بَابُ: الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ

بَابُ: الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ

365- قال الفقيه أبو الليث السمرقندي رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، أَنَّ النَّبِيَّ ، قَالَ: «مَثَلُ الْخَمْسِ صَلَوَاتٍ كَمَثَلِ نَهْرٍ جَارٍ عَلَى بَابِ أَحَدِكُمْ كَثِيرِ الْمَاءِ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ فَهَلْ يَبْقَى عَلَيْهِ مِنَ الدَّرَنِ شَيْءٌ»؟.

يَعْنِي أَنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ تُطَهِّرُهُ مِنَ الذُّنُوبِ وَلَا يُبْقِينَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الذُّنُوبِ فِيمَا دُونَ الْكَبَائِرِ، وَهَذَا إِذَا صَلَّى الصَّلَاةَ عَلَى التَّعْظِيمِ وَيُتِمُّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا فَإِذَا لَمْ يَتِمَّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا فَهِيَ مَرْدُودَةٌ عَلَيْهِ.

366- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا فَارِسُ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ هَمَّامَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ خَلَّادٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ خَالِدٍ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ  إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَصَلَّى، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ  وَعَلَى الْقَوْمِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ : «ارْجِعْ وَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فَرَجَعَ الرَّجُلُ فَصَلَّى، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: «ارْجِعْ وَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» أَمَرَهُ بِذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَ الرَّجُلُ: مَا آلَوْتُ فَلَا أَدْرِي مَا عِبْتَ عَلَيَّ مِنْ صَلَاتِي فَقَالَ النَّبِيُّ : «إِنَّهُ لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَيَمْسَحَ بِرَأْسِهِ وَيَغْسِلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ يُكَبِّرَ اللَّهَ وَيَحْمَدَهُ، ثُمَّ يَقْرَأَ مِنَ الْقُرْآنِ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ وَيَرْكَعَ فَيَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ وَيَسْتَرْخِيَ، ثُمَّ يَرْفَعَ رَأْسَهُ وَيَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَيَسْتَوِي قَائِمًا حَتَّى يُقِيمَ صُلْبَهُ وَيَأْخُذَ كُلُّ عُضْوٍ مَأْخَذَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرَ فَيَسْجُدَ فَيُمَكِّنَ وَجْهَهُ مِنَ الْأَرْضِ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ وَيَسْتَرْخِيَ، ثُمَّ يُكَبِّرَ فَيَسْتَوِيَ قَاعِدًا عَلَى مَقْعَدَتِهِ وَيُقِيمَ صُلْبَهُ» .
فَوَصَفَ صَلَاتَهُ هَكَذَا أَرْبَعَ رَكْعَاتٍ حَتَّى فَرَغَ، ثُمَّ قَالَ: «لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ» .

فَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ  بِإِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَأَخْبَرَ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُقْبَلُ إِلَّا هَكَذَا فَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي إِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِتَكُونَ صَلَاتُهُ كَفَّارَةً لِمَا يَفْعَلُ قَبْلَهَا مِنَ الزَّلَلِ وَالْخَطَايَا دُونَ الْكَبَائِرِ.

367- قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا فَارِسُ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِي عُقَيْلٍ، عَنْ الْحَارِثِ مَوْلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: جَلَسَ عُثْمَانُ يَوْمًا وَجَلَسْنَا مَعَهُ فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ فَدَعَا عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ  تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى صَلَاةَ الظُّهْرِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، ثُمَّ صَلَّى صَلَاةَ الْمَغْرِبِ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ لَعَلَّهُ يَبِيتُ يَتَمَرَّغُ لَيْلَتَهُ، ثُمَّ إِذَا قَامَ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الصُّبْحَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ وَهُنَّ الْحَسَنَاتُ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ» .
قَالُوا: هَذِهِ الْحَسَنَاتُ فَمَا الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ؟ قَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ».

368- قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ سُنَنَ الْهُدَى وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، فَلَعَمْرِي لَوْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ، لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَلَقَدْ أَتَى عَلَيْنَا زَمَانٌ وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومٌ نِفَاقُهُ.
وَلَقَدْ رَأَيْنَا الرَّجُلَ يَتَهَادَى بَيْنَ اثْنَيْنِ، حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ، فَيُحْسِنُ طُهُورَهُ، ثُمَّ يَعْمَدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنَ الْمَسَاجِدِ فَيُصَلِّي فِيهِ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ حَسَنَةً، وَيَرْفَعُ لَهُ بِهَا دَرَجَةً وَيَحُطُّ عَنْهُ خَطِيئَتَهُ حَتَّى إِنَّا كُنَّا نُقَارِبُ بَيْنَ الْخُطَا، وَإِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ، خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً.

369- وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ: أَرَدْنَا النُّقْلَةَ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَالْبِقَاعُ حَوْلَ الْمَسْجِدِ، لَنَا خَالِيَةٌ فَبَلَغَ النَّبِيَّ  فَأَتَانَا فِي دِيَارِنَا فَقَالَ: «يَا بَنِي سَلَمَةَ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ النُّقْلَةَ إِلَى الْمَسْجِدِ»، قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ بَعُدَ عَنَّا الْمَسْجِدُ وَالْبِقَاعُ حَوْلَهُ خَالِيَةٌ فَقَالَ: «يَا بَنِي سَلَمَةَ دِيَارَكُمْ فَإِنَّهَا تُكْتَبُ آثَارُكُمْ» قَالَ: فَمَا وَدَدْنَا أَنْ نَكُونَ بِحَضْرَةِ الْمَسْجِدِ لما قَالَ النَّبِيُّ  الَّذِي قَالَهُ.

370- وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ صَلَّى فِي الْجَمَاعَةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا لَمْ تَفُتْهُ رَكْعَةٌ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بَرَاءَتَيْنِ بَرَاءَةً مِنَ النَّارِ وَبَرَاءَةً مِنَ النِّفَاقِ».

371- قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّ النَّبِيَّ ، قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا وَالْقِرَاءَةَ فِيهَا قَالَتِ الصَّلَاةُ: حَفِظَكَ اللَّهُ كَمَا حَفِظْتَنِي، ثُمَّ يُصْعَدُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ وَلَهَا ضَوْءٌ وَنُورٌ فَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ حَتَّى يَنْتَهِيَ بِهَا اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَتَشْفَعُ لِصَاحِبِهَا، فَإِذَا ضَيَّعَ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا وَالْقِرَاءَةَ فِيهَا قَالَتِ الصَّلَاةُ: ضَيَّعَكَ اللَّهُ كَمَا ضَيَّعْتَنِي، ثُمَّ يُصْعَدُ بِهَا وَلَهَا ظُلْمَةٌ حَتَّى يُنْتَهَى بِهَا إِلَى السَّمَاءِ فَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ دُونَهَا، ثُمَّ تُلَفُّ كَمَا يُلَفُّ الثَّوْبُ الْخَلِقُ فَيُضْرَبُ بِهَا وَجْهُ صَاحِبِهَا».

372- وَعَنِ الْحَسَنِ أَنَّ النَّبِيَّ ، قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَسْوَأِ النَّاسِ سَرِقَةً» ، قَالُوا: مَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ» قَالُوا: وَكَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ؟ قَالَ: «لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا».

وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: الصَّلَاةُ مِكْيَالٌ فَمَنْ وَفَّى مِكْيَالَهُ وُفِّيَ لَهُ وَمَنْ طَفَّفَ فَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمُطَفِّفِينَ.

373- وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ: «أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ وَالْفَجْرِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهَا مِنَ الْأَجْرِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا».

374- وَعَنْ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ: «بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي ظُلَمِ اللَّيْلِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

375- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ، قَالَ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ الصَّلَاةَ فَتُقَامَ ثُمَّ أَخْرُجَ بِفِتْيَانٍ مَعَهُمْ حِزَمٌ مِنَ الْحَطَبِ فَأُحَرِّقَ عَلَى قَوْمٍ دِيَارَهُمْ يَسْمَعُونَ النِّدَاءَ ثُمَّ لَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ» .

376- وَرُوِيَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ تَامَّاتٍ وَلَمْ يَنْقُصْهُنَّ اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ تَرَكَهُنَّ اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ رَحِمَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ» .

وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [النور: 37] ، قَالَ: شُهُودُ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} [السجدة: 16] ، قَالَ صَلَاةُ الْعَتْمَةِ.

قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: حَدَّثَنِي أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا هَوْدَةُ بْنُ خَلِيفَةٍ، عَنْ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ:
إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَجُمِعَ الْخَلَائِقُ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ جِنُّهُمْ وَإِنْسُهُمْ وَالْأُمَمُ جِثِيًّا صُفُوفًا، فَيُنَادِي مُنَادٍ: سَتَعْلَمُونَ الْيَوْمَ مَنْ أَصْحَابُ الْكَرَمِ لِيَقُمْ الْحَمَّادُونَ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَيَقُومُونَ فَيَسْرَحُونَ إِلَى الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُنَادِي ثَانِيَةً: سَتَعْلَمُونَ الْيَوْمَ مَنْ أَصْحَابُ الْكَرَمِ لِيَقُمِ الَّذِينَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَيَقُومُونَ فَيَسْرَحُونَ إِلَى الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُنَادِي ثَالِثَةً: سَتَعْلَمُونَ الْيَوْمَ مَنْ أَصْحَابُ الْكَرَمِ لِيَقُمِ الَّذِينَ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ فَيَقُومُونَ فَيَسْرَحُونَ إِلَى الْجَنَّةِ، فَإِذَا أَخَذَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ مَنَازِلَهُمْ يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ فَأَشْرَفَ عَلَى الْخَلَائِقِ لَهُ عَيْنَانِ بَصِيرَتَانِ وَلِسَانٌ فَصِيحٌ فَيَقُولُ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ، إِنِّي وُكِّلْتُ بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، فَيَلْقُطُهُمْ مِنَ الصُّفُوفِ كَلَقْطِ الطَّيْرِ حَبَّ السِّمْسِمِ، فَيَخْنِسُ بِهِمْ فِي جَهَنَّمِ ثُمَّ يَخْرُجُ الثَّانِيَةَ فَيَقُولُ إِنِّي وُكِّلْتُ بِمَنْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَيَلْقُطُهُمْ مِنَ الصُّفُوفِ فَيَخْنَسُ بِهِمْ فِي جَهَنَّمَ ثُمَّ يَخْرُجُ الثَّالِثَةَ.
قَالَ أَبُو الْمِنْهَالِ، حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِأَصْحَابِ التَّصَاوِيرِ، فَلَيْقُطُهُمْ مِنَ الصُّفُوفِ، فَيَخْنَسُ بِهِمْ فِي جَهَنَّمَ، فَإِذَا أَخَذَ مِنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ نُشِرَتِ الصُّحُفُ وَوُضِعَ الْمِيزَانُ وَدُعِيَ الْخَلَائِقُ لِلْحِسَابِ.

