِي فَقُلْتُ: لَا حَتَّى تُمَكِّنِينِي مِنْ نَفْسِكِ، فَأَبَتْ ثُمَّ ذَهَبَتْ، فَرَجَعَتْ وَقَدْ أَصَابَتْهَا حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّ زَوْجَهَا كَانَ مَرِيضًا، وَكَانَ بَيْنَهُمَا أَوْلَادٌ صِغَارٌ وَقَدْ أَصَابَهُمُ الْقَحْطُ، قَالَ: فَأَتَتْنِي فَسَأَلَتْنِي الْمَرَّةَ الثَّالِثَةَ وَالرَّابِعَةَ، فَقُلْتُ: لَا حَتَّى تُمَكِّنِينِي مِنْ نَفْسِكِ، فَقَالَتْ: دُونَكَ فَلَمَّا قَعَدْتُ مِنْهَا مَقْعَدَ الرَّجُلِ مِنَ امْرَأَتِهِ ارْتَعَدَتْ، فَقَالَتْ: لَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَفُكَّ هَذَا الْخَاتَمَ إِلَّا بِحِلِّهِ فَتَرَكْتُهَا وَوَفَّرْتُ عَلَيْهَا مَا احْتَاجَتْ إِلَيْهِ.
اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ هَذَا ابْتِغَاءً لِوَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا، فَانْفَرَجَتْ مِنْ بَابِ الْغَارِ فُرْجَةٌ.

وَقَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَإِنِّي حَلَبْتُ حِلَابًا فَجِئْتُ أُعَشِّيهُمَا فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَخَشِيتُ عَلَى غَنَمَتِي لَوْ تَرَكْتُهَا لَضَاعَتْ مِنَ السِّبَاعِ، فَتَرَكْتُ مَاشِيَتِي وَأَمْسَكْتُ الْإِنَاءَ عَلَى يَدِي حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَغَنَمِي فِي الْبَرِّيَّةِ.
اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا، فَانْفَرَجَتْ عَنْهُمْ فُرْجَةٌ أُخْرَى.

وَقَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ يَعْمَلُونَ لِي كُلُّ رَجُلٍ بِمُدَّيْنِ مِنَ الطَّعَامِ، فَعَمِلُوا لِي فَوَفَّيْتُهُمْ أُجُورَهُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: كَانَ عَمَلِي أَفْضَلَ، فَأَعْطِنِي أَفْضَلَ فَأَبَيْتُ فَغَضِبَ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ آخَرُ فِي نِصْفِ النَّهَارِ، فَعَمِلَ فِي بَقِيَّةِ نَهَارِهِ مِثْلَ مَا عَمِلَ غَيْرُهُ فِي يَوْمِهِ كُلِّهِ، فَرَأَيْتُ أَنْ لَا أَنْقُصَ مِنْ أُجْرَتِهِ شَيْئًا.
فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: إِنَّهُ جَاءَ فِي وَسَطِ النَّهَارِ، وَأَنَا جِئْتُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ فَسَوَّيْتَ بَيْنَنَا فِي الْأُجْرَةِ، فَقُلْتُ: هَلْ نَقَّصْتُ مِنْ أُجْرَتِكَ شَيْئًا؟، فَغَضِبَ وَتَرَكَ أُجْرَتَهُ، وَذَهَبَ فَأَخَذْتُ الْمُدَّيْنِ فَزَرَعْتُهُمَا، فَجَاءَ مِنْهُ الْمَالُ فَاشْتَرَيْتُ مِنْ ذَلِكَ الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ وَالْإِبِلَ وَشَيْئًا كَثِيرًا، فَجَاءَنِي بَعْدَ ذَلِكَ يَطْلُبُهُ مِنِّي بَعْدَمَا اشْتَدَّتْ حَاجَتُهُ فَقُلْتُ: انْظُرْ كُلَّ شَيْءٍ هَهُنَا فَخُذْهُ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَفَرِّجْ عَنَّا، فَانْفَرَجَ عَنْهُمْ فَخَرَجُوا مِنْهَا.

وَرَوَى هَذَا الْخَبَرَ أَيْضًا النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ حَدِيثَ الرَّقِيمِ، وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَرَوَى غَيْرُ النُّعْمَانِ أَيْضًا هَذَا الْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، إِلَّا أَنَّهُمْ رَوَوْهُ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ .

حِكَــايَــةٌ:

960- قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بإسناده عن رسول الله  أنه قال: «أَنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ عَابِدٌ وَكَانَ قَدْ أُوتِيَ جَمَالًا وَحُسْنًا، وَكَانَ يَعْمَلُ الْقِفَافَ بِيَدِهِ فَيَبِيعَهَا، فَمَرَّ ذَاتَ يَوْمٍ بِبَابِ الْمَلِكِ فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ جَارِيَةٌ لِامْرَأَةِ الْمَلِكِ، فَدَخَلَتْ إِلَيْهَا وَقَالَتْ لَهَا: هَهُنَا رَجُلٌ مَا رَأَيْتُ أَحْسَنَ مِنْهُ يَطُوفُ بِالْقِفَافِ قَالَتْ: أَدْخِلِيهِ عَلَيَّ فَأَدْخَلَتْهُ، فَلَمَّا دَخَلَ نَظَرَتْ إِلَيْهِ فَأَعْجَبَهَا فَقَالَتْ لَهُ: اطْرَحْ هَذِهِ الْقِفَافَ وَخُذْ هَذِهِ الْمِلْحَفَةَ، وَقَالَتْ لِجَارِيَتِهَا: هَاتِ الدُّهْنَ يَا جَارِيَةُ، وَهَاتِ الطِّيبَ فَنَقْضِيَ مِنْهُ حَاجَتَنَا وَيَقْضِيَهَا مِنَّا وَقَالَتْ: نُغْنِيكَ عَنْ بَيْعِ هَذَا فَقَالَ: مَا أُرِيدُ ذَلِكَ، مِرَارًا.
قَالَتْ: وَإِنْ لَمْ تُرِدْ فَإِنَّكَ غَيْرُ خَارِجٍ حَتَّى نَقْضِيَ حَاجَتَنَا مِنْكَ وَأَمَرَتْ بِالْأَبْوَابِ فَأُغْلِقَتْ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ: هَلْ فَوْقَ قَصْرِكُمْ هَذَا متوضأ؟ قَالَتْ: نَعَمْ.
ثُمَّ قَالَتْ: يَا جَارِيَةُ أرْقَيْ بِوُضُوئِهِ، فَلَمَّا رَقِيَ جَاءَ إِلَى نَاحِيَةِ السَّطْحِ فَرَأَى قَصْرًا مُرْتَفِعًا وَلَا شَيْءَ يَتَعَلَّقُ بِهِ لِيُرْسِلَ نَفْسَهُ مِنَ السَّطْحِ، فَأَخَذَ يُعَاتِبُ نَفْسَهُ وَيَقُولُ: يَا نَفْسُ أَنْتِ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً تَطْلُبِينَ رِضَا الرَّبِّ الْكَرِيمِ، حَرِيصَةٌ عَلَيْهِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، جَاءَتْكِ عَشِيَّةٌ وَاحِدَةٌ تُفْسِدُ عَلَيْكِ هَذَا كُلَّهُ، إِنَّكِ وَاللَّهِ لَخَائِنَةٌ إِنْ جَاءَتْكِ هَذِهِ الْعَشِيَّةُ، وَأَفْسَدَتْ عَلَيْكِ عَمَلَكِ، أرسلي نفسك من هذا السطح فَتَلْقَيِ اللَّهَ بِبَقِيَّةِ عَمَلِكِ، فَجَعَلَ يُعَاتِبُهَا».