وَذُكِرَ أَنَّ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ كَانَ يُرَى فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا مُرَّةَ كَيْفَ أَصْنَعُ حَتَّى أَكُونَ مِثْلَكَ؟ قَالَ: وَيْحَكَ لَمْ يَطْلُبْ مِنِّي أَحَدٌ مِثْلَ هَذَا فَكَيْفَ تَطْلُبُ أَنْتَ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي أُحِبُّ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: أَمَّا إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ مِثْلِي فَتَهَاوَنْ بِالصَّلَاةِ وَلَا تُبَالِ مِنَ الْحَلِفِ صَادِقًا أَوْ كَاذِبًا.
فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: لَقَدْ عَاهَدْتُ اللَّهَ أَنْ لَا أَدَعَ الصَّلَاةَ وَلَا أَحْلِفَ يَمِينًا أَبَدًا فَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: مَا تَعَلَّمَ أَحَدٌ مِنِّي بِالِاحْتِيَالِ غَيْرُكَ وَأَنَا عَهِدْتُ أَنْ لَا أَنْصَحَ آدَمِيًّا قَطُّ.

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: أَكْرَمُ عِبَادِ اللَّهِ عَلَى اللَّهِ الَّذِينَ يُرَاعُونَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، قَالُوا: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ الْمُؤَذِّنُونَ؟ قَالَ: كُلُّ مَنْ يُرَاعِي وَقْتَ الصَّلَاةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ

377- قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْخَطِيبُ النَّيْسَابُورِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْحَرَّانِيُّ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْنٍ، عَنْ جَعْفَرَ بْنِ مُحَمَّدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «الصَّلَاةُ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَحُبُّ الْمَلَائِكَةِ، وَسُنَّةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَنُورُ الْمَعْرِفَةِ، وَأَصْلُ الْإِيمَانِ، وَإِجَابَةُ الدُّعَاءِ، وَقَبُولُ الْأَعْمَالِ، وَبَرَكَةٌ فِي الرِّزْقِ، وَرَاحَةٌ لِلْأَبْدَانِ، وَسِلَاحٌ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَكَرَاهِيَةٌ لِلشَّيْطَانِ، وَشَفِيعٌ بَيْنَ صَاحِبِهَا وَبَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ، وَسِرَاجٌ فِي قَبْرِهِ، وَفِرَاشٌ تَحْتَ جَنْبِهِ، وَجَوَابٌ مَعَ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ، وَمُؤْنِسٌ فِي قَبْرِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
فَإِذَا كَانَتِ الْقِيَامَةُ، صَارَتِ الصَّلَاةُ ظِلًّا فَوْقَهُ وَتَاجًا عَلَى رَأْسِهِ، وَلِبَاسًا عَلَى بَدَنِهِ، وَنُورًا يَسْعَى بَيْنَ يَدَيْهِ، وَسِتْرًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ، وَحُجَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَثِقَلًا فِي الْمَوَازِينِ، وَجَوَازًا عَلَى الصِّرَاطِ، وَمِفْتَاحًا لِلْجَنَّةِ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَسْبِيحٌ وَتَحْمِيدٌ، وَتَقْدِيسٌ وَتَعْظِيمٌ وَقِرَاءَةٌ، وَدُعَاءٌ وَإِنَّ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ كُلِّهَا الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا
».

378- وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الصَّلَاةُ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَتَمَّهَا هُوِّنَ عَلَيْهِ الْحِسَابُ وَإِنْ كَانَ قَدِ انْتَقَضَ مِنْهَا شَيْئًا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمَلَائِكَتِهِ: هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَأَتِمُّوا الْفَرِيضَةَ مِنَ التَّطَوُّعِ وَإِنْ كَانَ تَمَّ جَرَى جَمِيعُ الْأَعْمَالِ عَلَى حِسَابِ ذَلِكَ
».

وَيُقَالُ: مَنْ دَاوَمَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي الْجَمَاعَةِ أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى خَمْسَ خِصَالٍ: أَوَّلُهَا يَرْفَعُ عَنْهُ ضِيقَ الْعَيْشِ، وَيَرْفَعُ عَنْهُ عَذَابَ الْقَبْرِ، وَيُعْطَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، وَيَمُرُّ عَلَى الصِّرَاطِ كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ، وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
وَمَنْ تَهَاوَنَ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي الْجَمَاعَةِ عَاقَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ خَصْلَةٍ: ثَلَاثَةٍ فِي الدُّنْيَا، وَثَلَاثَةٍ عِنْدَ الْمَوْتِ وَثَلَاثَةٍ فِي الْقَبْرِ، وَثَلَاثَةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
أَمَّا الثَّلَاثَةُ الَّتِي فِي الْحَيَاةِ: فَإِنَّهُ تُرْفَعُ الْبَرَكَةُ مِنْ كَسْبِهِ وَرِزْقِهِ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَيُنْزَعُ سِيمَا الْخَيْرِ مِنْ وَجْهِهِ، وَيَكُونُ بَغِيضًا فِي قُلُوبِ النَّاسِ.
وَأَمَّا الَّتِي عِنْدَ الْمَوْتِ: فَتُقْبَضُ رُوحُهُ عَطْشَانَ جَائِعًا وَيَشْتَدُّ نَزْعُهُ
وَأَمَّا الَّتِي فِي الْقَبْرِ: فَمَسْأَلَةُ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ، وَظُلْمَةُ الْقَبْرِ وَضِيقُهُ.
وَأَمَّا الَّتِي فِي الْقِيَامَةِ: فَشِدَّةُ حِسَابِهِ، وَغَضَبُ الرَّبِّ عَلَيْهِ وَعُقُوبَةُ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ فِي النَّارِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ  نَحْوَ هَذَا.

وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ يَقُومُ اللَّيْلَ وَيَصُومُ النَّهَارَ وَلَا يَشْهَدُ جُمْعَةً وَلَا يُصَلِّي فِي الْجَمَاعَةِ فَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ فَأَيْنَ هُوَ؟ فَقَالَ: هُوَ فِي النَّارِ، فَاخْتلَفَ إِلَيْهِ شَهْرًا يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ يَقُولُ هُوَ فِي النَّارِ.

قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، أَنَّهُ قَالَ: لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَبْقَى مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَّا اسْمُهُ وَلَا مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا رَسْمُهُ وَمَسَاجِدُهُمْ يَوْمَئِذٍ عَامِرَةٌ، وَهِيَ مِنَ الْهُدَى خَرَابٌ، عُلَمَاؤُهُمْ يَوْمَئِذٍ شَرُّ عُلَمَاءَ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ، مِنْ عِنْدَهُمْ تَخْرُجُ الْفِتْنَةُ وَفِيهِمْ تَعُودُ.

قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إِنَّ الْحَوَائِجَ لَمْ تُطْلَبْ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بِمِثْلِ الصَّلَاةِ، وَكَانَتِ الْكُرُوبُ الْعِظَامُ تُكْشَفُ عَنِ الْأَوَّلِينَ بِالصَّلَاةِ قَلَّمَا نَزَلَ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ كُرْبَةٌ إِلَّا كَانَ مَفْزَعُهُ إِلَى الصَّلَاةِ.

وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: {فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات: 143144]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ مِنَ الْمُصَلِّينَ.

قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ: إِنَّ التَّضَرُّعَ فِي الرَّخَاءِ اسْتِعَاذَةٌ مِنْ نُزُولِ الْبَلَاءِ وَيَجِدُ صَاحِبُهُ مُتَّكَأً إِذَا نَزَلَ بِهِ.

378قَالَ النَّبِيُّ : «مَا أُعْطِيَ عَبْدٌ عَطَاءً خَيْرًا مِنْ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي رَكْعَتَيْنِ يُصَلِّيهِمَا» .

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَوْ خُيِّرْتُ بَيْنَ رَكْعَتَيْنِ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ لَاخْتَرْتُ الرَّكْعَتَيْنِ عَلَى الْجَنَّةِ، لِأَنَّ فِي الرَّكْعَتَيْنِ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى وَفِي الْجَنَّةِ رِضَائِي.

وَيُقَالُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ حَسَّنَهَا بِالْمَلَائِكَةِ وَتَعَبُّدُهُمْ بِالصَّلَاةِ فَلَا يَفْتُرُونَ سَاعَةً فَجَعَلَ لِكُلِّ أَهْلِ سَمَاءٍ نَوْعًا مِنَ الْعِبَادَةِ فَأَهْلُ سَمَاءٍ قِيَامٌ عَلَى أَرْجُلِهِمْ إِلَى نَفْخَةِ الصُّورِ، وَأَهْلُ سَمَاءٍ رُكَّعٌ، وَأَهْلُ سَمَاءٍ سُجَّدٌ، وَأَهْلُ سَمَاءٍ مَرْخِيَّةِ الْأَجْنِحَةِ مِنْ هَيْبَتِهِ، وَأَهْلُ عِلِّيِّينَ، وَأَهْلُ الْعَرْشِ وُقُوفٌ يَطُوفُونَ حَوْلَ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ، فَجَمَعَ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ كَرَامَةً لِلْمُؤْمِنِينَ حَتَّى يَكُونَ لَهُمْ حَظُّ مِنْ عِبَادَةِ كُلِّ سَمَاءٍ وَزَادُهُمُ الْقُرْآنُ يَتْلُونَهُ فِيهَا، فَطَلَبَ مِنْهُمْ شُكْرَهَا وَشُكْرُهَا إِقَامَتُهَا بِشَرَائِطِهَا، وَحُدُودِهَا.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 3]، وَقَالَ: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} [البقرة: 43]، وَقَالَ: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ} [هود: 114] ، وَقَالَ: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ} [النساء: 162]، فَلَمْ نَجِدْ ذِكْرَ الصَّلَاةِ فِي مَوْضِعِ مِنَ التَّنْزِيلِ إِلَّا مَعَ ذِكْرِ إِقَامَتِهَا.
فَلَمَّا بَلَغَ ذِكْرَ الْمُنَافِقِينَ قَالَ: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 45]، فَسَمَّاهُمُ الْمُصَلِّينَ وَسَمَّى الْمُؤْمِنِينَ الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ، وَذَلِكَ لِيُعْلَمَ أَنَّ الْمُصَلِّينَ كَثِيرٌ وَالْمُقِيمِينَ لِلصَّلَوَاتِ قَلِيلٌ، فَأَهْلُ الْغَفْلَةِ يَعْمَلُونَ الْأَعْمَالَ عَلَى التَّرْوِيجِ وَلَا يَذْكُرُونَ يَوْمَ تُعْرَضُ عَلَى اللَّهِ فَتُقْبَلُ أَمْ تُرَدُّ.

379- وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ يُصَلِّي فَلَا يُكْتَبُ لَهُ مِنْ صَلَاتِهِ إِلَّا ثُلُثُهَا أَوْ رُبْعُهَا أَوْ خُمْسُهَا أَوْ سُدُسُهَا»، حَتَّى ذَكَرَ عُشْرَهَا يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُكْتَبُ لَهُ مِنْ صَلَاتِهِ إِلَّا مَا عَقَلَ مِنْهَا لَا مَا سَهَا عَنْهَا.

380- وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلًا عَلَى اللَّهِ بِقَلْبِهِ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» .

وَإِنَّمَا عِظَمُ شَأْنِ صَلَاةِ الْعَبْدِ بِإِقْبَالِ الْعَبْدِ عَلَى اللَّهِ، فَإِذَا لَمْ يُقْبِلْ عَلَى صَلَاتِهِ وَلَهَا بِحَدِيثِ النَّفْسِ، كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَدْ وَقَفَ إِلَى بَابِ مَلِكٍ مُعْتَذِرًا مِنْ خَطِيئَتِهِ وَزَلَّتِهِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بَابِ الْمَلِكِ قَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ الْمَلِكُ فَجَعَلَ الْوَاقِفُ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِنَّ الْمَلِكَ لَا يَقْضِي حَاجَتَهُ وَإِنَّمَا يُقْبِلُ الْمَلِكُ عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ عِنَايَتِهِ، فَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ إِذَا قَامَ الْعَبْدُ فِيهَا وَسَهَا فِيهَا لَا تُقْبَلُ مِنْهُ .

وَاعْلَمْ: أَنَّ مَثَلَ الصَّلَاةِ كَمَثَلِ مَلِكٍ اتَّخَذَ عُرْسًا فَاتَّخَذَ وَلِيمَةً وَهَيَّأَ فِيهَا أَلْوَانًا مِنَ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ لِكُلِّ لَوْنٍ لَذَّةٌ، وَفِي كُلِّ لَوْنٍ مَنْفَعَةٌ، فَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ دَعَاهُمُ الرَّبُّ إِلَيْهَا وَهَيَّأَ لَهُمْ فِيهَا أَفْعَالًا مُخْتَلِفَةً وَأَذْكَارًا فَتَعَبَّدَهُمْ بِهَا لِيَلِذَّهُمْ بِكُلِّ لَوْنٍ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ فَالْأَفْعَالُ كَالْأَطْعِمَةِ وَالْأَذْكَارُ كَالْأَشْرِبَةِ.

وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ فِي الصَّلَاةِ اثْنَتَيْ عَشَرَ أَلْفَ خَصْلَةٍ، ثُمَّ جُمِعَتْ هَذِهِ الِاثْنَتَا عَشْرَةَ أَلْفًا فِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ خَصْلَةٍ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّي فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَعَاهَدَ هَذِهِ الِاثْنَتَيْ عَشْرَ خَصْلَةٍ لِتَتِمَّ صَلَاتُهُ، فَسِتَّةٌ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ وَسِتَّةٌ بَعْدَهَا:
أَوَّلُهَا: الْعِلْمُ،.
381
- لِأَنَّ النَّبِيَّ  قَالَ: «عَمَلٌ قَلِيلٌ فِي عِلْمٍ خَيْرٌ مِنْ عَمَلٍ كَثِيرٍ فِي جَهْلٍ» .

وَالثَّانِي: الْوُضُوءُ.
382
- لِقَوْلِهِ : «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطُهُورٍ» .

وَالثَّالِثُ: اللِّبَاسُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31]، يَعْنِي الْبَسُوا ثِيَابَكُمْ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ.

وَالرَّابِعُ: حِفْظُ الْوَقْتِ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103]، يَعْنِي فَرْضًا مُؤَقَّتًا.

وَالْخَامِسُ: اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144]، يَعْنِي نَحْوَهُ.

وَالسَّادِسُ: النِّيَّةُ.
383
- لِقَوْلِهِ  «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» .

وَالسَّابِعُ: التَّكْبِيرُ.
384
- لِقَوْلِهِ : «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» .

وَالثَّامِنُ: الْقِيَامُ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {قُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238]، يَعْنِي صَلُّوا لِلَّهِ قَائِمِينَ.

وَالتَّاسِعُ: الْقِرَاءَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20].

وَالْعَاشِرُ: الرُّكُوعُ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَارْكَعُوا} [البقرة: 43].

وَالْحَادِي عَشَرَ: السُّجُودُ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاسْجُدُوا} [الحج: 77].

وَالثَّانِي عَشَرَ: الْقَعْدَةُ.
385
- لِقَوْلِهِ : «إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ مِنْ آخِرِ السَّجْدَةِ وَقَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ» .

فَإِذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الِاثْنَا عَشَرَ، يُحَتَاجُ إِلَى الْخَتْمِ، وَهُوَ الْإِخْلَاصُ، لِتَتِمَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5].

فَأَمَّا الْعِلْمُ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَوَّلُهَا: أَنْ يَعْرِفَ الْفَرِيضَةَ مِنَ السُّنَّةِ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَجُوزُ إِلَّا بِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَعْرِفَ مَا فِي الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ مِنَ الْفَرِيضَةِ وَالسُّنَّةِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَعْرِفَ كَيْدَ الشَّيْطَانِ فَيَأْخُذَ فِي مُحَارَبَتِهِ بِالْجِهَادِ.

وَأَمَّا الْوُضُوءُ فَتَمَامُهُ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
أَوَّلُهَا: أَنْ تُطَهِّرَ قَلْبَكَ مِنَ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ وَالْغِشِّ.
وَالثَّانِي: أَنْ تُطَهِّرَ الْبَدَنَ مِنَ الذُّنُوبِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ تَغْسِلَ الْأَعْضَاءَ غَسْلًا سَابِغًا بِغَيْرِ إِسْرَافٍ فِي الْمَاءِ.

أَمَّا اللِّبَاسُ فَتَمَامُهُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
أَوَّلُهَا: أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ مِنَ الْحَلَالِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا مِنَ النَّجَاسَاتِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِلسُّنَّةِ وَلَا يَكُونَ لُبْسُهُ عَلَى وَجْهِ الْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ.

وَأَمَّا حِفْظُ الْوَقْتِ فَفِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
أَوَّلُهَا: أَنْ يَكُونَ بَصَرُكَ إِلَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ تَتَعَاهَدُ بِهِ حُضُورَ الْوَقْتِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ سَمْعُكَ إِلَى الْأَذَانِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ قَلْبُكَ مُتَفَكِّرًا مُتَعَاهِدًا لِلْوَقْتِ.

وَأَمَّا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فَتَمَامُهُ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
أَوَّلُهَا: أَنْ تَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِوَجْهِكَ.
وَالثَّانِي: أَنْ تُقْبِلَ عَلَى اللَّهِ بِقَلْبِكَ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ خَاشِعًا ذَلِيلًا.

وَأَمَّا النِّيَّةُ فَتَمَامُهَا فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
أَوَّلُهَا: أَنْ تَعْلَمَ أَيَّ صَلَاةٍ تُصَلِّي.
وَالثَّانِي: أَنْ تَعْلَمَ أَنَّكَ تَقُومُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ يَرَاكَ فَتَقُومُ بِالْهَيْبَةِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ تَعْلَمَ مَا فِي قَلْبِكَ فَتُفْرِغْ قَلْبَكَ مِنْ أَشْغَالِ الدُّنْيَا.

وَأَمَّا التَّكْبِيرُ فَتَمَامُهُ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
أَوَّلُهَا: أَنْ تُكَبِّرُوا تَكْبِيرًا صَحِيحًا جَزْمًا.
وَالثَّانِي: أَنْ تَرْفَعَ يَدَيْكَ حِذَاءَ أُذُنَيْكَ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ قَلْبُكَ حَاضِرًا فَتُكَبِّرَ مَعَ التَّعْظِيمِ.

وَأَمَّا تَمَامُ الْقِيَامِ فَفِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
أَوَّلُهَا: أَنْ تَجْعَلَ بَصَرَكَ فِي مَوْضِعِ سُجُودِكَ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَجْعَلَ قَلْبَكَ إِلَى اللَّهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا تَلْتَفِتْ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا.

وَأَمَّا تَمَامُ الْقِرَاءَةِ فَفِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
أَوَّلُهَا: أَنْ تَقْرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ قِرَاءَةً صَحِيحَةً بِالتَّرْتِيلِ بِغَيْرِ لَحْنٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَقْرَأَ بِالتَّفَكُّرِ وَتَتَعَاهَدَ مَعَانِيهَا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ تَعْمَلَ بِمَا تَقْرَأُ.

وَأَمَّا تَمَامُ الرُّكُوعِ فَفِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
أَوَّلُهَا: أَنْ تَبْسُطَ ظَهْرَكَ وَلَا تُنَكِّسَهُ وَلَا تَرْفَعَهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَضَعَ يَدَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ وَتُفَرِّجَ بَيْنَ أَصَابِعِكَ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا وَتُسَبِّحَ التَّسْبِيحَاتِ مَعَ التَّعْظِيمِ وَالْوَقَارِ.

وَأَمَّا تَمَامُ السُّجُودِ فَفِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
أَوَّلُهَا: أَنْ تَضَعَ يَدَيْكَ بِحِذَاءِ أُذُنَيْكَ .
وَالثَّانِي: أَنْ لَا تَبْسُطَ ذِرَاعَيْكَ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ تَطْمَئِنَّ فِيهَا وَتُسَبِّحَ مَعَ التَّعْظِيمِ.

وَأَمَّا تَمَامُ الْجُلُوسِ فَفِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
أَوَّلُهَا: أَنْ تَقْعُدَ عَلَى رِجْلِكَ الْيُسْرَى وَتَنْصِبَ الْيُمْنَى نَصْبًا.
وَالثَّانِي: أَنْ تَتَشَهَّدَ بِالتَّعْظِيمِ وَتَدْعُوَ لِنَفْسِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ تُسَلِّمَ عَلَى التَّمَامِ.

وَأَمَّا تَمَامُ السَّلَامِ: فَأَنْ تَكُونَ مَعَ النِّيَّةِ الصَّادِقَةِ مِنْ قِبَلِكَ أَنَّ سَلَامَكَ عَلَى مَنْ كَانَ عَلَى يَمِينِكَ مِنَ الْحَفَظَةِ وَالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَكَذَلِكَ عَنْ يَسَارِكَ وَلَا يَتَجَاوَزَ بَصَرُكَ عَنْ مَنْكِبَيْكَ.

وَأَمَّا تَمَامُ الْإِخْلَاصِ فَفِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
أَوَّلُهَا: أَنْ تَطْلُبَ بِصَلَاتِكَ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى وَلَا تَطْلُبَ رِضَا النَّاسِ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَرَى التَّوْفِيقَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالثَّالِثُ: أَنْ تَحْفَظَهَا حَتَّى تَذْهَبَ بِهَا مَعَ نَفْسِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ} [الأنعام: 160]، وَلَمْ يَقُلْ مَنْ عَمِلَ الْحَسَنَةَ.

وَيَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي أَنْ يَعْلَمَ مَاذَا يَفْعَلُ، وَيَعْرِفَ قَدْرَهُ لِيَحْمَدَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَا وَفَّقَهُ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ قَدْ جُمِعَتْ فِيهَا أَنْوَاعُ الْخَيْرِ مِنَ الْأَفْعَالِ وَالْأَذْكَارِ.

فَإِذَا قَامَ الْعَبْدُ إِلَى الصَّلَاةِ وَقَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ»، وَمَعْنَاهُ اللَّهُ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ عَلِمَ عَبْدِي أَنِّي أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَقَدْ أَقْبَلَ عَلَيَّ، فَإِذَا كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ، وَمَعْنَى رَفْعِ الْيَدَيْنِ، هُوَ التَّبْرِئَةُ مِنْ كِلِّ مَعْبُودٍ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى.

ثُمَّ يَقُولُ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ» وَتَعْلَمُ فِي قَلْبِكَ مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ.
«سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ» يَعْنِي: تَنْزِيهًا لِلَّهِ عَنْ كُلِّ سُوءٍ وَنَقْصٍ، «وبِحَمْدِكَ» يَعْنِي: أَنَّ لَكَ الْحَمْدُ، «وَتَبَارَكَ اسْمُكَ»، يَعْنِي: جُعِلَتِ الْبَرَكَةُ فِي اسْمِكَ أَيْ فِيمَا ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُكَ، ثُمَّ تَقُولُ: «وَتَعَالَى جَدُّكَ»، يَعْنِي ارْتَفَعَ قَدْرُكَ وَعَظَمَتُكَ، «وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ»، يَعْنِي لَا خَالِقَ وَلَا رَازِقَ وَلَا مَعْبُودَ غَيْرُكَ لَمْ يَكُنْ فِيمَا مَضَى وَلَا يَكُونُ فِيمَا بَقِيَ.

ثُمَّ تَقُولُ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»، يَعْنِي: أَسْأَلُكَ أَنْ تُعِيذَنِي وَتَمْنَعَنِي مِنْ فِتْنَةِ الشَّيْطَانِ الْمَلْعُونِ الرَّجِيمِ، «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» فَمَعْنَى قَوْلِهِ بِسْمِ اللَّهِ، يَعْنِي: الْأَوَّلَ فَلَا شَيْءَ قَبْلَهُ وَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ، الرَّحْمَنِ الْعَاطِفِ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ بِالرِّزْقِ الرَّحِيمِ الْبَارِّ بِالْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ تَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ إِلَى آخِرِهَا، يَعْنِي الْحَمْدَ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْنِي مِنَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، وَهُمُ الْيَهُودُ وَلَا الضَّالِّينَ وَهُمُ النَّصَارَى، وَلَكِنَّهُ جَعَلَنِي عَلَى طَرِيقِ أَنْبِيَائِهِ.

وَإِذَا رَكَعْتَ فَتَفَكَّرْ فِي نَفْسِكَ فَكَأَنَّكَ تَقُولُ: يَا رَبُّ إِنِّي خَضَعْتُ بَيْنَ يَدَيْكَ وَجِئْتُ بِهَذِهِ النَّفْسِ الْعَاصِيَةِ إِلَيْكَ، وَانْقَادَتْ نَفْسِي لِعَظَمَتِكَ لَعَلَّكَ تَعْفُو عَنِّي وَتَرْحَمُنِي، ثُمَّ تَقُولُ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ» مَعْنَاهُ تَضَرُّعًا إِلَى رَبِّ عَظِيمٍ وَمَوْلًى كَرِيمٍ.

ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ وَتَقُولُ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» مَعْنَاهُ: غَفَرَ اللَّهُ لِمَنْ وَحَّدَهُ وَأَطَاعَهُ، ثُمَّ تَقُولُ: «رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» مَعْنَاهُ لَكَ الْحَمْدُ إِذْ وَفَّقْتَنَا لِهَذَا.