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «فَلَمَّا تَهَيَّأَ لِيُلْقِيَ نَفْسَهُ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِجِبْرِيلَ: يَا جِبْرِيلُ، قَالَ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ قَالَ: عَبْدِي يُرِيدُ أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ فِرَارًا مِنْ سَخَطِي وَمَعْصِيَتِي، فَتَلَقَّهُ بِجَنَاحِكَ لَا يُصِيبُهُ مَكْرُوهٌ، فَبَسَطَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ جَنَاحَهُ فَأَخَذَهُ بِهِ ثُمَّ وَضَعَهُ، كَمَا يَضَعُ الْوَالِدُ الرَّحِيمُ وَلَدَهُ قَالَ: فَأَتَى امْرَأَتَهُ وَتَرَكَ الْقِفَافَ، وَقَدْ غَابَتِ الشَّمْسُ».

«فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: أَيْنَ ثَمَنُ الْقِفَافِ؟ فَقَالَ لَهَا: مَا أَصَبْتُ لَهَا ثَمَنًا، فَقَالَتْ: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ نُفْطِرُ اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: نَصْبِرُ لَيْلَتَنَا هَذِهِ ثُمَّ قَالَ: قُومِي فَاسْجُرِي تَنُّورَكِ فَإِنَّا نَكْرَهُ أَنَّ جِيرَانَنَا إِذَا لَمْ يَرَوْنَا نَسْجُرُ التَّنُّورَ اشْتَغَلَتْ قُلُوبُهُمْ بِنَا، فَقَامَتْ فَسَجَرَتْهُ ثُمَّ جَاءَتْ فَقَعَدَتْ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ جِيرَانِهَا فَقَالَتْ: يَا فُلَانَةُ هَلْ عِنْدَكِ وَقُودٌ؟ قَالَتْ: نَعَمِ ادْخُلِي فَخُذِي مِنَ التَّنُّورِ، فَدَخَلَتْ ثُمَّ خَرَجَتْ فَقَالَتْ: يَا فُلَانَةُ مَالِي أَرَاكِ جَالِسَةً تَتَحَدَّثِينَ مَعَ فُلَانٍ وَقَدْ نَضَجَ خُبْزُكِ فِي التَّنُّورِ، وَيَكَادُ أَنْ يَحْتَرِقَ؟ فَقَامَتْ فَإِذَا التَّنُّورُ مَحْشُوٌّ خُبْزًا نَقِيًّا، فَجَعَلَتْهُ فِي جَفْنَةٍ، ثُمَّ جَاءَتْ إِلَى الزَّوْجِ فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ رَبَّكَ لَمْ يَصْنَعْ بِكَ هَذَا إِلَّا وَأَنْتَ عَلَيْهِ كَرِيمٌ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَبْسُطَ عَلَيْنَا بَقِيَّةَ عُمْرِنَا في معاشنا».

«فَقَالَ لَهَا تَصَبَّرِي عَلَى هَذَا، فَلَمْ تَزَلْ بِهِ حَتَّى قَالَ: نَعَمْ أَفْعَلُ، فَقَامَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ يُصَلِّي وَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ زَوْجَتِي سَأَلَتْنِي فَأَعْطِهَا مَا تَتَوَسَّعُ بِهِ فِي بَقِيَّةِ عُمْرِهَا، فَانْفَرَجَ السَّقْفُ فَنَزَلَتْ إِلَيْهِ كَفٌّ عَلَيْهِ يَاقُوتَةٌ أَضَاءَ لَهَا الْبَيْتُ، كَمَا تُضِيءُ الشَّمْسُ فَغَمَزَ رِجْلَهَا وَكَانَتْ نَائِمَةً قَرِيبَةً مِنْهُ، فَقَالَ لَهَا: اجْلِسِي وَخُذِي مَا سَأَلْتِ، فَقَالَتْ: لَا تَعْجَلْ أَلِهَذَا أَيْقَظْتَنِي؟ قَدْ كُنْتُ رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى كَرَاسِيِّ مَصْفُوفَةٍ مِنْ ذَهَبٍ، مُكَلَّلَةٍ بِالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ فِيهَا ثُلْمَةٌ فَقَالَتْ: لِمَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا مَجْلِسُ زَوْجِكِ، فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ الثُّلْمَةُ؟ قَالُوا: مَا تَعَجَّلَ بِهِ زَوْجُكِ فَقُلْتُ: مَا لِي حَاجَةٌ فِي شَيْءٍ يَثْلِمُ عَلَيْكَ مَجْلِسَكَ ادْعُ رَبَّكَ فَدَعَا رَبَّهُ فَرَجَعَ الْكَفُّ».

حِكَــايَــةٌ:
قَالَ الْفَقِيهُ رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَرَجِ الْعَابِدِ، يَقُولُ: " خَرَجْتُ يَوْمًا أَطْلُبُ رَجُلًا يَرُمُّ لِي شَيْئًا فِي الدَّارِ، فَذَهَبْتُ فَأُشِيرَ إِلَيَّ بِرَجُلٍ حَسِنِ الْوَجْهِ بَيْنَ يَدَيْهِ مِرْوَزٌ وَزَنْبِيلٌ، فَقُلْتُ: أَتَعْمَلُ لِيَ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: بِكَمْ؟ قَالَ: بِدِرْهَمٍ وَدَانِقٍ، فقلت: له قم، فقام فعمل ذلك اليوم عمل ثلاثة رجال، ثم أتيته في اليوم الثاني، فسألت عنه، فقيل لِي: ذَلِكَ الرَّجُلُ لَا يُرَى فِي الْجُمْعَةِ إِلَّا يَوْمًا وَاحِدًا يَوْمُ كَذَا، فَتَرَبَّصْتُ حَتَّى أَتَى الْيَوْمُ الَّذِي وَصَفُوهُ، ثُمَّ جِئْتُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ مِرْوَزٌ وَزَنْبِيلٌ، فَقُلْتُ لَهُ: أَتَعْمَلُ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: بِكَمْ؟ قَالَ: بِدِرْهَمٍ وَدَانِقٍ، فقلت: قم، فقام فعمل ذلك اليوم عمل ثلاثة رجال، فلما كان بالمساء وزنت درهمين ودانقين وأحببت أَنْ أَستعلم مَا عِنْدَهُ.

قَالَ لِي: مَا هَذَا؟ قُلْتُ: دِرْهَمَانِ وَدَانِقَانِ، قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ بِدِرْهَمٍ وَدَانِقٍ، قَدْ أَفْسَدْتَ عَلَيَّ أُجْرَتِي لَسْتُ آخِذًا مِنْكَ شَيْئًا، قَالَ: فَوَزَنْتُ لَهُ دِرْهَمًا وَدَانِقًا، فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ وَأَلْحَحْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لِي: سُبْحَانَ اللَّهِ أَقُولُ لَا آخُذُ وَتُلِحُّ عَلَيَّ، فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ وَمَضَى، فأقبلت على أهلي، فقالت: فعل الله بك ما أردت من الرجل قد عمل لك عمل ثلاثة، وأفسدت عليه أجرته.

قَالَ: فَجِئْتُ يَوْمًا أَسْأَلُ عَنْهُ، فَقِيلَ: إِنَّهُ مَرِيضٌ فَاسْتَدْلَلْتُ عَلَى بَيْتِهِ فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَإِذَا هُوَ مَبْطُونٌ فِي خَرِبَةٍ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ شَيْءٌ إِلَّا ذَلِكَ الْمِرْوَزُ وَالزِّنْبِيلُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَقُلْتُ لَهُ: لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ وَتَعْرِفُ فَضْلَ إِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَى الْمُؤْمِنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تَأْتِيَ إِلَى بَيْتِي أُمَرِّضُكَ، قَالَ: أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: آتِيكَ بِثَلَاثِ شَرَائِطَ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ:
أَحَدُهَا: أَنْ لَا تَعْرِضَ عَلَيَّ طَعَامًا حَتَّى أَسْأَلَكَ، قُلْتُ: نَعَمْ.
وَالثَّانِيَةُ: إِذَا مت أَنْ تَدْفِنَنِي فِي كِسَائِي هَذَا وَجِبَّتِي هَذِهِ، فَقُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: أَمَّا الثَّالِثَةُ فَهِيَ أَشَدُّ مِنْهُمَا، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْهَا.
فَحَمَلْتُهُ إِلَى مَنْزِلِي عِنْدَ الظُّهْرِ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ مِنَ الْغَدِ نَادَانِي: يَا عَبْدَ اللَّهِ فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: الْآنَ أُخْبِرُكَ عَنْ حَاجَتِي الثَّالِثَةِ، وَإِنِّي قَدِ احْتَضَرْتُ، يَعْنِي قَدْ حَضَرَتْ وَفَاتِي، ثُمّ قَالَ: افْتَحْ صُرَّةً عَلَى كُمِّ جَيْبِي فَفَتَحْتُهَا، فَإِذَا فِيهَا خَاتَمٌ لَهُ فَصٌّ أَخْضَرُ، فَقَالَ لِي: إِذَا أَنَا مُتِّ وَدَفَنْتَنِي فَخُذْ هَذَا الْخَاتَمَ وَادْفَعْهُ إِلَى هَارُونَ الرَّشِيدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَقُلْ لَهُ يَقُولُ لَكَ صَاحِبُ هَذَا الْخَاتَمِ: وَيْحَكَ لَا تَمُوتَنَّ عَلَى سَكْرَتِكَ هَذِهِ، فَإِنَّكَ إِنْ مُتَّ عَلَى سَكْرَتِكَ نَدِمْتَ عَلَى ذَلِكَ.

فَلَمَّا دَفَنْتُهُ سَأَلْتُ عَنْ يَوْمِ خُرُوجِ هَارُونَ الرَّشِيدِ، وَكَتَبْتُ لَهُ الْقِصَّةَ، وَتَعَرَّضْتُ لَهُ فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ، وَتَأَذَّيْتُ أَذًى شَدِيدًا، فَلَمَّا دَخَلَ الْقَصْرَ وَقَرَأَ الْقِصَّةَ قَالَ: عَلَيَّ بِصَاحِبِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟، فَأَخْرَجْتُ الْخَاتَمَ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى الْخَاتَمِ قَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا؟، فَقُلْتُ: دَفَعَهُ إِلَيَّ رَجُلٌ طَيَّانُ، فقال: رجل طيان!، رجل طيان!، وَنَظَرْتُ إِلَى دُمُوعِهِ تَتَحَدَّرُ مِنْ عَيْنَيْهِ عَلَى لِحْيَتِهِ، وَمِنْ لِحْيَتِهِ عَلَى ثِيَابِهِ وَيَقُولُ: طَيَّانٌ طَيَّانٌ وَقَرَّبَنِي مِنْهُ وَأَدْنَانِي.

فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ أَوْصَانِي أَيْضًا وَقَالَ لي: إِذَا أَوْصَلْتَ إِلَيْهِ الْخَاتَمَ قُلْ لَهُ: إِنَّهُ يُقْرِئُكَ صَاحِبُ هَذَا الْخَاتَمِ السَّلَامَ، وَيَقُولُ لَكَ لَا تَمُوتَنَّ عَلَى سَكْرَتِكَ هَذِهِ، فَإِنَّكَ إِنْ مُتَّ عَلَى سَكْرَتِكَ هَذِهِ نَدِمْتَ، فَقَامَ عَلَى رِجْلَيْهِ قَائِمًا، فَضَرَبَ بِنَفْسِهِ عَلَى الْبِسَاطِ، وَهُوَ يَتَقَلَّبُ بِرَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ وَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ نَصَحْتَ أَبَاكَ حَيًّا وَمَيِّتًا، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: كَأَنَّهُ ابْنُهُ وَلَمْ أَشْعُرْ بِهِ، فَبَكَى بُكَاءً طَوِيلًا، ثُمَّ جَلَسَ وَجَاءُوا بِالْمَاءِ وَغَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ عَرَفْتَهُ؟ فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَبَكَى بُكَاءً شَدِيدًا طَوِيلًا.

ثُمَّ قَالَ: كَانَ هَذَا أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ لِي، فَكَانَ أَبِي الْمَهْدِيُّ ذَكَرَ لِي أَنْ يُزَوِّجَنِي زُبَيْدَةَ، فَنَظَرْتُ يَوْمًا إِلَى امْرَأَةٍ فَعَلِقَ قَلْبِي بِهَا، فَتَزَوَّجْتُهَا سِرًّا مِنْ أَبِي وَأَوْلَدْتُهَا هَذَا الْوَلَدَ فَأَنْفَذْتُهُمْ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَدَفَعْتُ إِلَيْهِمَا هَذَا الْخَاتَمَ وَأَشْيَاءَ كَثِيرَةً وَقُلْتُ لَهَا: اكْتُمِي نَفْسَكِ فَإِذَا بَلَغَكِ أَنِّي قَدْ قَعَدْتُ لِلْخِلَافَةِ فَأْتِنِي، فَلَمَّا قَعَدْتُ لِلْخِلَافَةِ سَأَلْتُ عَنْهُمَا فَذُكِرَ لِي أَنَّهُمَا مَاتَا، وَلَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ بَاقٍ فَأَيْنَ دَفَنْتَهُ؟ فَقُلْتُ: دَفَنْتُهُ فِي مَقَابِرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ.

قَالَ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً إِذَا كَانَ بَعْدُ الْمَغْرِبِ وَقَفْتَ لِي حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْكَ مُتَنَكِّرًا فَأَخْرُجُ إِلَى قَبْرِهِ فَأَزُورَهُ، فَوَقَفْتُ لَهُ فَخَرَجَ الْخَدَمُ حَوْلَهُ حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِي فَجِئْتُ بِهِ إِلَى قَبْرِهِ، فَمَا زَالَ لَيْلَتَهُ يَبْكِي إِلَى الصُّبْحِ، وَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ نَصَحْتَ أَبَاكَ حَيًّا وَمَيِّتًا، فَجَعَلْتُ أَبْكِي لِبُكَائِهِ رِقَّةً مِنِّي لَهُ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، ثُمَّ رَجَعَ حَتَّى إِذَا دَنَا إِلَى الْبَابِ فَقَالَ لِي: قَدْ أَمَرْتُ لَكَ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَأَمَرْتُ بِأَنْ تَجْرِيَ عَلَيْكَ، فَإِذَا أَنَا مُتُّ أَوْصَيْتُ مَنْ يَلِي مِنْ بَعْدِي أَنْ يُجْرَى عَلَيْكَ مَا بَقِيَ لَكَ عَقِبِي، فَإِنَّ لَكَ عَلَيَّ حَقًّا بِدَفْنِكَ وَلَدِي، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْبَابَ قَالَ لِي: انْظُرْ إِلَى مَا أَوْصَيْتُكَ إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَقُلْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَرَجَعْتُ مِنْ عِنْدِهِ فَلَمْ أَعُدْ إِلَيْهِ.