ثُمَّ تَسْجُدُ، وَمَعْنَى السُّجُودِ الْمَيْلُ بِالذُّلِّ وَالِاسْتِسْلَامِ وَالتَّوَاضُعِ وَمَعْنَاهُ: يَا رَبُّ إِنَّكَ صَوَّرْتَ وَجْهِي عَلَى أَحْسَنِ الصُّوَرِ، وَجَعَلْتَ فِيهِ الْبَصَرَ وَالسَّمْعَ وَاللِّسَانَ فَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ أَحَبُّ إِلَيَّ وَأَنْفَعُ، فَقَدْ جِئْتُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَوَضَعْتُهَا بَيْنَ يَدَيْكَ لَعَلَّكَ تَرْحَمُنِي ثُمَّ تَقُولُ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى» مَعْنَاهُ: تَنَزَّهَ رَبِّيَ الْأَعْلَى الَّذِي لَا شَيْءَ فَوْقَهُ .

وَإِذَا جَلَسْتَ لِلتَّشَهُّدِ وَقَرَأْتَ التحيات فتقول: «التَّحِيَّاتِ لِلَّهِ»، يَعْنِي الْمُلْكَ لِلَّهِ وَالْحَمْدَ وَالثَّنَاءَ.

وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَصْنَامٌ فَكَانُوا يَقُولُونَ لِأَصْنَامِهِمْ: لَكِ الْحَيَاةُ الْبَاقِيَةُ، فَأَمَرَ أَهْلَ الصَّلَاةِ أَنْ يَجْعَلُوا التَّحِيَّاتِ يَعْنِي الْبَقَاءَ وَالْمُلْكَ الدَّائِمَ لِلَّهِ تَعَالَى

ثُمَّ تَقُولُ: «وَالصَّلَوَاتُ» يَعْنِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُصَلَّى إِلَّا لَهُ، «وَالطَّيِّبَاتُ» يَعْنِي شِهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ هِيَ لِلَّهِ تَعَالَى، يَعْنِي الْوَحْدَانِيَّةَ لِلَّهِ تَعَالَى.
ثُمَّ يَقُولُ: «السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ» يَعْنِي: يَا مُحَمَّدُ عَلَيْكَ السَّلَامُ، كَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَةَ رَبِّكَ وَنَصَحْتَ لِأُمَّتِكَ، «وَرَحْمَةُ اللَّهِ»، يَعْنِي: رِضْوَانَ اللَّهِ لَكَ وَبَرَكَاتُهُ يَعْنِي عَلَيْكَ الْبَرَكَةُ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ، «السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ»، يَعْنِي: مَغْفِرَةَ اللَّهِ تَعَالَى لَنَا وَعَلَيْنَا وَعَلَى جَمِيعِ مَنْ مَضَى مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» يَعْنِي: لَا مَعْبُودَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ غَيْرُهُ، «وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» خَاتَمُ أَنْبِيَائِهِ وَصَفِيُّهُ وَخِيرَتُهُ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ.

ثُمَّ تُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ، ثُمَّ تَدْعُو لِنَفْسِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، ثُمَّ تُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِكَ وَشِمَالِكَ وَمَعْنَى التَّسْلِيمِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الْيَسَارِ، يَعْنِي: أَنْتُمْ مَعَاشِرَ إِخْوَانِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ سَالِمُونَ آمِنُونَ مِنْ شَرِّي وَخِيَانَتِي إِذَا خَرَجْتُ مِنَ الْمَسْجِدِ.

386- وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، عَنِ النَّبِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ: «لِلْمُصَلِّي ثَلَاثُ كَرَامَاتٍ يَتَنَاثَرُ الْبِرُّ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ عَنَانِ السَّمَاءِ إِلَى مَفْرَقِ رَأْسِهِ، وَالْمَلَائِكَةُ مَحْفُوفَةٌ مِنْ قَدَمَيْهِ إِلَى عَنَانِ السَّمَاءِ، وَمَلَكٌ يُنَادِي: لَوْ يَعْلَمُ الْعَبْدُ مَنْ يُنَاجِي مَا انْتَقَلَ مِنْ صَلَاتِهِ» .

فَهَذِهِ الْكَرَامَاتُ كُلُّهَا لِلْمُصَلِّي فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْرِفَ قَدْرَ صَلَاتِهِ وَيَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى مَا مَنَّ عَلَيْهِ وَوَفَّقَهُ لِذَلِكَ .

وَرَوَى سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ دَانْيَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَعَتَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ  فَقَالَ: يُصَلُّونَ صَلَاةً لَوْ صَلَّاهَا قَوْمُ نُوحٍ مَا أُغْرِقُوا، وَلَوْ صَلَّاهَا قَوْمُ عَادٍ مَا أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الرِّيحُ الْعَقِيمُ، وَلَوْ صَلَّاهَا قَوْمُ ثَمُودَ مَا أَخَدَتْهُمُ الصَّيْحَةُ، ثُمَّ قَالَ قَتَادَةُ: عَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فَإِنَّهَا خُلُقٌ لِلْمُؤْمِنِينَ حَسَنٌ.

387وَرَوَى خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ لَيْثٍ، رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ  ، أَنَّهُ قَالَ: «أُمَّتِي أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ وَإِنَّمَا يَدْفَعُ اللَّهُ عَنْهُمُ الْبَلَاءَ بِإِخْلَاصِهِمْ وَدُعَائِهِمْ وَضُعَفَائِهِمْ» .

وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
 

Tidak ada komentar