حِكَــايَــةٌ:

961- قال الفقيه رحمه الله تعالى: حَدَّثَنِي أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفُضَيْلِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ لَيْثِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مُوسَى، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبَ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ:
عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، قَالَ: لَمَّا آخَى نَبِيُّ اللَّهِ  بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ آخَى بَيْنَ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَبَيْنَ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيِّ، وَغَزَا نَبِيُّ اللَّهِ  غَزْوَةَ تَبُوكٍ، فَخَرَجَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ غَازِيًا وَخَلَّفَ أَخَاهُ ثَعْلَبَةَ فِي أَهْلِهِ، فَكَانَ يَحْتَطِبُ لِأَهْلِهِ الْحَطَبَ، وَيَسْتَقِي لَهُمُ الْمَاءَ عَلَى ظَهْرِهِ فِي كِلِّ ذَلِكَ يَرْجُو الثَّوَابَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَقْبَلَ ثَعْلَبَةُ ذَاتَ يَوْمٍ فَدَخَلَ الْمَنْزِلَ فَجَاءَهُ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ فَقَالَ لَهُ: انْظُرْ مَا خَلْفَ السِّتْرِ، فَرَفَعَ ثَعْلَبَةُ السِّتْرَ فَرَأَى امْرَأَةَ أَخِيهِ وَكَانَتِ امْرَأَةً جَمِيلَةً، فَلَمْ يَصْبِرْ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا وَمَسَّهَا، فَقَالَتْ لَهُ: يَا ثَعْلَبَةُ مَا حَفِظْتَ فِينَا حُرْمَةَ أَخِيكَ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَنَادَى ثَعْلَبَةُ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ، وَخَرَجَ هَارِبًا إِلَى الْجَبَلِ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: إِلَهِي أَنْتَ أَنْتَ، وَأَنَا أَنَا، أَنْتَ الْعَوَّادُ بِالْمَغْفِرَةِ وَأَنَا الْعَوَّادُ بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا.

فَلَمَّا أَقْبَلَ النَّبِيُّ  مِنْ غَزْوَتِهِ أَقْبَلَ جَمِيعُ الْإِخْوَانِ يَتَلَقَّوْنَ إِخْوَانَهُمْ، وَلَمْ يُسْتَقْبَلْ أَخُو سَعِيدٍ، فَأَقْبَلَ سَعِيدٌ، إِلَى مَنْزِلِهِ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا هَذِهِ مَا فَعَلَ أَخِي الْمُؤَاخِيِّ فِي اللَّهِ، قَالَتْ: إِنَّهُ أَلْقَى بِنَفْسِهِ فِي بُحُورِ الْخَطَايَا، فَخَرَجَ هَارِبًا إِلَى الْجَبَلِ، فَخَرَجَ سَعِيدٌ يَطْلُبُ أَخَاهُ فَوَجَدَهُ مُنْكَبًّا عَلَى وَجْهِهِ وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ: وَاذُلَّ مَقَامَاهُ، مَقَامُ مَنْ عَصَى رَبَّهُ، فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ: قُمْ يَا أَخِي فَمَا الَّذِي بَلَّغَكَ مَا أَرَى؟ فَقَالَ ثَعْلَبَةُ: لَسْتُ بِقَائِمٍ مَعَكَ حَتَّى تَغُلَّ يَدَيَّ إِلَى عُنُقِي وَتَقُودَنِي كَمَا يُقَادُ الْعَبْدُ الذَّلِيلُ إِلَى بَابِ مَوْلَاهُ، فَفَعَلَ .

وَكَانَتْ لَهُ ابْنَةٌ يُقَالُ لَهَا خِمْصَانَةُ، فَأَقْبَلَتْ تَقُودُ أَبَاهَا حَتَّى أَتَتْ بِهِ إِلَى بَابِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: لَامَسْتُ امْرَأَةَ أَخِي الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ عُمَرُ: اخْرُجْ مِنْ عِنْدِي، فَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَقُومَ إِلَيْكَ وَآخُذَ بِشَعْرِكَ، اخْرُجْ مِنْ عِنْدِي فَلَا تَوْبَةَ لَكَ عِنْدِي.

فَانْطَلَقَ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى بَابِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ: لَامَسْتُ امْرَأَةَ أَخِي الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: اخْرُجْ مِنْ عِنْدِي لَا تَحْرِقْنِي بِنَارِكَ، فَلَا تَوْبَةَ لَكَ عِنْدِي أَبَدًا.

فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى بَابِ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَقَالَ: لَامَسْتُ امْرَأَةَ أَخِي الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ لَهُ: اخْرُجْ مِنْ عِنْدِي، فَلَا تَوْبَةَ لَكَ عِنْدِي أَبَدًا.

فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَخِي وَيَا ابْنَتِي قَدْ آيَّسَنِي هَؤُلَاءِ النَّفَرُ، وَأَرْجُو أَنْ لَا يُؤَيِّسَنِي رَسُولُ اللَّهِ  فَأَتَتْ بِهِ ابْنَتُهُ إِلَى بَابِ رَسُولِ اللَّهِ  فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ نَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ، فَقَالَ: «ذَكَّرْتَنِي سَلَاسِلَ جَهَنَّمَ وَأَغْلَالَهَا»، فَقَالَ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي لَامَسْتُ امْرَأَةَ أَخِي الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ : «اخْرُجْ مِنْ عِنْدِي فَلَا تَوْبَةَ لَكَ عِنْدِي أَبَدًا».

فَخَرَجَ، فَقَالَتْ لَهُ ابْنَتُهُ: يَا أَبَتِي لَسْتَ لِي بِوَالِدٍ، وَلَا أَنَا لَكَ بِابْنَةٍ، حَتَّى يَرْضَى عَنْكَ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَأَقْبَلَ ثَعْلَبَةُ هَارِبًا إِلَى الْجَبَلِ يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا رَبُّ أَتَيْتُ عُمَرَ فَأَرَادَ ضَرْبِي، وَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي، وَأَتَيْتُ عَلَيًّا فَطَرَدَنِي، وَأَتَيْتُ النَّبِيَّ  فَآيَسَنِي، فَمَا أَنْتَ يَا مَوْلَايَ صَانِعٌ بِي، أَنْ تَقُولَ لِدُعَائِي: نَعَمْ، أَوْ تَقُولَ: لَا، فَإِنْ قُلْتَ: لَا، فَيَا وَيْلَتَاهُ وَيَا شِقْوَتَاهُ وَيَا نَدَامَتَاهُ، وَإِنْ قُلْتَ: نَعَمْ، فَطُوبَى لِي.

قَالَ: فَأَقْبَلَ مَلَكٌ مِنَ السَّمَاءِ وَهُوَ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ  يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنْتَ خَالِقُ الْخَلْقِ أَوْ أَنَا؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتَ يَا سَيِّدِي»، قَالَ: يَقُولُ لَكَ الْجَبَّارُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: بَشِّرْ عَبْدِي أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ : «مَنْ يَأْتِينِي بِثَعْلَبَةَ»، قَالَ: فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، فَقَالَا يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ نَأْتِي بِهِ، فَقَامَ عَلِيٌّ وَسَلْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، فَقَالَا يَا رَسُولَ اللَّهِ: نَحْنُ نَأْتِي بِهِ فَأَذِنَ لِعَلِيٍّ وَسَلْمَانَ فَخَرَجَا، وَأَخَذَا فِي وِجْهَةٍ فَانْطَلَقَا فَإِذَا هُمَا بِرَاعٍ مِنْ رُعَاةٍ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: هَلْ رَأَيْتَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ؟ قَالَ الرَّاعِي: عَسَى أَنَّكُمَا تَطْلُبَانِ الْهَارِبَ مِنْ جَهَنَّمَ؟ قَالَا: نَعَمْ.
فَدُلَّنَا عَلَى مَوْضِعِهِ قَالَ: إِذَا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ حَضَرَ هَذَا الْوَادِي حَتَّى يَجِيءَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، ثُمَّ يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ: وَا ذُلَّ مَقَامَاهُ مَقَامُ مَنْ عَصَى رَبَّهُ.
فَأَقَامَا حَتَّى جَنَّ عَلَيْهِمَا اللَّيْلُ إِذْ أَقْبَلَ ثَعْلَبَةُ فَأَتَى الشَّجَرَةَ فَخَرَّ تَحْتَهَا سَاجِدًا بَاكِيًا، فَلَمَّا سَمِعَ بُكَاءَهُ سَلْمَانُ مَشَى إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا ثَعْلَبَةُ قُمْ فَإِنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ قَدْ غَفَرَ لَكَ.
قَالَ: كَيْفَ تَرَكْتُمَا حَبِيبِي مُحَمَّدًا ؟ قَالَ سَلْمَانُ: كَمَا يُحِبُّ اللَّهُ وَتُحِبُّ أَنْتَ، فَلَمَّا أَقَامَ بِلَالٌ الصَّلَاةَ أَدْخَلَاهُ الْمَسْجِدَ فَأَقَامَاهُ فِي آخِرِ الصَّفِّ، فَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ  أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، فَشَهَقَ شَهْقَةً، فَلَمَّا تَلَى: {حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} [التكاثر: 2]، شَهَقَ شَهْقَةً أُخْرَى وَفَارَقَ الدُّنْيَا، فَلَمَّا انْفَتَلَ النَّبِيُّ  جَاءَ إِلَى ثَعْلَبَةَ فَقَالَ: «يَا سَلْمَانُ انْضَحْ عَلَيْهِ الْمَاءَ» فَنَادَى سَلْمَانُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ فَارَقَ الدُّنْيَا.

فَأَقْبَلَتِ ابْنَتُهُ، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا فَعَلَ وَالِدِي، فَإِنِّي كُنْتُ بِالْأَشْوَاقِ إِلَيْهِ، قَالَ: «ادْخُلِي الْمَسْجِدَ»، فَدَخَلَتْ فَإِذَا هِيَ بِوَالِدِهَا مَيِّتٌ مُسَجًّى فَوَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى رَأْسِهَا، ثُمَّ أَنْشَأَتْ تُنَادِي: وَاغَمَّاهُ فَمَنْ لِي بَعْدَكَ يَا أَبَتَاهُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ : «يَا خَمْصَانَةُ أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَكُونَ لَكِ وَالِدًا، وَتَكُونَ فَاطِمَةُ لَكِ أُخْتًا؟» فَقَالَتْ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ.

فَلَمَّا حُمِلَ ثَعْلَبَةُ أَقْبَلَ النَّبِيُّ  يَتْبَعُ جِنَازَتَهُ حَتَّى إِذَا بَلَغَ شَفِيرَ الْقَبْرِ، أَقْبَلَ يَمْشِي عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ، فَلَمَّا رَجَعَ، قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُكَ تَمْشِي عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِكَ، قَالَ: «يَا عُمَرُ مَا قَدَرْتُ أَنْ أَضَعَ بَطْنَ قَدَمَيَّ مِنْ كَثْرَةِ الْمَلَائِكَةِ».

قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: قَدْ رُوِيَ هَذَا الْخَبَرُ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَيُقَالُ هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي شَأْنِهِ: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ} [آل عمران: 135] إِلَى قَوْلِهِ: {وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران: 136]

حِكَــايَــةٌ:
قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى: عَنْهُ حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنُ رَجَاءٍ، رَفَعَهُ إِلَى أَحْنَفَ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَأَنَا أُرِيدُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَإِذَا أَنَا بِحَلْقَةٍ عَظِيمَةٍ، فَإِذَا بِكَعْبِ الْأَحْبَارِ يُحَدِّثُ النَّاسَ، وَيَقُولُ: " لَمَّا حَضَرَ آدَمَ قَالَ: يَا رَبُّ سَيَشْمَتُ بِي عَدُوِّي إِذَا رَآنِي مَيِّتًا، وَهُوَ مُنْظَرٌ إِلَى الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ، فَقِيلَ لَهُ: يَا آدَمُ إِنَّكَ تَرِدُ الْجَنَّةَ، وَيُؤَخَّرُ الْمَلْعُونُ إِلَى النَّظْرَةِ، لِيَذُوقَ بِعَدَدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ أَلَمَ الْمَوْتِ.

ثُمَّ قَالَ آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِمَلَكِ الْمَوْتِ: صِفْ لِي كَيْفَ تُذِيقُهُ الْمَوْتَ، فَلَمَّا وَصَفَهُ قَالَ آدَمُ: رَبِّ حَسْبِي حَسْبِي، فَضَجَّ النَّاسُ، وَقَالُوا: يَا أَبَا إِسْحَاقَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ حَدِّثْنَا كَيْفَ يَذُوقُ الْمَوْتَ؟ فَأَبَى أَنْ يَقُولَ: فَأَلَحُّوا عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّهُ إِذَا كَانَ آخِرُ الدُّنْيَا وَقَرُبَتِ النَّفْخَةُ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَهُمْ يَتَخَاصَمُونَ وَيَتَّجِرُونَ وَيَتَحَدَّثُونَ إِذَا هُمْ بِهَدَّةٍ عَظِيمَةٍ يُصْعَقُ فِيهَا نِصْفُ الْخَلَائِقِ، فَلَا يُفِيقُونَ مِنْهَا مِقْدَارَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَالنِّصْفُ الْبَاقِي مِنَ النَّاسِ تُذْهَلُ عُقُولُهُمْ فَيَبْقَوْنَ مُدْهَشِينَ، قِيَامًا عَلَى أَرْجُلِهِمْ كَالْغَنَمِ الْفَزِعَةِ حِينَ تَرَى سَبْعًا.

فَبَيْنَمَا النَّاسُ فِي هَذَا الْهَوْلِ إِذَا هُمْ بِهَدَّةٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ غَلِيظَةٍ كَصَوْتِ الرَّعْدِ الْقَاصِفِ، فَلَا يَبْقَى عَلَى ظَهْرِهَا أَحَدٌ إِلَّا مَاتَ فَتَفْنَى الدُّنْيَا وَلَا يَبْقَى آدَمِيٌّ، وَلَا جِنِّيٌّ، وَلَا شَيْطَانٌ، وَلَا وَحْشٌ، وَلَا دَابَّةٌ، فَهَذِهِ النَّظْرَةُ الْمَعْلُومَةُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَبَيْنَ إِبْلِيسَ.

ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمَلَكِ الْمَوْتِ: إِنِّي خَلَقْتُ لَكَ بِعَدَدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ أَعْوَانًا، وَجَعَلْتُ فِيكَ قُوَّةَ أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَأَهْلِ الْأَرْضِ، وَإِنِّي أُلْبِسُكَ الْيَوْمَ أَثْوَابَ الْغَضَبِ وَالسَّخَطِ كُلَّهَا، فانزل بغضبي وسخطي إلى ملعوني ورجيمي إبليس، فأذقه الموت، واحمل عليه من الْمَوْتُ مَرَارَةُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، وَلْيَكُنْ مَعَكَ مِنَ الزَّبَانِيَةِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ قَدِ امْتَلَأُوا غَيْظًا وَغَضَبًا، وَلْيَكُنْ مَعَ كُلِّ زَبَانِيَةٍ سِلْسِلَةٌ مِنْ سَلَاسِلِ لَظَى، وَانْزَعْ رُوحَهُ الْمُنْتِنَ بِسَبْعِينَ أَلْفِ كَلَّابَةٍ مِنْ كَلَالِيبِ لَظَى وَنَادِ مَالِكًا لِيَفْتَحَ أَبْوَابَ النِّيرَانِ.

فَيَنْزِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ بِصُورَةٍ لَوْ نَظَرَ إِلَيْهِ أَهْلُ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَالْأَرْضِينَ السَّبْعِ لَذَابُوا كُلُّهُمْ مِنْ هَوْلِ رُؤْيَةِ مَلَكِ الْمَوْتِ، فَإِذَا انْتَهَى إِلَى إِبْلِيسَ وَزَجَرَهُ زَجْرَةً إِذْ هُوَ صُعِقَ مِنْهَا، وَنُخِرَ نَخْرَةً لَوْ سَمِعَهُ أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَصُعِقُوا مِنْ تِلْكَ النَّخْرَةِ وَمَلَكُ الْمَوْتِ يَقُولُ: قِفْ يَا خَبِيثُ لَأُذِيقَنَّكَ الْيَوْمَ الْمَوْتَ بِعَدَدِ مَنْ أَغْوَيْتَ، كَمْ مِنْ عُمْرٍ أَدْرَكْتَهُ! وَكَمْ مِنْ قُرُونٍ أَضْلَلْتَ!، وَكَمْ مِنْ قُرَنَاءَ لَكَ بِسَوَاءِ الْجَحِيمِ يُقَارِنُوكَ!، وَهَذَا الْوَقْتُ الْمَعْلُومُ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ رَبِّكَ، وَإِلَى أَيْنَ تَهْرَبُ؟ فَيَهْرَبُ الشَّيْطَانُ إِلَى الْمَشْرِقِ، فَإِذَا هُوَ بِمَلَكِ الْمَوْتِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَيَغَوصُ فِي الْبِحَارِ، فَإِذَا هُوَ بِمَلَكِ الْمَوْتِ، فَتَرْمِيهِ الْبِحَارُ فَلَا تَقْبَلُهُ فَلَا يَزَالُ يَهْرُبُ فِي الْأَرْضِ وَلَا مَحِيصَ وَلَا مَلْجَأَ لَهُ وَلَا مَنْجَا.

ثُمَّ يَقُومُ فِي وَسَطِ الدُّنْيَا عِنْدَ قَبْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَيَقُولُ: مِنْ أَجْلِكَ يَا آدَمُ حُوِّلْتُ مَلْعُونًا رَجِيمًا فَيَا لَيْتَكَ لَمْ تُخْلَقْ، فَيَقُولُ لِمَلَكِ الْمَوْتِ: بِأَيِّ كَأْسٍ تَسْقِينِي؟ يَعْنِي بِأَيِّ عَذَابٍ تَقْبِضُ رُوحِي؟، فَيَقُولُ مَلَكُ الْمَوْتِ: بِكَأْسِ أَهْلِ لَظَى، يَعْنِي مِثْلَ عَذَابِ أَهْلِ النَّارِ، وَبِكَأْسِ أَهْلِ سَقَرَ، وَبِكَأْسِ أَهْلِ الْجَحِيمِ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً.

قَالَ: وَإِبْلِيسُ يَتَمَرَّغُ فِي التُّرَابِ مَرَّةً، وَيَصِيحُ أُخْرَى، وَيَهْرَبُ مَرَّةً مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ وَمِنَ الْمَغْرِبِ إِلَى الْمَشْرِقِ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أُهْبِطَ فِيهِ يَوْمَ لُعِنَ، وَقَدْ نَصَبَتْ لَهُ الزَّبَانِيَةُ الْكَلَالِيبَ، وَصَارَتِ الْأَرْضُ كَالْجَمْرَةِ وَتَحْتَوِشُهُ الزَّبَانِيَةُ، فَيَطْعَنُونَهُ بِالْكَلَالِيبِ، فَيَكُونُ فِي النِّزَاعِ وَالْعَذَابِ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ.

وَيُقَالُ لِآدَمَ وَحَوَّاءَ: اطَّلِعَا الْيَوْمَ عَلى عَدُوِّكُمَا، وَانْظُرَا مَا نَزَلَ بِهِ كَيْفَ يَذُوقُ الْمَوْتَ، فَيَطَّلِعَانِ، فَإِذَا نَظَرَا إِلَى مَا هُوَ فِيهِ مِنْ شِدَّةِ الْعَذَابِ وَالْمَوْتِ قَالَا: رَبَّنَا قَدْ أَتْمَمْتَ عَلَيْنَا النِّعْمَةَ.

حِكَــايَــةٌ: الشَّابِّ الَّذِي بَاعَ نَفْسَهُ:
قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زَيْدٍ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ: " بَيْنَمَا أَنَا يَوْمًا فِي مَجْلِسِنَا هَذَا، وَقَدْ تَهَيَّأْنَا لِلْخُرُوجِ إِلَى الْغَزْوِ، وَقَدْ أَمَرْتُ أَصْحَابِي أَنْ يَتَهَيَّئُوا غَدَاةَ الْإِثْنَيْنِ، وَقَدْ قَرَأَ رَجُلٌ فِي مَجْلِسِنَا: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: 111]، الْآيَةَ، فَقَامَ غُلَامٌ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَقَدْ مَاتَ أَبُوهُ وَأَوْرَثَهُ مَالًا كَثِيرًا، فَقَالَ: يَا عَبْدَ الْوَاحِدِ، {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ}، فَقُلْتُ: نَعَمْ حَبِيبِي.
فَقَالَ لِي: إِنِّي أُشْهِدُكَ يَا عَبْدَ الْوَاحِدِ أَنِّي قَدْ بِعْتُ نَفْسِي، وَمَالِي بِأَنَّ لِيَ الْجَنَّةَ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنّ حَدَّ السَّيْفِ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ وَأَنْتَ صَبِيٌّ، وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ أَنْ لَا تَصْبِرَ وَتَعْجَزَ عَنْ ذَا الْبَيْعِ قَالَ: فَقَالَ لِي: يَا عَبْدَ الْوَاحِدِ إِنِّي أُبَايِعُ اللَّهَ بِالْجَنَّةِ، ثُمَّ أَعْجَزُ، إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنِّي بَايَعْتُ اللَّهَ، فَقَالَ: فَتَقَاصَرَتْ إِلَيْنَا أَنْفُسُنَا فَقُلْنَا: صَبِيٌّ يَفْعَلُ وَنَحْنُ لَا نَفْعَلُ!.

قَالَ: فَخَرَّجَ مِنْ مَالِهِ كُلَّهُ يَعْنِي تَصَدَّقَ بِهِ، إِلا فَرَسَهُ وَسِلَاحَهُ وَنَفَقَتَهُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْخُرُوجِ كَانَ أَوَّلَ مَنِ طَلَعَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا عَبْدَ الْوَاحِدِ، فَقُلْتُ لَهُ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، ربح الْبَيْعَ، ثُمَّ سِرْنَا وَهُوَ مَعَنَا يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ وَيَخْدِمُنَا، وَيَرْعَى دَوَابَّنَا، وَيَحْرُسُنَا إِذَا بِتْنَا، حَتَّى دُفِعْنَا إِلَى بِلَادِ الرُّومِ.

فَبَيْنَمَا نَحْنُ كَذَلِكَ يَوْمًا إِذْ أَقْبَلَ وَهُوَ يُنَادِي: وَاشَوْقَاهُ إِلَى الْعَيْنَاءِ الْمَرْضِيَّةِ، حَتَّى قَالَ أَصْحَابِي: لَعَلَّهُ وَسْوَسَ الْغُلَامُ أو خلط عقله، حتى دنا وجعل ينادي: يا عبد الواحد لَا صَبْرَ لِي، وَاشَوْقَاهُ إِلَى الْعَيْنَاءِ الْمَرْضِيَّةِ، فَقُلْتُ: حَبِيبِي وَمَا هَذِهِ الْعَيْنَاءُ الْمَرْضِيَّةُ؟ .

قَالَ: إِنِّي غَفَوْتُ غَفْوَةً، يَعْنِي نِمْتُ نَوْمَةً، فَرَأَيْتُ كَأَنَّهُ أَتَانِي آتٍ فَقَالَ: أَذْهَبُ بِكَ إِلَى الْعَيْنَاءِ الْمَرْضِيَّةِ، فَهَجَمَ بِي عَلَى رَوْضَةٍ فِيهَا شَطُّ نَهْرٍ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ، فَإِذَا عَلَى شَطِّ النَّهْرِ جَوَارٍ عَلَيْهِنَّ مِنَ الْحُلِيِّ وَالْحُلَلِ مَا لَا أَصِفُ، فَلَمَّا رَأَيْنَنِي اسْتَبْشَرْنَ، وَقُلْنَ: هَذَا زَوْجُ الْعَيْنَاءِ الْمَرْضِيَّةِ قَدْ قَدِمَ، فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكُنَّ أَفِيكُنَّ الْعَيْنَاءُ الْمَرْضِيَّةُ؟ فَقُلْنَ: لَا نَحْنُ خَدَمٌ لَهَا وَإِمَاؤُهَا، فَتَقَدَّمْ أَمَامَكَ.

فَتَقَدَّمْتُ، فَإِذَا بِنَهْرٍ فِيهِ لَبَنٌ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ، فِي رَوْضَةٍ فِيهَا مِنْ كُلِّ زِينَةٍ، فِيهَا جَوَارٍ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُنَّ افْتُتِنْتُ مِنْ حُسْنِهِنَّ وَجَمَالِهِنَّ، فَلَمَّا رَأَيْنَنِي اسْتَبْشَرْنَ وَقُلْنَ: هَذَا وَاللَّهِ زَوْجُ الْعَيْنَاءِ الْمَرْضِيَّةِ قَدْ قَدِمَ عَلَيْنَا، فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكُنَّ أَفِيكُنَّ الْعَيْنَاءُ الْمَرْضِيَّةُ؟ فَقُلْنَ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ يَا وَلِيَّ اللَّهِ نَحْنُ خَدَمٌ لَهَا وَإِمَاءٌ لَهَا فَتَقَدَّمْ أَمَامَكَ .

فَتَقَدَّمْتُ، فَإِذَا بِنَهْرٍ آخَرَ مِنْ خَمْرٍ، عَلَى شَطِّ الْوَادِي فِيهِ جَوَارٍ أَنْسَيْنَنِي مَنْ خَلَّفْتُ، فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكُنَّ: أَفِيكُنَّ الْعَيْنَاءُ الْمَرْضِيَّةُ؟ فَقُلْنَ: لَا نَحْنُ إِمَاءٌ لَهَا وَخَدَمٌ لَهَا امْضِ أَمَامَكَ.

فَتَقَدَّمْتُ فَإِذَا بِنَهْرٍ آخَرَ مِنْ عَسَلٍ مُصَفَّى، وَرَوْضَةٌ فِيهَا جَوَارٍ لَهُنَّ مِنَ النُّورِ وَالْجَمَالِ مَا أَنْسَانِي مَنْ خَلَّفْتُ، فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكُنَّ أَفِيكُنَّ الْعَيْنَاءُ الْمَرْضِيَّةُ؟ قُلْنَ: لا يَا وَلِيَّ الرَّحْمَنِ نَحْنُ إِمَاءٌ لَهَا امْضِ أَمَامَكَ.

فَتَقَدَّمْتُ فَوَقَعْتُ فِي خَيْمَةٍ مِنْ دُرَّةٍ مُجَوَّفَةٍ عَلَى بَابِ الْخَيْمَةِ جَارِيَةٌ عَلَيْهَا مِنَ الْحُلِيِّ وَالْحُلَلِ مَا لَا أَصِفُهُ، فَلَمَّا رَأَتْنِي اسْتَبْشَرَتْ وَنَادَتْ مِنَ الْخَيْمَةِ: أَيَّتُهَا الْعَيْنَاءُ الْمَرْضِيَّةُ هَذَا بَعْلُكِ قَدْ قَدِمَ قَالَ: فَدَنَوْتُ مِنَ الْخَيْمَةِ فَدَخَلْتُ فِيهَا فَإِذَا هِيَ عَلَى سَرِيرِهَا قَاعِدَةٌ وَسَرِيرُهَا مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلٍ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ، فَلَمَّا رَأَيْتُهَا افْتُتِنْتُ فِيهَا، وَهِيَ تَقُولُ: مَرْحَبًا بِوَلِيِّ الرَّحْمَنِ قَدْ دَنَا لَكَ الْقُدُومُ عَلَيْنَا، فَذَهَبْتُ لِأَعْتَنِقَهَا، فَقَالَتْ: مَهْلًا فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَكَ أَنْ تُعَانِقَنِي، فَإِنَّ فِيكَ رُوحَ الْحَيَاةِ وَأَنْتَ تُفْطِرُ اللَّيْلَةَ عِنْدَنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

فَانْتَبَهْتُ يَا عَبْدَ الْوَاحِدِ وَلَا صَبْرَ لِي عَنْهَا، قَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ: فَمَا انْقَطَعَ كَلَامُنَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ لَنَا سَرِيَّةٌ مِنَ الْعَدُوِّ فَحَمَلْنَا عَلَيْهِمْ وَحَمَلَ الْغُلَامُ، قَالَ: فَعَدَدْتُ تِسْعَةً مِنَ الْعَدُوِّ الَّذِينَ قَتَلَهُمُ الْغُلَامُ وَكَانَ هُوَ الْعَاشِرَ، فَمَرَرْتُ بِهِ وَهُوَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ فَضَحِكَ مِلْءَ فِيهِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا.

حِكَــايَــةٌ: جُرَيْجٍ الرَّاهِبِ:

962- حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَشِيرٍ، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَوْشَبَ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ، يَقُولُ: «لوَ كَانَ جُرَيْجٌ الرَّاهِبُ فَقِيهًا لَعَلِمَ أَنَّ إِجَابَتَهُ أُمَّهُ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ».

قَالَ: سَمِعْتُ غَيْرَهُ يَذْكُرُ قِصَّةَ جُرَيْجٍ، إِنَّهُ كَانَ رَاهِبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعَالَى فِي صَوْمَعَتِهِ، فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ يَوْمًا، وَهُوَ قَائِمٌ فِي الصَّلَاةِ فَنَادَتْهُ: يَا جُرَيْجُ فَلَمْ يُجِبْهَا لِاشْتِغَالِهِ بِصَلَاتِهِ، فَقَالَتِ: ابْتَلَاكَ اللَّهُ بِالْمُومِسَاتِ تَعْنِي الزَّوَانِي.

وَكَانَتِ امْرَأَةٌ فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ خَرَجَتْ لِحَاجَةٍ لَهَا، فَأَخَذَهَا رَاعٍ، فَوَاقَعَهَا عِنْدَ صَوْمَعَةِ جُرَيْجٍ فَحَمَلَتْ، وَكَانَ أَهْلُ تِلْكَ الْبَلْدَةِ يُعَظِّمُونَ أَمْرَ الزِّنَا، فَظَهَرَ أَمْرُ تِلْكَ الْمَرْأَةِ فِي الْبَلَدِ، فَلَمَّا وَضَعَتْ حَمْلَهَا أُخْبِرَ الْمَلِكُ أَنَّ امْرَأَةً قَدْ وَلَدَتْ مِنَ الزِّنَا، فَدَعَاهَا فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا الْوَلَدُ؟ قَالَتْ: مِنْ جُرَيْجٍ الرَّاهِبِ قَدْ وَاقَعَنِي، فَبَعَثَ الْمَلِكُ أَعْوَانَهُ إِلَيْهِ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَنَادَوْهُ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ حَتَّى جَاءُوا بِالْمَرَازِبِ، وَهَدَّمُوا الصَّوْمَعَةَ، وَجَعَلُوا فِي عُنُقِهِ حَبْلًا، فَجَاءُوا بِهِ إِلَى الْمَلِكِ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: إِنَّكَ قَدْ جَعَلْتَ نَفْسَكَ عَابِدًا، ثُمَّ تَهْتِكُ حُرُمَ النَّاسِ، وَتَتَعَاطَى مَا لَا يَحِلُّ لَكَ، قَالَ: أَيُّ شَيْءٍ فَعَلْتُ؟ قَالَ: إِنَّكَ قَدْ زَنَيْتَ بِامْرَأَةِ كَذَا.

فَقَالَ: لَمْ أَفْعَلْ، فَلَمْ يُصَدِّقُوهُ وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمْ يُصَدِّقُوهُ، فَقَالَ: رُدُّونِي إِلَى أُمِّي، فَرَدُّوهُ إِلَى أُمِّهِ، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّاهُ إِنَّكِ قَدْ دَعَوْتِ اللَّهَ عَلَيَّ فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَكِ، فَادْعِي اللَّهَ أَنْ يَكْشِفَ عَنِّي بِدُعَائِكِ، فَقَالَتْ أُمُّهُ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ جُرَيْجٌ بَرِيئًا إِنَّمَا آخَذْتَهُ بِدَعْوَتِي، فَاكْشِفْ عَنْهُ، فَرَجَعَ جُرَيْجٌ إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ: أَيْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةُ؟ وَأَيْنَ الصَّبِيُّ؟ فَجَاءُوا بِالْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ فَسَأَلُوهَا، فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: بَلَى هَذَا الَّذِي فَعَلَ بِي، فَوَضَعَ جُرَيْجٌ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ الصَّبِيِّ وَقَالَ: بِحَقِّ الَّذِي خَلَقَكَ أَنْ تُخْبِرَنِي مَنْ أَبُوكَ؟ فَتَكَلَّمَ الصَّبِيُّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَالَ: إِنَّ أَبِي فُلَانٌ الرَّاعِي، فَلَمَّا سَمِعَتِ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ اعْتَرَفَتْ بِالْحَقِّ وَقَالَتْ: قَدْ صَدَقْتَ وَكُنْتُ كَاذِبَةً وَإِنَّمَا فَعَلَ بِي فُلَانٌ الرَّاعِي.

وَفِي رِوَايَةٍ إِنَّ الْمَرْأَةَ كَانَتْ حَامِلًا لَمْ تَضَعْ حَمْلَهَا بَعْدُ فَقَالَ لَهَا: أَيْنَ أَصَابَكِ؟ قَالَتْ: تَحْتَ شَجَرَتِكَ وَكَانَتِ الشَّجَرَةُ تَحْتَ صَوْمَعَتِهِ، قَالَ جُرَيْجٌ: أَخْرِجُونِي إِلَى تِلْكَ الشَّجَرَةِ ثُمَّ قَالَ: يَا شَجَرَةُ أَسْأَلُكِ بِالَّذِي خَلَقَكِ أَنْ تُخْبِرِينِي مَنْ زَنَى بِهَذِهِ الْمَرْأَةِ؟ فَقَالَ كُلُّ غُصْنٍ مِنْهَا: رَاعِي الضَّأْنِ، ثُمَّ طَعَنَ بِإِصْبَعِهِ فِي بَطْنِهَا وَقَالَ: يَا غُلَامُ مَنْ أَبُوكَ؟ فَنَادَى مِنْ بَطْنِهَا أَبِي رَاعِي الضَّأْنِ، فَاعْتَذَرَ الْمَلِكُ إِلَى جُرَيْجٍ الرَّاهِبِ وَقَالَ لَهُ: ائْذَنْ لِي أَنْ أَبْنِي صَوْمَعَتَكَ بِالذَّهَبِ، قَالَ: لَا، قَالَ: فَبِالْفِضَّةِ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ بِالطِّينِ كَمَا كَانَتْ فَبَنَوْهَا بِالطِّينِ كَمَا كَانَتْ.

وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ، عَنْ مُهَاجِرِ بْنِ مُجَاهِدٍ، قَالَ: مَا تَكَلَّمَ صَبِيٌّ فِي حَالِ صِغَرِهِ، وَهُوَ طِفْلٌ إِلَّا أَرْبَعَةٌ: عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَصَاحِبُ الْأُخْدُودِ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ الرَّاهِبِ، وَصَاحِبُ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا} [يوسف: 26] .

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَاتُهُ وَسَلَامُهُ عَلَى أَشْرَفِ الْمُرْسَلِينَ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَتِهِ أَجْمَعِينَ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ آمِينَ .

 

Tidak ada komentar